
قبل أكثر من شهر من الآن، وتحديدا يوم 16 أغسطس (آب) 2026، كتبت مقالا طويلا، ربما أصاب بعضكم بالصداع، وكان عنوانه: “انتخابات مجلس الدوما 2026.. ماذا قبل؟ أو ما الذي يحدث فعليا؟”.
المهم أنني قلت وقتها إن السؤال الحقيقي لانتخابات الدوما المقبلة، وهي الأولى منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا بقرار بوتين فجر يوم 24 فبراير (شباط) 2022، ليس: من سيفوز بها؟
وذلك لأن الإجابة عنه كانت معروفة إلى حد كبير، إن لم تكن مؤكدة، وهي أن حزب روسيا الموحدة الحاكم هو الذي سيفوز.
لكنني قلت إن الأسئلة التي ينبغي علينا، كمراقبين، متابعتها، لأنها الأهم بحكم الظروف التي تعيشها روسيا وتجري فيها هذه الانتخابات التشريعية، هي: بأي نسبة سوف يفوز؟ وبأي مستوى من المشاركة الشعبية ستجري الانتخابات؟ وأين ستذهب أصوات الاعتراض؟ وهل ستتحول الضغوط الاقتصادية وتعب الحرب إلى تصويت احتجاجي ضد سياسات بوتين والحزب الحاكم؟
الآن انتهى التصويت، وأصبح لدينا ما يكفي من الأرقام لكي نعود إلى هذه الأسئلة. وليس غرضي هنا أن أقول إن توقعاتي كانت صحيحة أو خاطئة، فهذا أمر لا أوليه اهتماما، ولكن لكي أرى معكم، أعزائي القراء الراغبين في فهم ما يجري داخل هذه الدولة الكبيرة الرائعة بحق وبموضوعية شديدة، ماذا قال الناخب الروسي فعليا عندما وقف أمام الصندوق أو ضغط على زر التصويت الإلكتروني؛ فهذه الخاصية كانت متوفرة لأكثر من 48 مليون ناخب وناخبة من الروس في عملية الاقتراع.
وأريد البدء بتنبيه مهم، وهو أن الأرقام التي أستخدمها في هذا المقال، لحظة كتابتي هذه السطور، يوم الاثنين 21 سبتمبر (أيلول) 2026، الساعة 14:15 بتوقيت موسكو، لا تزال نتائج أولية، وإن كانت شبه نهائية، لأنها تأتي بعد فرز أكثر من 95% من محاضر كل اللجان الانتخابية. لكن لجنة الانتخابات المركزية الروسية سوف تعتمد النتائج النهائية يوم 25 سبتمبر (أيلول)، وذلك بعد فحص الشكاوى والطعون.
وبذلك أقول إن المادة والبيانات التي تحت يدي تسمح بالقول إن الاتجاهات الأساسية باتت مستقرة بما يكفي للتحليل.
وأعترف بأن النتيجة الأولى هي أنني كنت محقا في نقطة، وأقل دقة مما ينبغي في نقطة أخرى.
كنت محقا عندما قلت إن الانتخابات لن تغير مركز السلطة، وأنها لن تنتج حكومة معارضة، وأنها لن تجعل الدوما مركزا مستقلا عن الكرملين والرئيس في صنع القرار.
لكن حجم انتصار حزب روسيا الموحدة جاء، حتى بالنسبة لي شخصيا، وبالنسبة إلى كثير من التقديرات الروسية التي أوردتها لكم في المقال السابق وغيرها للانتخابات، أكبر مما كان متوقعا.
فبعد فرز أكثر من 95% من المحاضر، حصل الحزب الحاكم على نحو 57.83% من أصوات القوائم الحزبية، مقابل 49.82% في انتخابات الدورة السابقة عام 2021. وحصل الحزب الشيوعي على 13.81%، والليبرالي الديمقراطي على 8.98%، والناس الجدد على 7.96%، فيما بقي حزب روسيا العادلة، لحظة كتابة هذه السطور، عند نحو 4.96%، أي على مسافة أجزاء من المئة من حاجز الخمسة في المئة.
هذه الأرقام طبعا لا تشرح ما حدث، وذلك بسبب النظام الانتخابي نفسه؛ فالقصة الحقيقية، وكما ذكرت لكم في المقال السابق، توجد في الدوائر الفردية. روسيا الموحدة، مثلا، لم يحصل فقط على ما يقرب من 58% من أصوات القوائم، وإنما فاز مرشحوه، وفق النتائج الأولية، في 208 دوائر فردية من أصل 225.
وبناء على هذا الكلام، فإن النتيجة التي لدينا هي أن التوزيع الأولي للمقاعد يمنحه نحو 355 مقعدا من أصل 450، أي أغلبية دستورية مريحة، مقابل 324 مقعدا حصل عليها في انتخابات 2021. أما الحزب الشيوعي فيتجه إلى نحو 40 مقعدا، والليبرالي الديمقراطي إلى 25 مقعدا، والناس الجدد إلى 20.
وأصل معك هنا، عزيزي القارئ المهتم، إلى استنتاج مهم لما نرمي إليه من هذا الكلام كله، وهو أن الانتخابات البرلمانية الروسية لم تؤكد فقط استمرار النظام الذي وصفته لك في مقال أغسطس (آب)، ولكنها أيضا كشفت عن زيادة في كفاءة تحويل التفوق الانتخابي لحزب روسيا الموحدة، حزب بوتين، إلى هيمنة برلمانية شبه مطلقة. فالحزب يحصل على أقل من ثلاثة أخماس الأصوات الحزبية، لكنه يمكن أن يسيطر على ما يقرب من أربعة أخماس مجلس الدوما.
وهذا ليس سرا ولا تزويرا حسابيا في حد ذاته، وإنما هو نتيجة مباشرة لطبيعة النظام الانتخابي المختلط الذي تحدثنا عنه وألمحت إليه مجددا أعلاه؛ فلدينا 225 مقعدا بنظام القوائم و225 بالدوائر الفردية، حيث يمتلك الحزب الحاكم ماكينة إقليمية وتنظيمية تتفوق بفارق كبير على منافسيه.
إذن، أول إجابة عن سؤالنا القديم هي: نعم، تفوق روسيا الموحدة في الدوائر الفردية كان مرة أخرى هو العامل المضاعف الحقيقي لقوته البرلمانية. لكن المفاجأة الأكبر، في رأيي، ليست هنا.
المفاجأة الأكبر، أيها القراء الأعزاء، هي نسبة المشاركة. فبرغم ظروف الحرب والعقوبات والقصف، بلغت نسبة المشاركة التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية على لسان رئيستها إيلا بانفيلوفا صباح اليوم الاثنين 59.32%، مقابل 51.72% في انتخابات مجلس الدوما عام 2021.
وهذا الرقم مهم جدا، بل أكثر أهمية في رأيي من أرقام الحزب الحاكم. وينبغي التنويه كذلك، قبل أن نبدأ في توزيع شهادات التأييد السياسي، بأن ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت من جانب المواطنين الروس لا يعني أن الروس يؤيدون كلهم حزب روسيا الموحدة، ولا يعني كذلك أن 59% من السكان يؤيدون الحرب بالمطلق، ولا يعني كذلك أن كل من شارك أراد منح النظام تفويضا جديدا.
لكن ما يعنيه هذا الرقم، وهو أمر بالغ الأهمية في رأيي لقياس المزاج العام في روسيا، هو أن الحرب، على الرغم من كل ما فعلته وتفعله في المجتمع الروسي، لم تنتج عزوفا انتخابيا كبيرا؛ على العكس.
وهذه ملحوظة مهمة للغاية، لأن أحد السيناريوهات المنطقية قبل الانتخابات كان أن يؤدي طول أمد الحرب، والضغوط الاقتصادية التي سببتها وارتفاع الأسعار، فضلا عن هجمات المسيرات داخل العمق الروسي، والتي اشتدت جدا خلال الفترة الأخيرة، إلى حالة من الإرهاق السياسي تنعكس مباشرة في انخفاض نسبة المشاركة في الانتخابات.
لكن هذا لم يحدث، بل حدث العكس. ومع أن التغييرات المتوقعة في الدوما يمكن وصفها بالتجميلية، تقول بعض القراءات الروسية التي قدمتها كوميرسانت، مثلا، إن استمرار التوازن السياسي نفسه وسط تغيير جذري في الظروف الداخلية والخارجية هو في حد ذاته النتيجة الأكثر لفتا للانتباه.
وأنا لا أتفق كليا مع ما تقوله كوميرسانت، والسبب في ذلك هو أن المجتمع الروسي لم يصوت في سبتمبر (أيلول) 2026 في الظروف نفسها التي صوت فيها في سبتمبر (أيلول) 2021. فبين هذين التصويتين لدينا حرب مستمرة لأكثر من أربع سنوات ونصف، ولدينا عقوبات اقتصادية غير مسبوقة، ولدينا إعادة توجيه للاقتصاد الروسي. أضف إلى ذلك أن لدينا مئات الآلاف من الجنود والضباط على الجبهة، وتعبئة جزئية جرت نهاية عام 2022. أضف إلى ذلك كله تغييرات اجتماعية ضخمة وهجمات بالمسيرات ضربت قلب موسكو وأهم مصافيها النفطية في أيام الانتخابات نفسها.
ومع ذلك خرجت الخريطة الحزبية من الصندوق أكثر استقرارا، وليس أقل، وهذا الكلام طبعا يحتاج إلى تفسير. وتفسيره الأول عندي هو أن الحرب، بدلا من أن تعيد تقسيم المجتمع الروسي حزبيا، أعادت تجميع جزء كبير منه حول الدولة، وحول بوتين، وحول الهدف الأول، وهو الانتصار في الحرب والتصدي للتهديد الخارجي الوجودي، لكن من دون أن تلغي في الوقت نفسه الاختلاف حول الاقتصاد والحياة اليومية ومستقبل الحرب نفسها حتى.
إن الناخب الروسي الغاضب من تبعات الحرب لم يحول عدم الرضا الاجتماعي إلى عقاب سياسي مباشر للحزب الحاكم بالحجم الذي كان يروج له ممثلو المعارضة الكاريكاتيرية في الخارج ومعهم وسائل إعلام الغرب.
وهذا الكلام يعيدني إلى نقطة توقفت عندها في مقال أغسطس (آب)، وهي أن السخط الاجتماعي ليس هو الاحتجاج، وليس مساويا للاحتجاج، والاحتجاج ليس هو المعارضة، والمعارضة الاجتماعية لا تتحول تلقائيا إلى بديل انتخابي.
والحزب الشيوعي هو أوضح مثال لدي أقدمه لك، عزيزي القارئ؛ فهذا الحزب يصنف على أنه المعارضة الحقيقية الوحيدة في روسيا الآن كحزب منظم، بل إن ممثلي معارضة الخارج جعلوا كل جهدهم لدفع الناخبين وأصحاب الأصوات المعارضة داخل روسيا للتصويت له، ونظموا له حملات انتخابية إلكترونية.
وكنت قد قلت في مقال أغسطس (آب) إن الحزب يمتلك بنية احتجاجية نظامية وقاعدة جماهيرية منضبطة وخطابا اجتماعيا يستطيع نظريا الاستفادة من مشاكل مثل التضخم وعدم المساواة وتكاليف الحرب، إلخ.
لكن نتيجته جاءت عكس ذلك كله؛ فالحزب، نعم، احتفظ بالمركز الثاني في الترتيب الحزبي، وهذا مهم، لكن نسبة الشيوعيين تراجعت من 19% في انتخابات 2021 إلى نحو 13.8% الآن.. ويا للعجب.
بالطبع، هذا يعني أن الحزب لا يزال المعارضة النظامية الرئيسية، لكنه لم ينجح في تحويل الضغوط الاجتماعية إلى موجة انتخابية جديدة. والسبب في ذلك، في رأيي، ليس أن هذه الضغوط غير موجودة، وإنما أن الحزب يواجه المشكلة التي تحدثنا عنها سابقا، وهي أن خطابه الاجتماعي قوي، لكن عرضه السياسي لا يزال موزعا بين العدالة الاجتماعية والرمزية السوفيتية والاعتراض على الإدارة الاقتصادية، وفي الوقت نفسه مع توافق واسع منه مع الدولة في القضايا الاستراتيجية الكبرى، وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا.
أما الحزب الليبرالي الديمقراطي فقد تحسن أداؤه فعلا، ولكن ليس بالقفزة التي توقعتها بعض استطلاعات الصيف أو الخطاب الانتخابي للحزب. ارتفع من 7.55% في انتخابات 2021 إلى نحو 9% الآن، لكنه ظل ثالثا في الترتيب ولم ينتزع المركز الثاني من الشيوعيين. وهنا أجد نفسي محتاجا إلى مراجعة جزئية لما كتبته في مقال أغسطس (آب)؛ فقد قلت وقتها إن تحول الحزب بعد جيرينوفسكي إلى صيغة أكثر انتظاما وأقرب إلى القومية الاجتماعية يمكن أن يكون جذابا جدا في مجتمع يعيش حربا طويلة. وهذا قد حدث بالفعل، لكن بحدود. فالحزب استفاد من ملفات الهجرة والأمن والأولوية للمواطن الروسي، لكنه لم يتحول إلى الوعاء الرئيسي للمزاج الوطني الذي صنعته الحرب. ويبدو أن روسيا الموحدة نفسه احتفظ بالجزء الأكبر من هذا المزاج.
أما حزب الناس الجدد، فأعتقد أن نتيجته أكثر إثارة للاهتمام مما توحي به نسبة 8% التي حققها. فالحزب ارتفع من 5.3% في 2021 إلى قرابة 8%، وانتقل بذلك من المركز الخامس إلى الرابع، رغم أنه لم يحقق الاختراق الذي كانت تتحدث عنه بعض استطلاعات الصيف. لكن هناك رقما مهما لهذا الحزب، وأقصد به التصويت الإلكتروني الفيدرالي؛ فمن دون اعتبار موسكو العاصمة، حصل الناس الجدد على 15.41% من الأصوات الإلكترونية وجاء ثانيا بعد روسيا الموحدة، الذي حصل على 49.14%، متقدما بذلك على الشيوعيين والليبرالي الديمقراطي.
وهذا أمر مهم جدا، لأن التصويت الإلكتروني، وإن كان لا يمثل عينة مماثلة للمجتمع الروسي كله، وبالتالي لا يجوز تحويل هذه النسبة إلى استنتاج وطني مباشر، يعزز فرضية أن الحزب يمتلك ثقلا أكبر داخل شرائح أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا، وأكثر حضرية، وأقرب إلى الناخبين الذين يريدون تغييرا في الإدارة والأسلوب، لا تغييرا في النظام نفسه.
وهذه، في رأيي، مساحة سياسية ستصبح أكثر أهمية في السنوات المقبلة.
ثم نصل إلى حزب روسيا العادلة. قلت لكم في أغسطس (آب) إنه الحلقة الأضعف بين الأحزاب البرلمانية الخمسة، وإن قربه من حاجز 5% يجعله معرضا لخطر التصويت المفيد. والنتيجة التي لدينا حتى لحظة كتابة هذه السطور تكاد تكون ترجمة رقمية حرفية لهذه المشكلة؛ فنتيجة الحزب الآن هي 4.96%. بانفيلوفا نفسها قالت إن الحزب ما زالت لديه فرصة لتجاوز الحاجز مع اكتمال الفرز. ولذلك لن أعلن الآن خروجه من الدوما، لكن مجرد وقوفه بهذه الصورة على حافة الخمسة في المئة يؤكد المشكلة البنيوية التي تحدثنا عنها، بمعنى أن الحزب لا يحتكر مساحة انتخابية واضحة لا يستطيع الآخرون منافسته فيها.
وهنا أصل إلى السؤال الذي صدعنا به رؤوس بعضنا بعضا قبل الانتخابات، وهو:
وأين يابلوكو يا عم سعد؟
يابلوكو لم يكن موجودا في ورقة الاقتراع الفيدرالية بعد تثبيت قرار إلغاء قائمته، ولذلك لم يكن ممكنا اختبار فرضية حصوله على 3 أو 4% كما كانت تتوقع بعض الدراسات قبل استبعاده. لكن مع ذلك بقي للحزب مرشحون في عدد من الدوائر الفردية، ولم يتحول إلى قوة مؤثرة في الدوما، وإن أظهرت النتائج الإقليمية الأولية للمحليات نجاحه في تجاوز حاجز الخمسة في المئة في برلمان نوفغورود.
إذن، هل كان استبعاده من القائمة الفيدرالية غير مهم؟ أقول: لا.
وهنا أتمسك تماما بما كتبته قبل شهر. بمعنى أن أهمية يابلوكو لم تكن في احتمالية إسقاط روسيا الموحدة، ولا حتى في احتمالية دخوله الدوما بقوة. أهميته، يا سادة، كانت في أنه يقدم اختيارا انتخابيا واضحا على المستوى الفيدرالي للناخب الذي يريد التعبير عن موقف من الحرب مختلف جذريا عن مواقف الأحزاب البرلمانية الرئيسية التي أوردناها تباعا أعلاه.
غياب هذا الاختيار يجعل من الخطأ قراءة نتيجة روسيا الموحدة باعتبارها استفتاء مباشرا على الحرب. وهذه النقطة أكررها الآن بعد ظهور النتائج بقوة أكبر مما قلتها قبل الانتخابات.
لأنه لا يمكننا أن نقول إن 58%، نسبة روسيا الموحدة، تساوي أن 58% من الروس يريدون استمرار الحرب.
هكذا استنتاج، في رأيي، غير علمي. ولا يمكننا القول إن الـ59% الذين شاركوا في الانتخابات منحوا جميعا تفويضا للحرب. فالناخب الروسي يمكن أن يؤيد بوتين ويؤيد الجيش ويصوت لروسيا الموحدة، ومع ذلك، وفي الوقت نفسه وعينه، يريد مفاوضات وإنهاء الحرب، لكن بشروط يعتبرها مقبولة لبلاده، لروسيا.
وهذا التعقيد في فهم المجتمع الروسي لم يختف بعد الانتخابات، لكن ما يمكن قوله هو أن الحرب لم تنتج في الصندوق تمردا انتخابيا ضد النظام السياسي الذي يديرها، أي الحرب. وهذا استنتاج مختلف تماما، بل وأكثر دقة.
فالحرب دخلت إلى صندوق الاقتراع، لكنها لم تدخل هذه الانتخابات من باب الخطاب السياسي فقط، وإنما دخلتها في الساعات الأخيرة من التصويت بصورة مادية قاسية ووقحة وغير مسبوقة. فخلال يومي 19 و20 سبتمبر (أيلول)، تعرضت الأراضي الروسية لموجة ضخمة وغير مسبوقة من الهجمات الجوية، سواء بالمسيرات أو بالصواريخ.
ووفق البيانات الرسمية لوزارة الدفاع الروسية، أسقطت وسائل الدفاع الجوي والمجموعات النارية المتحركة والطيران، خلال أربع وعشرين ساعة، 1951 مسيرة أوكرانية هجومية وثمانية صواريخ كروز بعيدة المدى من طراز فلامينغو، بينما قالت الوزارة إن صاروخا آخر انحرف عن مساره وسقط في منطقة غير مأهولة.
والسؤال الأكثر أهمية بالنسبة لي هنا ليس: كم مسيرة أو كم صاروخا أسقطت روسيا؟ وإنما: كيف أصبحت أوكرانيا قادرة أصلا على شن موجات بهذا الحجم، وأن تصل إلى العمق الروسي بهذه الكثافة؟
والإجابة عنه لا توجد في سلاح سري واحد. وما أرمي إليه بهذا الكلام هو أن الحرب الأوكرانية شهدت خلال السنوات الأخيرة انتقالا سريعا من استخدام المسيرات باعتبارها سلاحا تكتيكيا مساعدا إلى بناء ما يمكن وصفه بمنظومة حرب صناعية كاملة للمسيرات. فالمسألة لم تعد تصنيع طائرة واحدة متطورة وغالية الثمن تستطيع اختراق الدفاعات، وإنما إنتاج أعداد ضخمة من هذه الوسائل والوسائط الجوية قليلة التكلفة ومختلفة في المدى والحمولة والمسار والبصمة الإلكترونية، واستخدامها بطريقة يصبح فيها العدد نفسه جزءا من السلاح. وهو ما يسميه الخبراء العسكريون تكتيك الإغراق الجوي.
وهنا تظهر مشكلة روسيا الجغرافية نفسها. وما أقصده أن روسيا تمتلك بالفعل واحدة من أكبر شبكات الدفاع الجوي في العالم، لكنها في الوقت نفسه تمتلك مساحة هائلة من الأراضي، ومنشآت نفط وغاز ومصافي وقواعد جوية ومخازن ومصانع ومراكز لوجستية ومدنا كبيرة موزعة على آلاف الكيلومترات. ولا يمكن ببساطة وضع منظومة دفاع جوي كبيرة بجوار كل مصفاة وكل محطة كهرباء وكل مصنع وكل مطار.
وبالتالي تستطيع أوكرانيا، حتى من دون امتلاك تفوق جوي تقليدي، أن تحاول خلق معضلة توزيع للدفاعات الروسية، بمعنى: هل تحمي موسكو، أم المصافي، أم المطارات العسكرية، أم منشآت الطاقة، أم المناطق الحدودية، أم الجبهة نفسها؟ وهذه، في رأيي، إحدى أهم التحولات العسكرية التي كشفت عنها هذه الحرب، والتي ينبغي على كل من يتابع أن يستعد لشكل الحروب الحديثة منها ويستخلص الدروس.
أوكرانيا لم تحقق تفوقا جويا تقليديا فوق روسيا، لكنها تحاول تعويض جزء من هذا العجز بخلق كثافة عددية مؤقتة في الجو المنخفض بواسطة المسيرات. لكن هنا أيضا ينبغي تجنب القفزة السهلة إلى القول إن الناتو هو الذي نفذ الهجوم. فلا توجد حتى الآن أدلة علنية موثقة تسمح لي بأن أقول إن الولايات المتحدة أو بريطانيا أو أي دولة أطلسية خططت أو نفذت هجوم 19 و20 سبتمبر (أيلول) على وجه الخصوص، لأنني أعرف، وعلى يقين، أن هذا السؤال يدور في رأس الكثيرين.
ومع ذلك، أقول إن من المؤكد أن القدرة العسكرية الأوكرانية الحالية هي نتاج سنوات من الدعم الغربي، سواء بالمعلومات والبيانات الاستخباراتية أو بالاتصالات والتكنولوجيا، إضافة بالطبع إلى المكونات والتمويل والتدريب، بينما طورت أوكرانيا في الوقت نفسه صناعة محلية ضخمة للمسيرات وخبرة عملياتية تراكمت خلال أكثر من أربع سنوات ونصف من الحرب.
إذن، بالنسبة إلي، من الواضح تماما أن الغرب جزء أساسي من البيئة التي سمحت للقدرات العسكرية الأوكرانية بالنمو إلى الدرجة التي استطاعت معها ضرب مصفاة كابوتنايا لمرات ومرات في قلب موسكو. ثم لدينا أيضا مسألة توقيت هذه الضربة، والتي تجعل المسألة سياسية بقدر ما هي عسكرية؛ فهذا الهجوم وقع في الساعات الأخيرة من انتخابات مجلس الدوما. ولذلك قال الكرملين اليوم، وقبله قالت وزارة الدفاع الروسية صراحة، إن الهدف منه كان تعطيل الانتخابات، كما قال سوبيانين إن الهجوم غير المسبوق خطط له لإفشال عملية التصويت. بالطبع هذه هي الرواية الرسمية الروسية، لكنها مع ذلك ليست في حد ذاتها دليلا مستقلا على الدافع الأوكراني الحقيقي من ورائه.
وغرضي من قول هذا الكلام هو أن لدينا توقيتا آخر لا يقل أهمية؛ فالهجوم وقع عشية توجه زيلينسكي إلى الولايات المتحدة، حيث يفترض أن يلتقي ترامب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وبالتالي من المشروع بالنسبة لنا، كمراقبين، أن نتساءل ونحلل هذا التوقيت أيضا، وذلك لأن الدبلوماسية في الحروب لا تجري منفصلة عن الميدان، بل كثيرا ما يحاول كل طرف تحسين أوراقه الميدانية قبل التفاوض. وبالتالي يمكن اعتبار هذه العملية الأوكرانية، بالإضافة طبعا إلى أهدافها العسكرية والاقتصادية المباشرة، محاولة لإظهار أن كييف ما زالت تمتلك قدرة على نقل الحرب إلى العمق الروسي، وأنها ليست مضطرة إلى دخول أي مسار تفاوضي من موقع العاجز عسكريا.
واختصارا للوقت، وحتى لا أطيل على حضراتكم، أعود مجددا إلى الموضوع الرئيسي للمقال وأوجه السؤال الأخير، وهو: ما الذي تغير إذن بعد إجراء انتخابات الدوما 2026 وظهور النتائج؟
وأجيب عنه قائلا: في الظاهر، لم يحدث تغير كبير؛ فحزب روسيا الموحدة كان الحزب الأول، وبقي الأول. والإخوة الشيوعيون كانوا الثاني، وبقوا الثاني. والليبرالي الديمقراطي كان الثالث، وبقي الثالث. والناس الجدد ظلوا قوة برلمانية تحت القبة. والدوما بقي كما كان تحت سيطرة الحزب الحاكم. ولهذا وصفت أعلاه التغيير بأنه تغيير تجميلي. لكن تحت هذه الصورة الثابتة تغير شيء مهم، ألا وهو أن الحزب الحاكم أصبح أقوى برلمانيا مما كان؛ فقد زاد عدد مقاعده وزادت هيمنته. والمشاركة الشعبية في التصويت أصبحت أعلى، والإخوة الشيوعيون أصبحوا أضعف، والناس الجدد أصبحوا أقوى.
والأهم من ذلك أن الحرب التي لم تكن موجودة في انتخابات 2021 أصبحت في 2026 هي الإطار الذي تجري داخله العملية السياسية الداخلية برمتها في روسيا.
وهذه، يا أيها القارئ العزيز المهتم بالشأن الروسي، ليست تغييرات تجميلية بالكامل. وذلك لأنها تقول إن النظام الروسي لم يتعامل مع سنوات الحرب الأربع والنصف عن طريق فتح المجال أمام تنافس سياسي أكبر حول الاتجاه الاستراتيجي للدولة، وإنما عن طريق استيعاب الاختلاف الاجتماعي داخل نطاق سياسي أكثر انضباطا وسيطرة، وفي الوقت نفسه قام بتعزيز المركز الرئاسي والحزب البرلماني المرتبط به.
وهذا، في رأيي الذي لا أفرضه بحال كمسلمة مطلقة، هو المعنى الأعمق لانتخابات مجلس الدوما 2026.
ففي مقال أغسطس (آب)، ختمت بالقول إن الانتخابات ليست انتخابات على السلطة، ولكنها انتخابات داخل بنية السلطة القائمة. وبعد ظهور نتائج دوما 2026، لا أرى أي سبب يجعلني أتراجع عن هذه العبارة. فقط اسمح لي، أيها القارئ الكريم، أن أضيف إليها الآن شيئا واحدا أحسبه مهما، وهو أن هذه الانتخابات لم تكتف فقط بتقديم قياس لهذه البنية، بل خرجت هذه البنية منها أقوى عدديا وأكثر تركيزا في يد من يمسك بها مما دخلت إليها.
ومع ذلك أقول إن قوتها الحقيقية لن نقيسها معا فيما سيأتي بعدد مقاعد روسيا الموحدة وحده، ولكن بما إذا كان هذا الاستقرار الانتخابي يستطيع الصمود عندما يتحول السؤال من: هل يستطيع النظام أن يفوز بالانتخابات أثناء الحرب؟
إلى السؤال الأصعب بكثير، وهو: هل سوف يستمر في النجاح والقدرة على أن يدير المجتمع والاقتصاد والحرب، ثم ما بعد الحرب، بالقدر نفسه من الاستقرار؟ وهنا، يا قارئي الكريم، سوف تبدأ القصة الحقيقية للدوما التاسعة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير