مقالات المركز

السعودية بين باب المندب وهرمز.. سوات دلغن يكشف حسابات الحوثيين والولايات المتحدة


  • 22 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

مع تجدد التصعيد بين جماعة أنصار الله (الحوثيين) والمملكة العربية السعودية، بعد سنوات من الهدوء النسبي، تعود الجبهة اليمنية–السعودية إلى واجهة المشهد الإقليمي، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متزايدة على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ويكتسب هذا التصعيد أهمية خاصة بالنظر إلى موقع اليمن الاستراتيجي، وسيطرة أنصار الله على مناطق مطلة على البحر الأحمر، وقدرتهم على تهديد الملاحة في مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وفي حال استمرار هذه التهديدات، قد تمتد تداعيات الأزمة إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين.

في هذا السياق، أجرى الصحفي ستيفن صهيوني حوارًا مع سوات دلغن، الضابط السابق في البحرية التركية والباحث المتخصص في الصناعات الدفاعية والسياسة الخارجية والأمن البحري والحرب البحرية والتكنولوجيا الحديثة، لمناقشة أسباب تجدد التصعيد، وموقفي تركيا وباكستان، والدور الأمريكي المحتمل، إضافة إلى التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية لأي اضطراب في باب المندب، وفرص التوصل إلى تسوية.

لماذا تجدد التصعيد السعودي–الحوثي الآن؟

ستيفن صهيوني: ظلت الجبهة بين السعودية وأنصار الله هادئة نسبيًا لسنوات. برأيك، ما الذي أدى إلى تجدد التصعيد في هذه اللحظة تحديدًا؟ وما أبرز العوامل السياسية والعسكرية والإقليمية وراء إعادة فتح هذه الجبهة؟ ومن يمكن أن يستفيد من ذلك؟

سوات دلغن: في تقديري، يرى الحوثيون فرصة لتعزيز موقعهم داخل اليمن وإجبار السعودية على التفاوض بشروط أكثر ملاءمة لهم؛ فالهدوء النسبي لم يُنهِ جذور الصراع، ولا تزال تداعيات الحصار الذي قادته السعودية، والقيود المفروضة على الوصول، والخلافات السياسية والاقتصادية العالقة، عوامل مؤثرة في العلاقة. كذلك، غيّرت الحرب التي تشمل إيران والولايات المتحدة البيئة الإقليمية؛ إذ سعت طهران إلى توزيع تكاليف المواجهة على أنحاء المنطقة، مما زاد الضغط على السعودية ودول الخليج الأخرى. وبفضل الدعم الإيراني، تمكن الحوثيون من استغلال هذا الوضع، مع مواصلة السعي إلى تحقيق أهدافهم الإقليمية والسياسية الخاصة.

وأرى أن تقدمهم على طول الساحل اليمني للبحر الأحمر باتجاه الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية يندرج ضمن محاولة لاكتساب نفوذ أكبر على باب المندب. فهم يريدون امتلاك ورقة تفاوضية مماثلة لتلك التي تمتلكها إيران في مضيق هرمز؛ إذ تمنحهم القدرة على تهديد الملاحة السعودية وسيلة لفرض تكاليف على الرياض والمطالبة بتنازلات. ولا يحتاجون إلى السيطرة الكاملة على المضيق لتحقيق ذلك؛ فإذا تمكنوا من جعل المرور عبره خطيرًا أو مكلفًا بما يكفي، استطاعوا التأثير في القرارات التجارية والضغط على القيادة السعودية.

الحوثيون هم المستفيدون المحتملون الأكثر مباشرة؛ فقد يخرجون من هذه المواجهة بمزيد من الأراضي وبموقف تفاوضي أقوى. وتستفيد إيران أيضًا عندما يضطر خصومها إلى توزيع اهتمامهم ومواردهم على جبهات متعددة. لكن ذلك لا يعني أن طهران تملي كل قرار حوثي؛ فمصالح الطرفين تتقاطع، وللحوثيين طموحاتهم الخاصة في اليمن. وقد تترتب على التصعيد نتيجة غير مقصودة؛ فإذا خلصت الرياض إلى أن شراكاتها الأمنية الحالية لا توفر الحماية الكافية، فقد تصبح أكثر استعدادًا لاستكشاف تعاون أوثق مع إسرائيل، مما قد يعقّد حسابات إيران بشأن المكاسب التي حققتها.

تركيا وباكستان.. لماذا لا تدخلان المواجهة مباشرة؟

ستيفن صهيوني: وقّعت السعودية مؤخرًا اتفاق مكة مع تركيا وباكستان. ومع ذلك، تبدو الرياض، رغم تجدد التصعيد مع أنصار الله، وكأنها تواجه الوضع بمفردها إلى حد كبير. كيف تفسر الصمت التركي والباكستاني الظاهر؟ وما الذي تسعى أنقرة وإسلام آباد إلى تحقيقه من خلال البقاء خارج الصراع؟

سوات دلغن: أتحفظ على وصف موقف تركيا بالصمت؛ فقد أدانت وزارة الدفاع التركية صراحةً هجوم الطائرات المسيّرة الذي استهدف السعودية والأعمال التي نفذها الحوثيون، ودعت إلى وقف الأنشطة التي تهدد الاستقرار الإقليمي. لقد اتخذت أنقرة موقفًا سياسيًا، لكن السؤال يتعلق بمدى استعدادها لترجمته إلى مساعدة عسكرية. وينص اتفاق مكة على التزام بالدفاع الجماعي، إلا أن كيفية تطبيقه على هذا الصراع تحديدًا لا تزال غير واضحة علنًا. ولا تتوافر لدينا معلومات كافية عن ترتيباته العملياتية تسمح بافتراض أنه يُلزم تركيا وباكستان تلقائيًا بالمشاركة في عمليات عسكرية داخل اليمن.

في تقديري، تريد الحكومتان دعم الأمن السعودي، مع تجنب مواجهة مفتوحة وغير محددة المدة مع إيران وشركائها الإقليميين. وتسعى أنقرة إلى الحفاظ على هامش للمناورة الدبلوماسية، فيما يتعين على إسلام آباد مراعاة حدودها المشتركة مع إيران والضغوط الأمنية الداخلية التي تواجهها. ويحتاج الطرفان، قبل الدخول في القتال، إلى هدف واضح وتصور واقعي لكيفية إنهاء مشاركتهما. وقد يغيّر هجوم موثّق على المواقع المقدسة هذه الحسابات بدرجة كبيرة؛ فردّ باكستان على حادثة الطائرة المسيّرة التي أُبلغ عنها بالقرب من مكة، وإدانة تركيا للهجمات على السعودية، يشيران إلى أن لصبرهما السياسي حدودًا. ولا تعني هذه التصريحات أن التدخل العسكري سيحدث تلقائيًا، لكن استهداف المواقع المقدسة سيجعل استمرار ضبط النفس أكثر صعوبة.

في الوقت نفسه، ستقيّم الرياض الاتفاق وفقًا لمستوى الحماية الذي يوفره فعليًا. وإذا شعر القادة السعوديون بأن الشراكة لا تلبي احتياجاتهم الأمنية، فقد يصبحون أكثر تقبلًا للتطبيع مع إسرائيل والانضمام إلى إطار اتفاقيات أبراهام. ويمنح استعداد إسرائيل لتقديم المساعدة، بحسب ما أُفيد به، هذا الاحتمال أهمية خاصة. وستظل القضية الفلسطينية ذات ثقل سياسي كبير، لكن استمرار انعدام الأمن قد يغيّر الطريقة التي يوازن بها القادة السعوديون بين خياراتهم. لذلك، يتعين على أنقرة وإسلام آباد تقديم ضمانات كافية للحفاظ على ثقة الرياض، مع إدارة مخاطر الانخراط المباشر.

هل تتدخل الولايات المتحدة عسكريًا؟

ستيفن صهيوني: يُقال إن السعودية وحلفاءها يتكبدون خسائر كبيرة في القتال ضد أنصار الله. بالنظر إلى حجم المواجهة، هل تتوقع تدخلًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا لدعم الرياض، أم أن واشنطن ستكتفي بالدعم السياسي والاستخباراتي واللوجستي والإمدادات العسكرية؟

سوات دلغن: أتوقع، في الوقت الحالي، أن تركز واشنطن على الاستخبارات والدفاع الجوي والخدمات اللوجستية والإمدادات العسكرية، بدلًا من الالتزام بحملة عسكرية أخرى طويلة الأمد. فهذا النهج يسمح لها بدعم السعودية مع ضبط حجم مشاركتها المباشرة. ويشير الاجتماع بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وقائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر إلى هذا الاتجاه. كذلك، تشير التقارير عن تقديم معلومات استخباراتية أمريكية والمساعدة في تحديد الأهداف إلى أن واشنطن تقدم دعمًا بالفعل، رغم استمرار ترددها في تنفيذ ضربات مباشرة.

وتُعد الموافقة على صفقة محتملة لبيع طائرات «إف-35» تطورًا مهمًا؛ إذ تشمل الحزمة المقترحة 48 طائرة، بقيمة تقارب 24.3 مليار دولار، وتخضع لمراجعة الكونغرس. وهي تعكس التزامًا كبيرًا بالعلاقة الدفاعية على المدى الطويل، لكنها لا تحل المشكلة العسكرية الفورية؛ فالموافقة والتسليم والجاهزية العملياتية مراحل منفصلة. وأعتقد أن واشنطن ستحاول أيضًا توظيف حاجة السعودية إلى ضمانات أمنية أقوى لتشجيع التطبيع مع إسرائيل، بحيث يصبح حجم الالتزامات الأمريكية الإضافية وتوقيتها جزءًا من مفاوضات أوسع.

قراءتي أن واشنطن قد تقدم من المساعدة ما يكفي لمنع تدهور خطير في الأمن السعودي، مع الإحجام عن تقديم بعض الالتزامات التي تطالب بها الرياض، بما يمنحها نفوذًا إضافيًا على القرارات السعودية المتعلقة بإسرائيل. وتتسق الموافقة على صفقة طائرات «إف-35» مع تقارب استراتيجي أكبر، وقد تشير إلى تحرك نحو تفاهم أوسع، لكنها لا تُعد، في حد ذاتها، دليلًا على التوصل إلى اتفاق تطبيع. ويظل التدخل الأمريكي المباشر احتمالًا قائمًا؛ فقد تتغير حسابات واشنطن إذا تعرض أفراد أمريكيون لهجوم، أو واجهت البنية التحتية السعودية الحيوية تهديدًا أكبر بكثير، أو شهدت الملاحة الدولية اضطرابًا تعدّه واشنطن غير مقبول. وحتى ذلك الحين، أتوقع دعمًا كبيرًا، لكن بحدود محسوبة، مع بقاء التطبيع السعودي–الإسرائيلي هدفًا أمريكيًا مهمًا.

باب المندب.. ورقة ضغط تتجاوز اليمن

ستيفن صهيوني: هدد أنصار الله بإغلاق مضيق باب المندب. هل ترى ارتباطًا استراتيجيًا بين الجبهة السعودية–اليمنية والمواجهة الأوسع بين واشنطن وطهران؟ وإذا أُغلق المضيق فعليًا، فما العواقب المحتملة على الشحن العالمي وإمدادات الطاقة والتجارة الدولية والاقتصاد العالمي؟

سوات دلغن: نعم، أرى ارتباطًا استراتيجيًا قويًا؛ فالضغط على مضيقي هرمز وباب المندب يعرّض السعودية لتهديدات من جانبي شبه الجزيرة العربية. وفي تقديري، يريد الحوثيون استخدام موقعهم عند باب المندب لانتزاع تنازلات من الرياض، على غرار استخدام إيران مضيق هرمز ورقةً تفاوضية. وستكون التداعيات الاقتصادية لإغلاق مطوّل شديدة. وللاستدلال بأرقام تاريخية، مرّ عبر باب المندب نحو 8.7 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات النفطية في عام 2023، قبل أن ينخفض الرقم إلى نحو أربعة ملايين برميل يوميًا خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2024، نتيجة تحويل مسارات الشحن. وهذه أرقام تاريخية، وليست تقديرات لحركة الملاحة الحالية، لكنها توضح أهمية الممر وسرعة تأثر تدفقات التجارة بانعدام الأمن.

ولا تقتصر التداعيات على الطاقة؛ فقد قدّر صندوق النقد الدولي أن قناة السويس كانت تستحوذ عادةً على نحو 15% من حجم التجارة البحرية العالمية. وخلال اضطرابات سابقة في البحر الأحمر، أضاف تحويل مسارات السفن حول أفريقيا عشرة أيام أو أكثر إلى أوقات التسليم في المتوسط. ومن شأن الانقطاع المطوّل أن يزيد تكاليف الشحن والتأمين، ويؤخر الإمدادات الصناعية، ويرفع الأعباء على الشركات والمستهلكين، فيما ستكون الدول المعتمدة على استيراد الغذاء والوقود أكثر عرضة للتأثر.

وسيكون الوضع أشد خطورة إذا أُغلق مضيق هرمز بالتزامن مع باب المندب؛ ففي عام 2024، مرّ عبر هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا، ونحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، ولا تتوافر بسهولة طرق تصدير بديلة لكثير من هذه الإمدادات. ومع ذلك، لا يصح جمع أرقام المضيقين مباشرةً؛ لأن بعض الشحنات تمر عبر كليهما. وتحتفظ السعودية بمنفذ مهم؛ فالنفط المنقول إلى ينبع عبر خط أنابيب الشرق–الغرب يمكن أن يتجه شمالًا نحو قناة السويس من دون المرور عبر باب المندب. لذلك، فإن إغلاق المضيق الجنوبي سيضع الصادرات السعودية تحت ضغط كبير، لكنه لن يغلق تلقائيًا جميع طرق التصدير عبر البحر الأحمر.

وإذا تعرض الممران الاستراتيجيان لتعطيل طويل الأمد، أتوقع انخراطًا أوروبيًا مباشرًا أكبر، خصوصًا في حماية السفن التجارية. ولا يعني ذلك بالضرورة المشاركة في الحرب داخل اليمن، لكن الضغط لاتخاذ إجراءات بحرية سيزداد. ويساعد هذا على تفسير إعلان الحوثيين أن قيودهم تنطبق على السفن المرتبطة بالسعودية؛ ففي تقديري، يريدون إبقاء الضغط على الرياض مع تقليل احتمال تجدد التدخل الأمريكي، والحفاظ على المضيق ورقةً تفاوضية من دون استثارة تحالف أوسع بكثير ضدهم. غير أن قدرتهم على ضبط العواقب بهذه الدقة تظل موضع تساؤل؛ إذ قد تستجيب شركات الشحن والتأمين للمخاطر العامة، بصرف النظر عن النوايا التي يعلنها الحوثيون.

ما الطريق إلى إنهاء الصراع؟

ستيفن صهيوني: أخيرًا، ما المسار الأكثر واقعية لإنهاء الصراع؟

سوات دلغن: المسار الأكثر واقعية لإنهاء القتال هو سلسلة من الخطوات التفاوضية، تشمل وقف الهجمات عبر الحدود والهجمات البحرية، وفرض قيود متبادلة على العمليات العسكرية، والتوصل إلى اتفاقات بشأن الوصول الاقتصادي والإيرادات، وإطلاق عملية سياسية يمنية أوسع. ويمكن لعُمان والأمم المتحدة تيسير هذه الخطوات. وسيكون التفاهم السعودي–الحوثي ضروريًا، لكن التسوية الدائمة تتطلب أيضًا إشراك الأطراف اليمنية الأخرى.

وأعتقد أن مسار العلاقات السعودية–الإسرائيلية سيكون عاملًا رئيسيًا في المرحلة المقبلة من الأزمة؛ فالتعاون الأمني الوثيق قد يعزز الموقف التفاوضي للرياض، لكنه قد يدفع خصومها أيضًا إلى التصعيد قبل دخول هذه الترتيبات حيز التنفيذ. وقد عزز الحوثيون بالفعل موقفهم التفاوضي من خلال مكاسبهم الميدانية، وسيكون هدفهم التالي، في رأيي، انتزاع تنازلات سعودية تحوّل هذه المكاسب العسكرية إلى أفضلية سياسية دائمة. وسيتوقف نجاحهم على قدرتهم على التفاوض قبل أن يعرّض مزيد من التصعيد تلك المكاسب للخطر.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع