تقدير موقف

أوروبا وروسيا.. عندما يصبح الاستعداد للعراك بديلا عن محاولة تجنبه


  • 29 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

استغرق أول لقاء ثنائي معلن بين وزيري خارجية روسيا وألمانيا منذ اندلاع الحرب الأوكرانية أكثر قليلا من عشرين دقيقة، حيث استقبل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، نظيره الألماني يوهان فادفول، بناء على طلب الأخير، على هامش مشاركتهما في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

جرى اللقاء يوم 26 سبتمبر (أيلول) 2026، لكنه لم يخرج بشيء يذكر، سوى استفزاز الوزير لافروف، وفقا لما قرأته في ملامحه وهو يعلق على اللقاء خلال المؤتمر الصحفي الموسع الذي عقده في اليوم نفسه بعد الاجتماع بقليل، ليختتم به أسبوعه الحافل في نيويورك.

افترق الرجلان من دون اتفاق أو إصدار بيان مشترك، بل من دون تغيير ظاهر في موقفي موسكو وبرلين. وقد فسرت المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، يوم الاثنين 28 سبتمبر (أيلول) 2026، سر الطلب الألماني العاجل للقاء لافروف بالتراجع السريع والكبير في شعبية المستشار الألماني الحالي وحكومته، وحاجته إلى إرسال رسالة تهدئة إلى المجتمع الألماني، وهو ما قالت إن الانتخابات الجارية في الولايات الألمانية المختلفة هذه الأيام تؤكده.

وعدم خروج هذا اللقاء بنتيجة أمر متوقع، في رأيي، في واقع الأمر؛ فقد جاء بعد أربع سنوات ونصف من الحرب والقطيعة السياسية بين البلدين، واتهامات وتصعيد غير مسبوق بسبب الدعم المالي والعسكري الكبير الذي قدمته، ولا تزال تقدمه، ألمانيا لأوكرانيا.

أما غير المتوقع، فهو أن يصبح مجرد انعقاد اللقاء نفسه موضع انتقاد داخل ألمانيا، ففي الوقت الذي تتحدث فيه أوروبا صباح مساء عن احتمال اقتراب المواجهة العسكرية المباشرة مع روسيا، يأتي الأخ فادفول ويطلب لقاء لافروف.

وحتى لا أخوض طويلا في الضوضاء التي أحدثتها أصوات متناقضة داخل ألمانيا في تناولها لهذا اللقاء، أشير إلى رودريش كيزفيتر، أحد أبرز أصوات السياسة الخارجية في الاتحاد الديمقراطي المسيحي الألماني، الذي اعتبر اللقاء عديم الجدوى وانتقده بشدة، ورأى فيه حديثا بين برلين وموسكو من فوق رؤوس الدول الواقعة جغرافيا بين البلدين، وكذلك من فوق رأس أوكرانيا. وفي المقابل، جاء موقف مناقض تماما على لسان رالف شتيغنر، ممثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الذي اعتبر اللقاء مهما في سياق ضرورة الإبقاء على قناة أوروبية مباشرة مع موسكو، بدلا من ترك الحديث معها بالكامل في يد الأمريكيين.

وحتى لا أطيل في هذا الجدل البيزنطي العقيم، أقول إنني لا أرى ما يدعو إلى الاستغراب من فشل اجتماع استمر عشرين دقيقة فقط، بالنظر إلى حجم المشكلات المتراكمة بين طرفيه.

فالعلاقات الروسية الألمانية انتقلت خلال أربعة أعوام من شراكة اقتصادية واسعة واعتماد ألماني كبير جدا على الطاقة الروسية لتشغيل الصناعة، إلى العقوبات وتسليح أوكرانيا وانهيار معظم البنية التحتية السياسية والاقتصادية التي بنيت منذ سبعينيات القرن الماضي، والتي كانت تدير العلاقة بين البلدين بدرجة كبيرة من الاستقرار. ثم جلس وزيرا الخارجية للمرة الأولى منذ يناير (كانون الثاني) 2022، حين جرى آخر لقاء مماثل بين البلدين، فأصبح معيار نجاح الاجتماع، لدى بعض المتابعين والمراقبين الحالمين، أن ينتج عنه تقدم على مسار الحرب الأوكرانية.

لافروف، وبلغة تحمل نغمة انتقاد حادة، قال إنه لم يسمع من فادفول شيئا يختلف عما تقوله الحكومة الألمانية علنا، وإن الوزير الألماني كان يستطيع أن يتصل به هاتفيا ليقول له هاتين الكلمتين و”خلصنا”، بدلا من طلب اللقاء وكل هذا “الهيلمان” الذي دار حوله بعد ذلك.

أما أخونا فادفول، فقال إنه طالب روسيا خلال اللقاء بخفض التصعيد، وإنه لم يتفاوض مع لافروف على مستقبل أوكرانيا، ولم يلمس لدى الوفد الروسي استعدادا للاستجابة لدعوته إلى مفاوضات تنهي الحرب.

إن الاجتماع الأول بعد سنوات من القطيعة لا يمكن أن يكون مفاوضات سلام، يا أيها القارئ العزيز. فهذا وهم منفصل عن الواقع، خاصة ونحن نتناول صراعا مثل الصراع الأوكراني. فوظيفة لقاء كهذا عادة ما تكون متواضعة، ولا تعدو أن تكون فرصة ليسمع كل طرف من الآخر مباشرة، وأن يعرف أو يستطلع أين تقع حدوده، وأي جزء من خطابه العلني قابل للتفاوض، وأي جزء يمثل موقفا نهائيا.

وفضلا عن ذلك، تكمن أهمية مثل هذه اللقاءات، إن صدقت النية، في الإبقاء على قناة يمكن استخدامها والاستفادة منها إذا تحولت أزمة ميدانية في البلطيق أو البحر الأسود أو المجال الجوي الأوروبي إلى شيء أخطر. وهذا ما نشهد إرهاصاته بالفعل خلال الأشهر الأخيرة من التصعيد بين الأطراف المختلفة في هذه المناطق والفضاءات.

المأساة التي تثير الحسرة، يا عزيزي القارئ، هي أن جزءا من التفكير السياسي الأوروبي أصبح يتعامل حتى مع هذه الوظيفة المحدودة لمثل هذه اللقاءات بشبهة.

فالاعتراض، من واقع ما نتابع، وكما أشرت أعلاه، لم يعد مقتصرا على تقديم تنازلات لموسكو، بل يمتد أحيانا إلى مسألة التواصل معها بأي شكل إذا لم يوجد ضمان مسبق بأن هذا الاتصال سيؤدي إلى تنازل روسي.

وبهذا المنطق، تتحول الدبلوماسية من وسيلة لإدارة الخصومة كي لا تتطور إلى صراع، إلى مكافأة تمنح للخصم بعد أن يصبح مستعدا لقبول شروطك. وما هذا إلا منطق عليل لا يأتي بخير.

وهذا يحدث، كما نشاهد، بينما تعيد أوروبا بناء تصورها الأمني والعسكري كله على احتمال أن تتجاوز الخصومة مع روسيا حدود أوكرانيا. بل إن بلدانا مثل بريطانيا وألمانيا تعد شعوبها لاحتمال هذه المواجهة في العام المقبل 2027، ولله في خلقه شؤون.

على بعد مئات الكيلومترات إلى الشمال الشرقي من برلين، تحصن ليتوانيا منشأة كهرباء حيوية قرب كالينينغراد الروسية ضد المسيرات والمتفجرات، باستخدام أسوار خاصة وأجهزة لكشف الأنفاق وكتل خرسانية لحماية المحولات الكهربائية. وقد أضاف المشروع عشرات الملايين من اليورو إلى تكلفته الأصلية. ولخص مدير شبكة الكهرباء الليتوانية الأمر ببساطة، قائلا إن المنشآت كانت تصمم في السابق لمواجهة الكوارث الطبيعية، أما اليوم فتصمم لمواجهة التهديدات الهجينة والعسكرية أيضا.

والبرلمان الليتواني يتبنى قرارا بإلغاء حظر نشر الأسلحة النووية الأمريكية على أراضي ليتوانيا.

ودول البلطيق ترفع إنفاقها الدفاعي، وتحصن بنيتها التحتية، وتضع خططا للطوارئ والإجلاء. وفي الوقت نفسه، يعود ممر سوالكي بين بولندا وليتوانيا، والذي يقع بين كالينينغراد وبيلاروسيا، إلى قلب التخطيط العسكري الأطلسي. والروس يرقبون ذلك بعناية وحنق شديدين، فيما تحذر أجهزة استخبارات ومسؤولون أوروبيون من عمليات تخريب أو استفزازات يمكن أن تختبر تماسك الناتو.

ومع ذلك، لا يوجد دليل دامغ وعلني يمكن الاستناد إليه لاتهام الكرملين وبوتين بتبييت النية لمهاجمة أي دولة من دول حلف شمال الأطلسي. لكن التحول الأوروبي تجاوز الخطط العسكرية والإنفاق الدفاعي.

بل وصل إلى صميم الخيال السياسي الشعبي نفسه في هذه البلدان. وهذا تطور لا يبشر بخير يا ناس. ففي أواخر سبتمبر (أيلول) الجاري، عرضت شبكة سكاي البريطانية سلسلة تحمل اسم “The Wargame”، وهي عمل من عدة حلقات يقدم محاكاة درامية واقعية لحرب مفترضة بين روسيا وبريطانيا. ولم تستعن القناة بممثلين فقط، بل وضعت شخصيات سياسية وعسكرية حقيقية في حكومة افتراضية، من بينهم مايكل غوف رئيسا للوزراء، ونيكولا ستيرجن نائبة له، وبيني موردونت وزيرة للدفاع، وهارييت هارمان وزيرة للداخلية، وكذلك السفير البريطاني السابق في واشنطن كيم داروك مستشارا للأمن القومي، والجنرال ريتشارد بارونز في موقع عسكري مركزي.

وهذا يعني أن المشاهد لا يتابع فيلما سينمائيا أو مسلسلا عن الحرب فحسب، بل يشاهد طبقة من النخبة البريطانية الحقيقية وهي تتدرب أمام الكاميرا على اتخاذ قرارات في حرب مع روسيا.

والمثير في الموضوع كله أن المحاكاة تبدأ بأحداث يمكن وضعها داخل ما يوصف بـ”المنطقة الرمادية”. فما شاهدته من أبرز لقطات ومضمون العمل يقدم لنا سفينة روسية مشبوهة قرب جزر أوركني، وتهديدا للكابلات البحرية في المنطقة، وعمليات تخريب سيبرانية، ومعلومات مضللة، وفوق ذلك كله مقتل طيارين بريطانيين.

ثم يتسارع السيناريو، فتضرب بريطانيا بصواريخ روسية، وتنجح المسيرات الروسية في الوقت نفسه في شل أجزاء من شبكة الكهرباء البريطانية، فتقوم الأخت لندن، التي لا تزال تعيش في وهم عاصمة الإمبراطورية الساقطة، بالرد عسكريا على روسيا.

وعندما نصل إلى الحلقة الأخيرة، تنتقل اللعبة إلى المستوى الذي ظل الأوروبيون طوال الحرب الأوكرانية يحاولون تجنبه؛ أي أن تأمر موسكو، بتوجيه من بوتين، بإطلاق صاروخ فرط صوتي من طراز “أوريشنيك” باتجاه بريطانيا. وليس باتجاه بريطانيا هكذا في العموم، بل نحو مكتب رئيس الوزراء البريطاني نفسه.

وداخل هذه المحاكاة، يملك رئيس الوزراء البريطاني اثنتين وعشرين دقيقة فقط. والمصيبة أنه لا يعرف ما إذا كان الصاروخ يحمل رأسا تقليديا أم نوويا. ولا تستطيع بريطانيا، وفق السيناريو الذي يبنيه العمل، إسقاط هذا الصاروخ. وبالتالي، عليه أن يقرر خلال هذه الدقائق القليلة ما إذا كان سينتظر الضربة أم سيرد. وإذا قرر الرد، فكيف يرد؟ وهل سيحول الرد نفسه أزمة أوروبية إلى حرب نووية؟

الحلقة الأخيرة لا تتعامل مع صاروخ “أوريشنيك” باعتباره مجرد سلاح روسي جديد، بل يقدمه السيناريو باعتباره أداة لإنتاج أقصى درجات عدم اليقين الاستراتيجي؛ فهو صاروخ شديد السرعة ومزدوج القدرة، فضلا عن أن الزمن المتاح لمعرفة طبيعة الهجوم واتخاذ القرار شديد القصر. ويخبر المجتمعون رئيس الوزراء بضرورة ضرب روسيا بالسلاح النووي البريطاني.

الجزء المزعج في هذا التصور أن الزمن الحقيقي قد يكون أقصر بالفعل. ففي تحليل عسكري نشرته “الإندبندنت” بعد عرض البرنامج، أشير إلى أن صاروخا باليستيا يطلق من كالينينغراد باتجاه بريطانيا يمكن أن يصل إلى لندن في نحو ست دقائق، وربما يحتاج إلى أكثر من عشر دقائق إذا أطلق من مناطق أبعد داخل روسيا. كما أن أجهزة الإنذار قد تكشف الإطلاق والمسار، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تخبر رئيس الوزراء فورا بنوع الرأس الذي يحمله الصاروخ أو النية السياسية وراء إطلاقه.

هذا العمل نفسه صمم، بحسب القائمين عليه، حول سيناريو منخفض الاحتمال، لكنه شديد الأثر. وهذه صياغة مهنية معقولة لأي تمرين استراتيجي؛ فالعلوم العسكرية تقول لنا إن الجيوش مطالبة بالتخطيط حتى للأحداث ذات الاحتمال المنخفض إذا كانت نتائجها كارثية، وهذا أمر طبيعي.

لكن المشكلة، أيها القارئ الكريم، تبدأ عندما تنتقل أسوأ فرضية من غرفة التخطيط العسكري إلى المجال السياسي والإعلامي، وتتحول، في ذهنية المشاهد البسيط والمواطن العادي الغلبان أصلا والقرفان من الظروف المعيشية والغلاء الذي جاءت به تداعيات حرب بوتين على أوكرانيا، من سيناريو يجب الاستعداد له إلى مستقبل يبدو كأنه ينتظر موعده فقط.

والأدهى والأمر في هذا السياق، عزيزي القارئ، ما قرأته في تعليق ساخر لـ”صنداي تايمز” على هذا العمل، بعنوان صارخ قالت فيه: “قد ننتهي جميعا إلى الاضطرار إلى أكل حساء البورش”. وحساء البورش، يا قارئي العزيز، هو أشهر أنواع الحساء المرتبطة بالمطبخ الروسي، لكن المساحة هنا لا تسمح لي بشرح أهميته لك.

وهذه ليست مجرد عبارة ساخرة، بل أقرأ فيها معنى سياسيا واجتماعيا خطيرا؛ فهي تختصر المزاج الذي يتشكل حول النقاش الذي يرغب صناع العمل في تثبيته في ذهنية المشاهد البريطاني والأوروبي، ومضمونه: إما أن تستعد بريطانيا وأوروبا الآن لمواجهة روسيا، أو ينتهي بهما الأمر مهزومتين أمامها.

وهي صورة صحفية ساخرة، نعم، لكن خلفها تصور جاد بأن المواجهة لم تعد احتمالا نظريا بعيدا، بل خطرا ينبغي إعادة بناء الدولة والمجتمع والقوات المسلحة على أساسه. إن تغطية “التايمز” للعمل والنقاش المصاحب له تعكس بوضوح المناخ السائد الآن: هشاشة الدفاع التقليدي البريطاني، وضرورة الاعتماد على الردع النووي، فضلا عن خطر أن تكون بريطانيا غير مهيأة لأشكال المواجهة الروسية التي تقع دون العتبة النووية. وهذا الكلام أهم بكثير من عبارة حساء البورش الساخرة نفسها.

ففي اللحظة ذاتها التي تنتقد فيها شخصيات سياسية ألمانية وزير خارجيتها لأنه تحدث عشرين دقيقة مع لافروف، تجلس شخصيات سياسية بريطانية بارزة أمام الكاميرا لتقرر كيف ستتصرف عندما يسقط صاروخ “أوريشنيك” الروسي الرهيب على بلادها وعلى رؤوسها.

وبين الصورتين مساحة كاملة من التفكير الأوروبي الجديد الذي يصرخ في وجوهنا ويقول إن الحرب مع روسيا أصبحت قابلة للتخيل بتفاصيلها أكثر مما أصبحت التسوية معها قابلة للتخيل بشروطها.

وحتى لا يطعن أحد في موضوعيتي ويتهمني بتبني الرواية الروسية، أبرئ ذمتي المهنية وأقول إن كلامي أعلاه لا يعني أنني، كسعد، أتهم الأوروبيين، أو أقول إن أوروبا هي التي اخترعت التهديد الروسي، أو أنني أكرر كلام بوتين ولافروف، وهو ما كتبت عنه في المقال السابق بتاريخ 27 سبتمبر (أيلول) الجاري. فروسيا، نعم، بدأت الحرب مع أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، وهي تمتلك ترسانة نووية ضخمة وقدرات صاروخية تصل إلى معظم القارة.

وأفهم جيدا أن مخاوف بولندا ودول البلطيق لها أساس جغرافي وتاريخي وعسكري حقيقي، وأن السنوات الماضية شهدت عمليات سيبرانية وتخريبية وحوادث جوية وبحرية دفعت الحكومات الأوروبية إلى رفع جاهزيتها.

وأعرف أن تجاهل ذلك سيكون قراءة ناقصة بقدر القراءة التي تعتبر الحرب الروسية الأوروبية المحتملة قدرا محتوما. وأكرر ما أؤمن به: لا شيء حتمي في التاريخ؛ فالتاريخ أحداث يصنعها البشر بقراراتهم الحرة المباشرة، وهم يستطيعون سلوك هذا الطريق أو الطريق المقابل له.

لكن ما أسعى إلى قوله لك، قارئي الكريم، هو أن هناك فرقا بين الاستعداد لحرب كي لا تقع، وبين بناء تصور سياسي يصبح فيه وقوعها نقطة البداية لكل تحليل.

إن العقلانية تقتضي ألا يصبح الاتصال بموسكو فعلا يحتاج صاحبه إلى الدفاع عنه، كما حدث مع وزير الخارجية الألماني، وكما أوضحت في بداية هذه السطور.

والحرب الباردة لم تبق باردة لأن واشنطن وموسكو وثقتا ببعضهما، بل لأنها بقيت دون مواجهة عسكرية مباشرة في ظل ردع مصحوب بقنوات اتصال ومفاوضات واتفاقات وإجراءات لمنع الحوادث وسوء الحساب. وظل هذا الحال قائما حتى في أكثر مراحل الخصومة بين القطبين الكبيرين في عالم ذلك اليوم حدة. ولم يكن أحد يتوقع من أول اجتماع بين وزيري خارجية القوتين أن يحل أزمة الصواريخ أو ينهي سباق التسلح في عشرين دقيقة. فهذا كلام غير منطقي وغير معقول.

لكن اليوم يحدث شيء مختلف في أوروبا. فما أراه، وأعتقد أن كثيرين غيري يرونه بوضوح كذلك، هو أن الاستعداد للحرب يكتسب شرعية سياسية متزايدة، بينما يحتاج الحديث عن تجنبها إلى تبرير.

في بريطانيا، يجلس رئيس وزراء افتراضي أمام شاشة تعد تنازليا اثنتين وعشرين دقيقة حتى وصول “أوريشنيك”. وفي البلطيق، يجري تحصين محطات الكهرباء وتوضع خطط الإجلاء. وفي ألمانيا، يتعرض وزير الخارجية للانتقاد لأنه جلس عشرين دقيقة مع لافروف ولم يحقق شيئا.

وقد تكون هذه الصور الثلاث أكثر تعبيرا عن اللحظة الأوروبية الراهنة من عشرات البيانات الرسمية. فالمشكلة ليست أن تستعد أوروبا لأسوأ الاحتمالات؛ فهذه مسؤولية أي دولة. لكن الأخطر أن يصبح أسوأ الاحتمالات هو الاحتمال الوحيد الذي تعرف كيف تتخيله.

وعندها لن تكون نكتة “البورش الروسي” هي الجزء المقلق في الحكاية، ولا حتى صاروخ “أوريشنيك” الرهيب وحده، ولا عشرون دقيقة ضائعة بين وزيرين لم يتفقا على شيء.

الأخطر، في رأيي، هو أن تكون روسيا وأوروبا قد بدأتا بالفعل، كل من جهته طبعا، في بناء سياساتهما على افتراض أن العراك آت لا محالة. وبناء على ذلك، تصبح الأدوات التي صممت وصنعت على مدى سنوات وعقود طويلة من أجل منع هذا العراك أضعف وأندر، بل وأكثر إثارة للشك في غرضها الأصلي.

وحين يصل الطرفان إلى هذه المرحلة، قد لا يحتاج أحدهما إلى أن يريد الحرب فعلا؛ فقد يكفي أن يقتنع كل منهما بأن الآخر يستعد لها، ثم يبني سلوكه وتصرفاته على هذا الأساس.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع