
اتسعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتصبح مواجهة جيوسياسية تحتل فيها الصين موقعا متزايد الأهمية. فبينما تسعى واشنطن إلى منع بكين من تقديم مساعدات عسكرية أو تكنولوجية أو استخباراتية إلى طهران، تحاول الصين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران دون الانخراط مباشرة في مواجهة مع الولايات المتحدة. وتضع هذه المعادلة بكين أمام مصالح متداخلة تشمل واردات النفط الإيراني، وأمن إمدادات الطاقة من الخليج، وعلاقاتها الاقتصادية مع دول المنطقة، ومسار التنافس مع واشنطن.
عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ اجتماعا في 24 سبتمبر (أيلول) 2026، وسط تصاعد التعقيدات الجيوسياسية بين البلدين. وكانت إيران من أبرز القضايا المحيطة بالقمة، إلى جانب التجارة والتكنولوجيا وتايوان والتنافس الاستراتيجي الأوسع. ولم يسفر الاجتماع، فيما يبدو، عن اتفاق شامل بشأن الملف الإيراني، لكنه أظهر سعي الطرفين إلى إدارة تنافسهما في القضايا التي تتقاطع فيها مصالحهما. تريد واشنطن منع إيران من امتلاك سلاح نووي والحد من وصول التكنولوجيا ذات الاستخدام العسكري إليها، بينما تسعى بكين إلى حماية إمدادات الطاقة وعلاقاتها الاقتصادية مع طهران، وتجنب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
تتمحور هذه المعادلة حول ثلاثة ملفات: وصول إيران إلى الشبكات الاقتصادية والتكنولوجية الصينية، وأمن مضيق هرمز، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني. وحذر مسؤولون أمريكيون بكين مرارا من تقديم معدات عسكرية أو قطع غيار أو معلومات استخباراتية أو تكنولوجيا ذات استخدام مزدوج إلى طهران. ونقلت شبكة CNBC عن السفير الأمريكي لدى الصين ديفيد بيرديو أن واشنطن أبلغت بكين موقفها، وأن التحذير يشمل المساعدات المباشرة وغير المباشرة. وتأتي هذه التصريحات وسط اتهامات لشركات صينية بتزويد إيران بمكونات وتقنيات يمكن استخدامها لأغراض عسكرية.
أصبحت الصين أهم شريك اقتصادي لإيران، ولا سيما بوصفها المشتري الرئيسي لنفطها الخام. ووفقا للجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية، تستوعب الصين أكثر من 90% من صادرات النفط الإيراني، وقدرت مشترياتها في عام 2025 بنحو 1.4 مليون برميل يوميا. وتوفر هذه العلاقة لطهران مصدرا مهما للإيرادات رغم العقوبات الأمريكية، فيما تزودها الشركات الصينية بالآلات والمعدات الصناعية والإلكترونيات وسلع مصنعة أخرى. في المقابل، تحصل الصين على النفط الإيراني بأسعار مخفضة، بما يعزز مصلحتها الاقتصادية في استمرار تدفقه.
لكن مصالح بكين في الشرق الأوسط لا تقتصر على إيران. فهي تحتفظ بعلاقات اقتصادية واسعة مع السعودية والإمارات، ويتجاوز حجم تجارتها مع البلدين مجتمعين حجم تجارتها مع طهران. لذلك تمتلك الصين حافزا قويا لمنع اتساع الحرب أو اضطراب اقتصاد المنطقة. ويساعد ذلك على تفسير حذرها: فهي تعارض سياسة “الضغط الأقصى” الأمريكية تجاه إيران، لكنها تسعى أيضا إلى تجنب تصعيد يهدد علاقاتها الإقليمية وإمداداتها من الطاقة.
وتوضح أرقام التجارة حجم الصعوبة التي تواجهها واشنطن في عزل طهران. فتقدر لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية قيمة التجارة بين الصين وإيران بنحو 41.2 مليار دولار في عام 2025، عند احتساب واردات النفط الإيراني التي لا تظهر كاملة في الإحصاءات الرسمية. وتصدر إيران النفط والمكثفات والبتروكيماويات ومنتجات صناعية أخرى إلى الصين، بينما تستورد منها الآلات والمركبات والمعدات الصناعية والإلكترونيات. وقد أوجد هذا التبادل درجة من الاعتماد الاقتصادي المتبادل يصعب تفكيكها بالعقوبات التقليدية وحدها.
يمثل مضيق هرمز نقطة ضغط رئيسية في الصراع، لأن تعطل الملاحة فيه يهدد إمدادات النفط والغاز وأسواق الطاقة العالمية. ولدى الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، مصلحة مباشرة في بقاء هذا الممر مفتوحا. وتشير التقارير الأخيرة إلى تأثر حركة الملاحة عبر المضيق بالصراع، مع ما يرافق ذلك من ضغوط على شركات الشحن والتأمين وأسواق الطاقة. وتريد بكين استمرار قدرة إيران على تصدير نفطها والحفاظ على شراكتها معها، لكنها لا ترغب في حرب طويلة تزعزع استقرار أسواق الطاقة وتضر اقتصادها.
لا تعني الشراكة الصينية الإيرانية أن بكين ستتبنى مواقف طهران تلقائيا. فلدى الصين مصالح كبيرة في إيران، لكنها ترتبط أيضا بمصالح اقتصادية واسعة مع دول الخليج والولايات المتحدة. تريد واشنطن من بكين استخدام نفوذها للضغط على طهران، وتريد إيران أن تظل الصين منفذا اقتصاديا ودبلوماسيا لها. أما بكين، فتحاول الحفاظ على علاقتها بإيران دون تحمل كلفة مواجهة مباشرة مع واشنطن أو اضطراب طويل في إمدادات الطاقة.
أصبحت صادرات النفط الإيراني، وأمن مضيق هرمز، والعقوبات، والاستخبارات عبر الأقمار الصناعية، والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، والبرنامج النووي ملفات مترابطة في هذه المنافسة. وبالنسبة إلى طهران، تمثل الصين شريكا اقتصاديا لا يسهل الاستغناء عنه. وبالنسبة إلى واشنطن، قد تكون بكين منفذا يحد من أثر العقوبات، أو طرفا يملك القدرة على الضغط على إيران. أما الصين، فتنظر إلى إيران بوصفها شريكا استراتيجيا ومصدرا للطاقة، ومصدرا محتملا للمخاطر الجيوسياسية في الوقت نفسه.
لهذا، لن يتحدد مسار الصراع في ساحات القتال أو المفاوضات الأمريكية الإيرانية وحدها؛ فقرارات بكين ستؤثر أيضا في قدرة طهران على تحمل الضغوط وفي فرص احتواء التصعيد. ويبقى السؤال: هل تستطيع الصين الحفاظ على شراكتها مع إيران والمساهمة في منع اتساع الحرب؟ ستنعكس الإجابة على أمن مضيق هرمز، واستقرار أسواق الطاقة، ومسار التنافس الأمريكي الصيني، وتوازن القوى في الشرق الأوسط.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير