تاريخ

قراءة مصرية روسية في ضوء الوثائق السوفيتية والمصرية والدولية

المساعدة السوفيتية لمصر خلال أزمة السويس عام 1956


  • 21 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

تكتسب دراسة الدور السوفيتي في أزمة السويس 1956 خصوصية تتجاوز مسألة إعادة سرد وقائع أزمة حظيت بقدر هائل من الاهتمام في الأدبيات التاريخية وأدبيات العلاقات الدولية. فالإشكالية الأساسية ليست في إثبات أن الاتحاد السوفيتي دعم مصر أم لا. فهذا أمر تؤكده الوثائق السوفيتية والمصرية والدولية. ولكن تكمن المسألة في تحديد طبيعة هذا الدعم وحدوده ووزنه الفعلي في صناعة النتيجة السياسية اللازمة، وفصل ما حدث بالفعل في خريف عام 1956 عما تم إضافته إليه لاحقا من سرديات سياسية وقومية نشأت في موسكو والقاهرة وكذلك في العواصم الغربية.

وأهمية أزمة السويس نفسها لا تكمن في كونها مواجهة عسكرية بين مصر من ناحية، وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل من ناحية أخرى فحسب. فمن منظور العلاقات الدولية تقدم هذه الأزمة حالة أكثر تعقيدا لدراسة العلاقة بين القوة المادية والقدرة السياسية على تحويل هذه القدرة إلى نتائج فعلية على الأرض. وكذلك بين استقلال الدولة المتوسطة وضغوط القوى الكبرى، وبين الردع والتدخل المباشر، وأخيرا بين النظام الاستعماري القديم والنظام الدولي ثنائي القطبية الذي كان قد بدأ يتشكل بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وتنطلق هذه الدراسة من موقع بحثي يجمع بين منظورين متداخلين: منظور مصري ينظر إلى أزمة السويس باعتبارها محطة مركزية في تاريخ الاستقلال الوطني وتصفية الإرث الاستعماري، ومنظور أكاديمي تشكل داخل المدرسة الروسية في دراسة التاريخ والعلاقات الدولية والسياسة الخارجية. ولا يعني الجمع بين المنظورين تبني الرواية المصرية أو الروسية مسبقا. على العكس من ذلك، الهدف هو توفير فرصة لمقارنة الذاكرة المصرية بالوثيقة السوفيتية والروسية، ثم اختبار الاثنين في ضوء وثائق الأمم المتحدة والمصادر الأمريكية والبريطانية وغيرها.

ولهذا الغرض اعتمدت في هذه الدراسة ترتيبا مقصودا للمصادر، يبدأ بوثائق أرشيف السياسة الخارجية للاتحاد الروسي والوثائق الدبلوماسية السوفيتية المنشورة والمرفوع عنها السرية، فضلا عن الدراسات الأكاديمية الروسية الحديثة. ثم أنتقل إلى المصادر المصرية، سواء الرسمية أو مذكرات وشهادات صناع القرار والمشاركين فيه في تلك الفترة، إضافة إلى الاتجاهات المختلفة في التأريخ المصري، ثم استخدمت لاحقا وثائق الولايات المتحدة والأمم المتحدة والمصادر الغربية المتاحة للمراجعة المتقاطعة، وليس بوصفها مرجعا وحيدا للحكم على روايتي القاهرة وموسكو.

ويكتسب هذا المنهج أهميته الخاصة لأن أزمة السويس أنتجت ثلاث سرديات كبرى. الأولى، سوفيتية، بالغ بعضها لاحقا في إرجاع توقف العدوان الثلاثي على مصر إلى التحذير السوفيتي وحده. والثانية، مصرية قومية، وضعت المقاومة المصرية وقرار عبد الناصر بالصمود في مركز النصر السياسي، مع الاعتراف بأهمية الدعم السوفيتي. والثالثة، غربية، ولاسيما الأنجلوسكسونية، التي أعطت الأولوية للضغط الأمريكي والأزمة المالية البريطانية ودور الأمم المتحدة في إنهاء العدوان، وبالتالي إنهاء الأزمة. والمشكلة ليست بالضرورة أن إحدى الروايات خاطئة بالكامل، ولكن أن كل واحدة منها تنظر إلى الأزمة من زاوية مختلفة وتمنح العامل الأقرب إلى تجربتها الخاصة وزنا أكبر.

سؤال الدراسة وفرضيتها

وعليه، لا تسأل هذه الدراسة: هل ساعد الاتحاد السوفيتي مصر؟ فالإجابة على هذا السؤال محسومة تاريخيا بالإيجاب طبعا.

أما السؤال الأكثر أهمية فهو: إلى أي مدى أسهمت المساعدة السياسية والدبلوماسية والاستراتيجية السوفيتية في منع تحول التفوق العسكري البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي إلى انتصار سياسي على مصر؟

وكيف تفاعل هذا العامل مع الضغط الأمريكي ومع تحرك الأمم المتحدة، والمقاومة المصرية، والقيود المالية والسياسية التي واجهت لندن وباريس؟

وتنطلق الدراسة من فرضية أن المساعدة السوفيتية كانت حقيقية ومتعددة المستويات وذات أهمية استراتيجية كبيرة جدا لمصر، لكنها مع ذلك لم تكن بحال العامل الوحيد الذي أوقف العدوان وأنهى الحرب.

فقد أضاف الاتحاد السوفيتي إلى الأزمة بلا شك عنصرا لم يكن من الممكن لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل تجاهله أو تجاوزه، وهو احتمال اتساع الحرب وتحويلها من عملية عسكرية إقليمية إلى مواجهة واسعة وأزمة تمس مباشرة توازن القوى بين القوتين العظميين النوويتين في ذلك الوقت.

وفي الوقت نفسه تكشف الوثائق التي راجعناها ونستند إليها أن موسكو لم تكن تسعى إلى الدخول في حرب مباشرة مع بريطانيا وفرنسا. ففي اللقاء الذي جمع بين وزير الخارجية السوفيتي دميتري شيبيلوف والسفير الأمريكي في موسكو تشارلز بوهلين في يوم 5 نوفمبر 1956، سلم شيبيلوف إلى بوهلين رسالة من بولغانين إلى أيزنهاور. وفي ذات الاجتماع سأل السفير الأمريكي الوزير السوفيتي صراحة عما إذا كانت الحكومة السوفيتية تقترح أن تستخدم الولايات المتحدة قواتها المسلحة إلى جانب الاتحاد السوفيتي ضد بريطانيا وفرنسا.

وجاء جواب شيبيلوف واضحا، بأن هذا ليس ما تقترحه موسكو، ولن يكون استخدام القوة ضروريا إذا أظهرت القوتان العظميان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، عزمهما على وقف القتال، أي العدوان.

وبالتالي ما تذكره هذه الوثيقة يسمح باقتراح مفهوم أكثر دقة لفهم السياسة السوفيتية خلال الأيام الأخيرة من عمر الأزمة، وهو ما يمكن أن نسميه: الردع من خلال الغموض الاستراتيجي.

بمعنى أن موسكو أرادت أن يأخذ المعتدون احتمال التدخل العسكري السوفيتي بجدية، لكن من دون أن تغلق على نفسها في الوقت ذاته طريق التسوية الدبلوماسية المحتملة.

لأنها إن أعلنت صراحة أنها لن تستخدم القوة، فقد التهديد جزءا كبيرا من قيمته. وإذا أعلنت قرارا حتميا بالتدخل العسكري، كانت قد قيدت بنفسها قدرتها على التراجع، ورفعت بذلك خطر المواجهة المباشرة مع الغرب.

من أزمة استعمارية إلى أزمة دولية

من هذه الزاوية أرى أنه ينبغي ألا يبدأ تحليل أزمة السويس في 29 أكتوبر، وهو تاريخ الهجوم الإسرائيلي، ولكن قبل ذلك. فالأزمة العسكرية كانت الحلقة الأكثر انفجارا في مسار بدأ بتغير موقع مصر داخل النظام الدولي بعد ثورة يوليو، ثم اتفاقية الجلاء، ورفض عبد الناصر الانضمام إلى الأحلاف الغربية، فضلا عن صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية عام 1955، وبعدها أزمة تمويل السد العالي، وصولا إلى قرار عبد الناصر في 26 يوليو 1956 بتأميم شركة قناة السويس.

وهنا كانت المصالح المصرية والسوفيتية تتقاطع من دون أن تتطابق

فمصر كانت تبحث عن السيادة وحرية القرار وتنويع مصادر السلاح والتمويل. أما الاتحاد السوفيتي فكان يرى في انهيار الاحتكار الغربي للمنطقة فرصة لإعادة تشكيل توازن القوى في الشرق الأوسط. ولذلك لم تكن القاهرة تتحول ببساطة من المعسكر الغربي إلى المعسكر السوفيتي. فهذا تبسيط مخل للوقائع التاريخية وسياقها وظروفها. لقد كانت مصر تحاول استخدام التنافس بين القوتين العظميين لتوسيع مساحة استقلالها الاستراتيجي.

وهذه النقطة بالغة الأهمية لفهم الدعم السوفيتي أثناء أزمة السويس، فموسكو لم تكن في تلك اللحظة التاريخية تدافع عن دولة شيوعية حليفة، وإنما كانت تدافع عن دولة قومية مستقلة تلاقت مصالحها في تلك اللحظة مع المصالح السوفيتية.

يوم 5 نوفمبر الفاصل والانتقال من الدعم الدبلوماسي إلى الردع الاستراتيجي

ينبغي أن يحتل الخامس من نوفمبر 1956 قلب البحث، وذلك ليس باعتباره اليوم الذي “أنقذ فيه الاتحاد السوفيتي مصر”، ولكن باعتباره اللحظة التي تغيرت فيها طبيعة الأزمة برمتها.

في ذلك اليوم وجه رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي نيكولاي بولغانين رسائل شديدة اللهجة إلى رؤساء حكومات بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، كما وجه في الوقت نفسه رسالة إلى الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور.

والرسالة إلى أيزنهاور ذات أهمية خاصة، لأنها تكشف أن التحرك السوفيتي لم يكن مجرد تهديد أحادي الجانب باستخدام القوة. فقد اقترح بولغانين على الرئيس الأمريكي تحرك القوتين العظميين في إطار الأمم المتحدة لوقف الحرب.

وبالتالي تظهر رسالة بولغانين إلى أيزنهاور بوضوح محاولة موسكو الجمع بين عاملين هما الضغط على المعتدين، وفي الوقت نفسه البحث عن آلية تمنع تحول التصعيد إلى مواجهة عسكرية سوفيتية-غربية مباشرة.

وبناء على هذا الكلام يصبح من الأدق وصف ما حدث في ذلك اليوم بأنه انتقال من المساندة السوفيتية الدبلوماسية لمصر إلى ممارسة الردع الاستراتيجي باسم حمايتها.

وهذا التمييز مهم للغاية في هذا السياق، لأن القوات السوفيتية لم تدخل المعركة في مصر إلى جانب مصر بشكل مباشر في عام 1956، خلافا لما سيحدث بدرجات مختلفة بعد عام 1967، ثم بصورة أكثر مباشرة عام 1970.

ولذلك لا ينبغي الخلط بين المساعدة العسكرية بالمعنى المادي، وفي مقدمتها الأسلحة السوفيتية التي وصلت بالفعل قبل الأزمة عبر الصفقة التشيكوسلوفاكية، وبين المشاركة العسكرية السوفيتية المباشرة، التي لم تحدث بالفعل في حرب السويس 1956.

مصر بين موسكو وواشنطن

وعند هذه النقطة تظهر إحدى أهم النتائج التي يجب أن تحتل في البحث مكانا متقدما، ونقصد بها أن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، رغم الحرب الباردة التي كانت تدور رحاها بينهما، وجدا نفسيهما في لحظة السويس يعارضان استمرار العدوان والعملية البريطانية-الفرنسية-الإسرائيلية ضد مصر.

في 2 نوفمبر 1956 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 997 بأغلبية 64 صوتا مقابل خمسة أصوات وامتناع ست دول عن التصويت، وكان كل من مصر والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على رأس المؤيدين للقرار. ودعا القرار إلى وقف إطلاق النار وانسحاب القوات المعتدية واحترام اتفاق الهدنة.

لكن مع ذلك تجدر الإشارة إلى أن التطابق لم يكن كاملا. فعندما انتقلت الأمم المتحدة إلى مسألة إنشاء قوة طوارئ دولية، امتنع الاتحاد السوفيتي عن التصويت على القرارين 998 و1000، وكذلك على القرار 1001، بينما أيد القرار 999 المتعلق بوقف إطلاق النار. وتثبت سجلات الأمم المتحدة هذا التفصيل بوضوح تام.

وهذه التفاصيل التي تبدو صغيرة ظاهريا هي في الواقع مهمة جدا في دراسة العلاقات الدولية. وذلك لأنها تكشف أن الحديث عن وجود موقف أمريكي-سوفيتي-مصري موحد في ذلك الوقت يحتاج إلى ضبط. نعم، كان هناك تقاطع مؤقت في الهدف المباشر، وهو وقف الحرب، لكن لم يكن هناك لا تحالف سياسي ولا اتفاق كامل بشأن النظام الذي ينبغي أن يلي الحرب.

وهنا نعود إلى إعادة صياغة السؤال التقليدي: من أوقف العدوان؟

السؤال التقليدي “من الذي أوقف العدوان: الاتحاد السوفيتي أم الولايات المتحدة؟” يفترض مسبقا وجود سبب واحد لنتيجة كانت في الحقيقة حصيلة مجموعة من المتغيرات.

فمن ناحية، أدخل الاتحاد السوفيتي احتمال التصعيد العسكري إلى حسابات الأزمة. ومن ناحية ثانية، كانت الولايات المتحدة تملك وسائل ضغط مباشرة على بريطانيا، سواء سياسية أو مالية. ومن ناحية ثالثة، وفرت الأمم المتحدة إطارا قانونيا ومؤسسيا لوقف القتال والانسحاب. فقد أنشأ القرار رقم 1000 قيادة قوة الطوارئ، ثم أقر القرار رقم 1001، الذي تم تبنيه في يوم 7 نوفمبر، الخطة التنظيمية لهذه القوة.

ومن ناحية رابعة، هناك العامل المصري نفسه، وهو عامل بالغ الأهمية ويتمثل في عدم انهيار النظام السياسي في القاهرة تحت ضغط العدوان واستمرار المقاومة الباسلة في بورسعيد، وبالتالي عدم تحقيق الهدف السياسي المركزي للعدوان الثلاثي، وهو المتمثل في إجبار جمال عبد الناصر على التراجع عن قرار التأميم أو في إسقاطه.

ومن ثم، فإن القضية هنا ليست من صاحب الفضل في إنهاء العدوان ووقف الحرب، وإنما في تفسير لماذا أصبح استمرارها في يومي 5 و6 نوفمبر أعلى تكلفة من إيقافها.

أزمة السويس في المنظور المصري-الروسي

عندما نحاول قراءة أزمة السويس من المنظورين المصري والروسي السوفيتي، فسنرى أن الذاكرة المصرية ترى السويس من الداخل، بمعنى أنها بالعين المصرية هي قضية تأميم تبعه عدوان تصدت له مقاومة وبورسعيد وصمود سياسي لعبد الناصر، ثم انسحاب المعتدين وبقاء القناة تحت السيادة المصرية.

أما الذاكرة السوفيتية فكانت ترى هذا الحدث من الخارج، ولكن من زاوية مختلفة، بمعنى أنها تراه أزمة استعمارية أتاحت لموسكو الفرصة في أن تقدم نفسها للعالم العربي باعتبارها قوة عظمى قادرة على دعم الدول العربية الخارجة من ربقة الاستعمار الغربي.

وبالنسبة لنا كباحثين، فإنه لا ينبغي علينا الاختيار بين الذاكرتين، ولكن ينبغي أن نسأل: أين تلتقيان؟ وأين تختلفان؟ ولماذا؟

والرد على هذا السؤال يقودنا إلى أنهما تلتقيان في اعتبار العدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي كان محاولة لعكس النتائج السياسية لقرار تأميم القناة. وتلتقيان أيضا في أهمية الضغط السوفيتي في حل الأزمة.

لكنهما تختلفان في مركز الثقل، بمعنى أن الرواية المصرية تضع الفاعلية المصرية في مركز النتيجة، في حين أن الرواية السوفيتية تميل إلى إبراز قدرة موسكو على ردع القوى الاستعمارية.

والوثائق الروسية نفسها تساعدنا اليوم على تجاوز الرواية السوفيتية القديمة، فالمصادر الدبلوماسية التي رفعت عنها السرية لا تصور قيادة مصر في ذلك الوقت بوصفها أداة سوفيتية، وإنما تظهر أنه كانت هناك مفاوضات واتصالات بين دولتين لكل منهما مصالحها وحساباتها المختلفة.

لكن ما الذي فعله وحققه الاتحاد السوفيتي فعليا في الأزمة؟

من واقع ما تناولناه بالعرض والتحليل أعلاه، يمكن تلخيص الدور السوفيتي في أربع مستويات مترابطة خلال أزمة السويس. الأول، هو تهيئة البيئة الاستراتيجية السابقة للأزمة من خلال كسر الاحتكار الغربي للسلاح. والثاني، هو الدعم السياسي والدبلوماسي لحق مصر في السيادة على القناة ورفض العدوان عليها. والثالث، هو الضغط الاستراتيجي في الأيام الحاسمة من شهر نوفمبر، عندما أصبحت إمكانية التصعيد السوفيتي جزءا من حسابات الأطراف الأخرى في الأزمة.

أما الرابع، وهو الأطول أثرا، فهو ما بعد انتهاء الأزمة، وأقصد به تحول المكانة التي اكتسبها الاتحاد السوفيتي في مصر والعالم العربي إلى رأسمال سياسي بالغ الأهمية مكن من توسيع التعاون الاقتصادي والعسكري والتكنولوجي لاحقا بين مصر والاتحاد السوفيتي، وكان خير مثال عليه السد العالي الذي تحول إلى أبرز رموز هذه العلاقات.

وأستنتج من ذلك أن القيمة التاريخية للمساعدة السوفيتية لمصر خلال أزمة السويس والعدوان الثلاثي لا ينبغي تقييمها فقط بما حدث خلال الفترة ما بين 29 أكتوبر و6 نوفمبر 1956، ولكن بما أحدثته السويس في بنية العلاقات المصرية-السوفيتية نفسها.

النتيجة

تقود المقارنة بين الوثائق السوفيتية والروسية والمصرية والأمريكية ووثائق الأمم المتحدة عن أزمة السويس إلى نتيجة مركبة وأكثر تداخلا من الروايات السياسية التقليدية.

نعم، الاتحاد السوفيتي لم يوقف حرب السويس والعدوان الثلاثي البريطاني-الفرنسي-الإسرائيلي على مصر بمفرده. ولكن في الوقت نفسه لا يمكن القول بحال إن التحذيرات السوفيتية شديدة اللهجة للمعتدين كانت مجرد دعاية بلا أثر.

إن الموضوعية والحقائق التي تقدمها لنا الوثائق والشهادات تؤكد أن موسكو نجحت في جعل احتمال تدخلها العسكري المباشر إلى جانب مصر وحقها السيادي جزءا من حسابات الحرب من دون أن تضطر إلى تنفيذ هذا التدخل العسكري المباشر.

وفي الوقت نفسه، استخدمت واشنطن نفوذها على حلفائها، بينما وفرت الأمم المتحدة آلية دولية للخروج من الأزمة، واستطاعت مصر أن تمنع خسارتها العسكرية من أن تتحول إلى هزيمة سياسية.

وبذلك لم تكن النتيجة انتصارا سوفيتيا على الغرب، ولا انتصارا أمريكيا في إدارة التحالف الغربي، ويصعب القول كذلك إنها كانت انتصارا مصريا عسكريا بالمعنى التقليدي.

لقد كانت النتيجة الرئيسية انتصارا سياسيا للدولة المصرية في الحفاظ على جوهر قرار التأميم واستعادة وفرض السيادة المصرية على القناة.

ويمكن أن نضيف كذلك أنه تحقق توازن دولي استثنائي في تلك الأزمة، لأسباب مختلفة بالطبع، أهمها وعلى رأسها إرادة مصر في المقاومة التي أدت إلى توليد ضغط القوتين العظميين على المعتدين وإلى إنشاء آليات الأمم المتحدة التي ذكرناها بقراراتها ذات الصلة.

لقد كان المكسب بالنسبة للاتحاد السوفيتي أعمق من وقف عملية عسكرية قادتها قوى استعمارية ضد دولة متحررة تسعى لممارسة سيادتها على قناتها وحقوقها. فقد أثبتت الأزمة أن موسكو نجحت في تحويل القوة الدبلوماسية والاستراتيجية التي تملكها إلى نفوذ سياسي طويل الأمد داخل العالم العربي.

أما بالنسبة لمصر، فقد كان الدرس مختلفا، فلقد أثبتت الأزمة أن توسيع العلاقات مع الاتحاد السوفيتي، قطب العالم الثاني، ثنائي القطبية الذي ولد من رحم أزمة السويس، يمكن أن يوفر لها هامشا استراتيجيا إضافيا في مواجهة قوى الهيمنة الغربية، ومن دون أن يعني ذلك بالضرورة الانضمام العضوي إلى ما كان يعرف بالكتلة السوفيتية.

ومن هذا المنطلق نقول إن أزمة السويس بحد ذاتها تتجاوز تاريخ العام 1956 لتصبح نموذجا كلاسيكيا في دراسة العلاقات الدولية، فهي تظهر كيف نجحت دولة متوسطة الحجم دوليا، خارجة من إرث استعماري ثقيل، في الاستفادة من تناقضات النظام الدولي الثنائي القطبية لكي توسع استقلال قرارها الوطني.

وإذا نظرنا من زاوية النظر هذه، فإننا نستطيع القول إن أهم نتيجة لهذا البحث هي أن العلاقة بين القاهرة وموسكو لم تبدأ كعلاقة تبعية، كما حاول الغرب تصويرها دائما، ولكنها في جوهرها وحقيقتها كانت تقاطع مصالح، نعم غير متكافئ بين دولتين مختلفتين جذريا في القوة والأيديولوجيا.

كان الاتحاد السوفيتي يريد ويبحث عن موطئ قدم استراتيجي في الشرق الأوسط، وكان يريد تقليص النفوذ الغربي في هذه المنطقة. وكانت مصر تريد السلاح وتريد التمويل والدعم السياسي من دون أن تستبدل وصاية غربية بأخرى شرقية.

وهذا هو المعنى الأعمق للسويس في تاريخ العلاقات المصرية-السوفيتية. لم تكن موسكو بأي حال بديلا عن استقلال القرار المصري، ولكنها أصبحت في تلك اللحظة إحدى الأدوات الدولية التي استخدمتها القاهرة بذكاء وحنكة لحماية هذا الاستقلال وتوسيعه.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع