
بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق، دخلت البلاد مرحلة جديدة مع اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي العراقية في 30 سبتمبر (أيلول) 2026، وإنهاء الوجود العسكري الأمريكي المرتبط بمهمة التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”. وأعلنت بغداد أن هذه الخطوة تمثل انتقالا إلى مرحلة تتحمل فيها المؤسسات والقوات العراقية المسؤولية الكاملة عن أمن البلاد وقرارها الأمني.
لكن خروج القوات الأمريكية لا يعني بالضرورة نهاية الدور الأمريكي في العراق. فالعلاقة بين بغداد وواشنطن مرشحة للانتقال من الوجود العسكري المباشر إلى تعاون ثنائي يشمل التدريب وتبادل المعلومات والخبرات والدعم الأمني والعسكري. وبذلك، يبدو أن السؤال لم يعد متعلقا بعدد الجنود الأمريكيين الموجودين على الأراضي العراقية، بل بطبيعة العلاقة الجديدة بين البلدين، ومدى قدرة بغداد على بناء قرار أمني وسياسي مستقل.
وفي المقابل، يواجه العراق مرحلة حساسة تتداخل فيها تحديات أمنية داخلية مع تنافس إقليمي واسع، في ظل استمرار النفوذين الإيراني والتركي، والتحديات المرتبطة بتنظيم “داعش”، إضافة إلى المخاوف الأمنية في إقليم كردستان بعد انسحاب أنظمة وقدرات دفاعية أمريكية مهمة. وقد أعلنت حكومة الإقليم أن غياب منظومة دفاع جوي بديلة يمثل مصدر قلق، مؤكدة في الوقت نفسه استعداد قوات البيشمركة للتنسيق مع بغداد.
فهل دخل العراق فعلا مرحلة جديدة من السيادة الأمنية؟ وهل تستطيع القوات العراقية سد أي فراغ محتمل؟ وهل يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى زيادة النفوذين الإيراني والتركي؟ وما مستقبل التعاون العسكري والاستخباراتي بين بغداد وواشنطن؟
للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة خاصة مع المهندس والمحلل في الشؤون السياسية العراقية، الدكتور ظافر الطائي.
هل دخل العراق مرحلة جديدة من السيادة الأمنية، أم أن النفوذ الأمريكي سيستمر بأشكال أخرى؟
الدكتور ظافر الطائي:
مع انسحاب القوات الأمريكية، دخل العراق بالفعل مرحلة جديدة يتحمل فيها مسؤولية أكبر عن أمنه، وأصبحت أمام المؤسسات العراقية مساحة أكبر لإدارة شؤون البلاد.
لكن تحقيق السيادة الكاملة يبقى عملية مستمرة، ولا يمكن قياسها بمجرد خروج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية، بل بقدرة الدولة على تأمين حدودها، وتطبيق القانون، والسيطرة على الأسلحة غير المرخصة، واتخاذ القرارات التي تخدم مصالح الشعب العراقي بعيدا عن الضغوط الخارجية.
وأتوقع أن يستمر النفوذ الأمريكي، ولكن بأشكال مختلفة، من خلال العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية، وتوريد الأسلحة، والتعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات.
انسحاب القوات الأمريكية من الأراضي العراقية لا يعني نهاية المصالح المشتركة أو التعاون بين البلدين، ومن المتوقع أن تستمر هذه العلاقات من خلال الاتفاقيات والتفاهمات التي جرى التوصل إليها بين بغداد وواشنطن.
ما التداعيات الأمنية المباشرة للانسحاب؟ وهل تستطيع القوات العراقية ملء أي فراغ محتمل؟
الدكتور ظافر الطائي:
لا أتوقع تداعيات أمنية كبيرة. فمنذ عام 2010 أصبحت مسؤولية الأمن الداخلي في أيدي القوات الأمنية العراقية بصورة أساسية، وقد حققت معظم هذه القوات مستوى عاليا من الجاهزية نتيجة مشاركتها الواسعة في الحرب ضد تنظيم “داعش”.
وقد تحاول بعض خلايا “داعش” اختبار جاهزية القوات العراقية أو استغلال المناطق النائية لتنفيذ خروقات أمنية، لكنني لا أتوقع أن تشكل مثل هذه الحوادث تهديدا خطيرا، ومن المرجح أن تتمكن القوات العراقية من التعامل معها.
وبحسب تقييمي، فإن القوات العراقية قادرة على تحمل المسؤولية الأساسية عن السيطرة على الأراضي، وتنفيذ العمليات، والحفاظ على المراقبة المستمرة، وتحليل المعلومات الاستخباراتية، واتخاذ القرارات المناسبة عند الضرورة.
ومع ذلك، وحتى إذا ظل احتمال حدوث تحد أمني كبير منخفضا، فإن على العراق الاستعداد بجدية لجميع السيناريوهات المحتملة.
كيف سيتغير ميزان القوى؟ وهل سيزداد النفوذ الإيراني، أم ستتمكن بغداد من الحفاظ على توازنها؟
الدكتور ظافر الطائي:
قد يمنح الانسحاب الأمريكي القوى السياسية القريبة من إيران شعورا بأن وزنها السياسي قد ازداد، وقد يسعى بعض الأطراف إلى تحويل ذلك إلى مكاسب سياسية داخلية.
لكن هذا يبقى احتمالا سياسيا وليس أمرا مؤكدا، خصوصا أن إيران منشغلة حاليا بدرجة كبيرة بمسألة مضيق هرمز واحتمال تجدد الصراع مع الولايات المتحدة.
والحكومة العراقية الحالية اتخذت خطوات جدية في هذا الاتجاه. وتدرك إيران أن الوضع العراقي لا يزال هشا، وأن أي خطوة غير محسوبة قد تؤدي إلى نتائج خطيرة.
وبرأيي الشخصي، فإن إيران لا تعتمد بشكل كبير في الوقت الراهن على حليفها العراقي. ويبدو أن طهران تسعى إلى منع تصعيد الوضع، وقد يكون الحفاظ على الوضع الحالي كافيا بالنسبة إليها، لأن فتح جبهة إضافية في العراق سيضع عليها ضغوطا كبيرة.
وتسعى الحكومة العراقية حاليا إلى الحفاظ على سياسة متوازنة تجاه الأطراف الخارجية. والحفاظ على التماسك الداخلي أمر بالغ الأهمية، وهذا يتطلب أيضا قرارا عراقيا مستقلا ورفض استخدام الأراضي العراقية للإضرار بأي دولة أو جر العراق إلى مواجهة.
وكلما أصبحت الدولة العراقية أقوى في تقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها وحماية جبهتها الداخلية، ازدادت قدرتها على التفاوض مع جميع الأطراف من موقع أكثر ثقة.
ومن هنا، فإن مستقبل التوازن الخارجي للعراق سيعتمد بدرجة كبيرة على الإصلاحات الداخلية وقوة مؤسسات الدولة.
ماذا يعني الانسحاب الأمريكي بالنسبة إلى إقليم كردستان، خصوصا في ظل التهديدات الصاروخية والطائرات المسيرة؟
الدكتور ظافر الطائي:
المخاوف الكردية حقيقية ويجب التعامل معها بجدية. وهي مرتبطة بالأحداث السابقة، إضافة إلى حقيقة أن إقليم كردستان يمتلك قدرات دفاعية محدودة.
وقد يدفع هذا الوضع حكومة الإقليم إلى الاقتراب أكثر من بغداد من أجل حل الخلافات العالقة، وربما قبول شروط كانت تعتبرها في السابق غير مقبولة.
ويمكن لهذه التطورات أن توفر فرصة للحكومة الاتحادية لتوسيع سلطتها وتوحيد عملية اتخاذ القرار الأمني في مختلف أنحاء البلاد.
رفع مستوى جاهزية القوات في إقليم كردستان يتطلب التمويل والتدريب والصيانة والتنسيق بين مختلف الأنظمة الدفاعية. وسيكون من الصعب توفير هذه المتطلبات أو استبدالها بسرعة، خصوصا في ظل التحديات المالية التي يواجهها العراق.
هل يمكن أن يفتح الانسحاب الباب أمام تركيا وإيران لتوسيع نفوذهما في العراق؟
الدكتور ظافر الطائي:
لقد ناقشنا الدور المحتمل لإيران في السؤال الثالث، وتنطبق اعتبارات مشابهة على النفوذ التركي.
وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية أعلنت أن تركيا بدأت الانسحاب من بعض قواعدها العسكرية، فإنني أعتقد أن هذه العملية ستكون تدريجية. وستعتمد وتيرتها على التطورات المتعلقة بحزب العمال الكردستاني، والأكراد السوريين، وإيران، وحتى التطورات الأوسع في سوريا.
واتجاه الأحداث سيعتمد على قدرة بغداد على التفاوض ووضع قواعد واضحة تحكم علاقاتها مع الدول المجاورة، ولا سيما تركيا.
وتواصل تركيا بين الحين والآخر إثارة قضية كركوك، وتسعى إلى الحفاظ على أشكال مختلفة من أوراق النفوذ التي يمكن استخدامها في علاقاتها مع العراق لتحقيق مصالح اقتصادية وأمنية.
وبرأيي، سيصبح موقف الحكومة العراقية أقوى إذا عالجت القضايا الحدودية من خلال اتفاقيات ثنائية، مع رفض أي عمليات عسكرية لم يجر الاتفاق عليها مع بغداد.
وفي الوقت نفسه، يستطيع العراق الاستفادة من التجارة والاستثمار والمشاريع الصناعية المختلفة، ولا سيما في قطاع النقل، مع تركيا وإيران ومعظم دول المنطقة، مع الحفاظ على استقلالية قراره السياسي.
ما مستقبل التعاون العسكري والاستخباراتي مع واشنطن؟ وهل يمكن أن يستمر النفوذ الأمريكي من دون وجود قوات؟
الدكتور ظافر الطائي:
يمكن لواشنطن الحفاظ على نفوذ أمني من دون الإبقاء على وجود عسكري دائم في العراق.
ويمكن أن يأخذ التعاون أشكالا متعددة، من بينها تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتدريب القوات العراقية خارج العراق، وتوريد الأسلحة، وتوفير قطع الغيار، والدعم الفني، وصيانة المعدات.
وتشير التقارير المنشورة بشأن اتفاق الانسحاب إلى أن هذا التعاون من المتوقع أن يستمر، ولا سيما في مجالات التدريب والتنسيق الاستخباراتي. وقد تتضمن بعض جوانبه أيضا تفاهمات لم يعلن عن تفاصيلها بالضرورة، لكنها تمثل التزامات بين الجانبين.
وفي الوقت الراهن، من مصلحة العراق الحفاظ على هذا التعاون، مع تحديد نطاقه وآلياته بشكل واضح.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ربط هذا التعاون بجدول زمني محدد يهدف إلى نقل المعرفة وزيادة القدرات العراقية المستقلة في تشغيل المعدات وصيانتها وتحليل المعلومات الاستخباراتية.
ومن شأن ذلك أن يمنع العراق من البقاء معتمدا إلى أجل غير مسمى على المساعدة الخارجية، وهي حالة قد تخلق صعوبات سياسية للحكومة العراقية على المستوى الداخلي.
وينبغي على الولايات المتحدة تجنب وضع الحكومة العراقية في مواقف سياسية صعبة، أو تصويرها على أنها مجرد طرف تابع أو جهة تنفذ قرارات دولة أخرى. ويمكن أن يكون لتكرار الإشارة إلى العقوبات تأثير مماثل.
فمثل هذا النهج لن يعكس صورة صداقة أو شراكة متكافئة، بل سيعطي انطباعا بوجود قوة مهيمنة وشريك تابع. وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف موقف الحكومة العراقية داخليا، ومنح منتقديها فرصا إضافية للطعن في سياساتها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير