
تتجاوز المواجهة الراهنة بين الحوثيين والسعودية حدود الأزمة اليمنية–السعودية، لتتحول إلى اختبار مركب لبنية الأمن الإقليمي، تتقاطع فيه أربعة مستويات: الصراع المسلح الداخلي في اليمن، والردع الجماعي الذي تجسده التحالفات الأمنية الناشئة وفي مقدمتها اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وأمن الملاحة الدولية في أحد أكثر الممرات المائية حساسية على مستوى العالم، وأخيرا الأمن القومي المصري الذي يتداخل مع الأزمة اقتصاديا واستراتيجيا.
وتزداد حساسية اللحظة الراهنة مع مرور أسابيع قليلة على توقيع الاتفاق في 7 أغسطس 2026، بما يجعله أول اختبار عملي يكشف الفارق بين ثلاث مراحل مختلفة: الالتزام السياسي، والجاهزية المؤسسية، والاستجابة العملياتية. ويفرض ذلك ما يمكن تسميته “عتبة التفعيل الرمادية”، وهي المنطقة الفاصلة بين وقوع الهجوم المسلح واتخاذ قرار جماعي بالانخراط العسكري المباشر، بما يجعل المعضلة الأهم متعلقة بتحديد وظيفة التحالف الثلاثي، ومن يمتلك القدرة على صياغة أولوياته.
ومن ثم، تكمن القيمة الإنذارية لهذه الورقة في تجاوز الإجابة عن تساؤل: هل تدخل تركيا وباكستان الحرب للدفاع عن السعودية؟ إلى تساؤلات أكثر عمقا تتعلق بكيفية عمل التحالفات الدفاعية الناشئة في بيئة التهديدات الرمادية، والحد الذي يتحول عنده تكرار الهجمات إلى تفعيل للالتزام الجماعي والانتقال من مرحلة الالتزام السياسي إلى مرحلة التفعيل العملياتي. وهل تمثل الهجمات الحوثية الحالية اختبارا محدودا للاتفاق، أم تدفع تدريجيا إلى إعادة تعريف وظيفته؟ وما المؤشرات التي ينبغي لمصر مراقبتها لاحتمال توسع الدور التركي والباكستاني في أمن البحر الأحمر؟ وما السيناريوهات المحتملة للصراع الحوثي–السعودي وتأثيره في الأمن القومي المصري؟ وهل يمكن أن يتحول التهديد الحوثي من تهديد للأراضي والمنشآت السعودية إلى عامل لإعادة تشكيل أمن البحر الأحمر وباب المندب؟
يكشف تتبع وتيرة الهجمات الحوثية على العمق السعودي، من حيث نوعها ومستوى دقتها وأهدافها المختارة، عن انتقال تدريجي من منطق الرسالة الرادعة محدودة الأثر إلى منطق الاستنزاف المتكرر الذي يستهدف تكبيد الخصم كلفة تراكمية بدلا من ضربة حاسمة واحدة. وتحمل محاولتا استهداف الأجواء فوق مكة المكرمة، رغم اعتراضهما، دلالة مضاعفة؛ فمن جهة، تبقيان الهجوم الفعلي دون تحقيق أثر مادي مباشر يستدعي ردا فوريا حاسما، ومن جهة أخرى، تراكم محاولات الاستهداف رصيدا رمزيا من التهديد الوشيك الذي يضغط على صانع القرار السعودي والحلفاء لاتخاذ موقف أكثر حسما. ويعد هذا النمط من التصعيد المحسوب من أدق المؤشرات على أن الجماعة تدرك موقع العتبة الرمادية التي تفصل بين الضغط المقبول والانفجار الشامل، وتتعمد البقاء بالقرب منها دون تجاوزها بصورة قاطعة.
أما على الصعيد الميداني البري–الساحلي، فإن التمدد الحوثي من مدينة المخا إلى جزيرتي ميون وحنيش يمثل تحولا نوعيا من السيطرة على مساحات يابسة محدودة الأهمية الاستراتيجية إلى التموضع داخل عقدة جغرافية تتحكم مباشرة في حركة المرور البحري الدولي. ويعد هذا المؤشر الأكثر مساسا بالأمن القومي المصري؛ لأن فاعلا مسلحا من غير الدول يكتسب قدرة تحكم فعلية، ولو جزئيا، في أحد مدخلي البحر الأحمر.
يبقى السلوك الإيراني، سواء عبر التصريحات الرسمية أو ما تشير إليه التقارير بشأن احتمال نقل تقنيات عسكرية جديدة إلى جماعة الحوثي، متغيرا حاسما في تحديد مسار الأزمة. فتصعيد إيراني مباشر، أو حتى تلويح حلفائها بتوسيع دائرة التهديد، من شأنه إحداث قفزة نوعية في مستوى الخطورة، تنقل الأزمة من نطاق إقليمي محدود إلى نطاق يمس أمن الطاقة العالمي.
وتكمن أهمية هذا المؤشر بالنسبة إلى مصر في أنه يحدد سقف تصعيد الأزمة وأمدها الزمني المتوقع، وهما عاملان حاسمان في أي تخطيط اقتصادي أو أمني مصري بديل.
يمثل تكرار الهجمات وتنوع أهدافها من أبرز مؤشرات التحول في طبيعة الأزمة. فقد شهد شهر سبتمبر (أيلول) الجاري تصاعدا في استهداف الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية، إلى جانب تطورات بحرية وجغرافية على الساحل اليمني. وتنبع أهمية هذا المؤشر من أن التحالفات الدفاعية تختبر بصورة مختلفة أمام الهجوم المنفرد مقارنة بحالة الضغط المتكرر؛ فكل هجوم إضافي يرفع العبء على الدفاع الجوي والاستخبارات والمراقبة وحماية المنشآت، ويزيد الحاجة إلى توزيع الأعباء بين الحلفاء.
ومن المنظور المصري، يمثل ارتفاع معدل الهجمات مؤشرا أوليا على احتمال انتقال السعودية من إدارة التهديد بقدراتها الذاتية إلى طلب مساهمات أوسع من شركائها. وتزداد أهمية هذا المؤشر عندما يتزامن تكرار الهجمات مع ظهور طلبات سعودية محددة إلى تركيا أو باكستان.
يعد استهلاك صواريخ الاعتراض وارتفاع الاحتياجات الدفاعية مؤشرا أكثر عمقا من مجرد حساب عدد الهجمات. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن السعودية تواجه ضغوطا على مخزونات الدفاع الصاروخي، وأنها طلبت مساعدة عسكرية من شركاء إقليميين وغربيين، من بينهم باكستان وفرنسا وبريطانيا ومصر. وتكشف هذه التطورات عن معادلة استراتيجية تقوم على إمكانية استخدام وسائل هجومية منخفضة الكلفة نسبيا لفرض كلفة دفاعية أعلى على الطرف المستهدف. ومع امتداد الأزمة زمنيا، يصبح معيار القوة مرتبطا بالقدرة على الحفاظ على الجاهزية الدفاعية، وليس فقط القدرة على اعتراض الهجوم الحالي.
ويرتفع مستوى الإنذار عندما تترافق زيادة استهلاك الذخائر الدفاعية مع طلب سعودي رسمي أو متكرر للحصول على مساهمات خارجية. وفي هذه الحالة، يصبح اتفاق مكة أمام اختبار مباشر يتعلق بتوزيع أعباء الدفاع، ويتجاوز الأمر إعلان التضامن السياسي. وبالنسبة إلى مصر، يكتسب ذلك أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، قد يفتح الباب أمام طلبات سعودية للحصول على دعم في مجال الدفاع الجوي، ومن جهة أخرى، يمكن أن تتصل عمليات الاستنزاف بزيادة الضغط على المنشآت والموانئ الواقعة على البحر الأحمر، وهي بيئة جغرافية تمس الأمن المصري بصورة مباشرة.
يمثل انتقال الحوثيين إلى السيطرة على أجزاء واسعة من الساحل الغربي اليمني تحولا استراتيجيا يفوق في أهميته زيادة مدى الهجمات. فقد أفادت تقارير استخباراتية حديثة بسيطرة الحوثيين على مواقع ساحلية وموانئ وجزر في البحر الأحمر، بما في ذلك مناطق قريبة من باب المندب، فضلا عن احتمال تمدد التهديد الحوثي إلى بنية الأمن والاتصال والطاقة، من كابلات البيانات والقواعد العسكرية الأجنبية إلى منشآت الطاقة. وينقل ذلك التهديد من المجال البري السعودي إلى المجال البحري الذي ترتبط به المصالح الإقليمية والدولية.
ويفرض هذا التحول على اتفاق مكة وظيفة أوسع تتمثل في حماية البيئة الأمنية التي تعتمد عليها الدول الأعضاء. وبمجرد انتقال الوظيفة إلى المجال البحري، تصبح مصر معنية مباشرة بالتطورات حتى مع بقائها خارج الاتفاق؛ لأن التمدد الحوثي يؤثر في المصالح المصرية عبر تهديد مسارات كابلات البيانات وتدفقات الطاقة في البحر الأحمر، بما يضع البنية التحتية الحيوية المصرية ومصادر الإيرادات المرتبطة بالممر البحري أمام مخاطر متزايدة.
يمثل سلوك شركات الشحن والمؤشرات الملاحية أحد أكثر مؤشرات الإنذار المبكر موضوعية؛ لأنه يعكس تقييم الفاعلين الاقتصاديين لمستوى الخطر قبل أن تعلن الحكومات مواقفها. فرغم أن حركة الملاحة عبر قناة السويس سجلت تعافيا خلال أغسطس (آب) 2026، مع 1,232 عملية عبور، بزيادة 28% على أساس سنوي، تظهر بيانات الرصد الملاحي تراجعا حادا ومتسارعا في حركة العبور عبر مضيق باب المندب، حيث سجل مرور نحو ثلاث سفن فقط في 15 سبتمبر (أيلول) 2026، مقابل خمس سفن في اليوم السابق، في مؤشر كمي مباشر على حجم تآكل ثقة قطاع الشحن الدولي في أمن هذا الممر.
ويتقاطع هذا المؤشر مع حركة الأسعار العالمية للنفط الخام، التي تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل، بوصف ذلك انعكاسا غير مباشر لإدراك الأسواق اضطرابات الإمداد. وتزداد المخاطر مع التقارير المتزامنة عن تراجع مواز في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما يفتح احتمالا يتمثل في تشكل جبهتين بحريتين متزامنتين تربكان خطوط إمداد الطاقة العالمية من محورين مختلفين في آن واحد.
وتكمن أهمية هذا المؤشر لمصر في أن أمن قناة السويس يرتبط بصورة مباشرة بدرجة ثقة شركات الملاحة في المسار الممتد من باب المندب إلى البحر الأحمر ثم القناة. وبالتالي، فإن أي عودة واسعة إلى تحويل السفن إلى مسارات بديلة، أو ارتفاع ملحوظ في تكاليف التأمين، أو تراجع العبور عبر باب المندب، يمثل إنذارا مبكرا بتجدد الضغوط الاقتصادية على قناة السويس.
يعد ظهور تدريبات بحرية مشتركة، أو آليات لتبادل المعلومات البحرية، أو ترتيبات لحماية الموانئ والسفن، أو نشر قدرات للمراقبة والاستطلاع البحري في البحر الأحمر، من أهم مؤشرات الإنذار المبكر التي ينبغي متابعتها. فهذا النوع من التعاون سيعني انتقال الاتفاق من الدفاع عن الأمن القومي السعودي إلى إدارة مجال أمني عابر للحدود، وسيكون لذلك أثر مباشر في التوازنات البحرية في البحر الأحمر، لا سيما إذا ارتبط التعاون بحماية طرق تصدير النفط السعودية أو تأمين السفن المرتبطة بالمملكة.
وتنبع أهمية المؤشر بالنسبة إلى مصر من احتمال ظهور ترتيبات أمنية بحرية جديدة تتداخل مع الأدوار القائمة في البحر الأحمر. وكلما اتخذت هذه الترتيبات طابعا مؤسسيا أو دائما، تنامت انعكاساتها على القاهرة.
يشكل رصد الفارق بين البيانات الرسمية التركية والباكستانية من جهة، والانتشار العسكري الفعلي على الأرض من جهة أخرى، أحد أدق أدوات قياس مدى اقتراب الأزمة من عتبة التفعيل الكامل لاتفاق مكة. وحتى تاريخ إعداد هذه الورقة، اقتصر الموقف الباكستاني على تصريحات رسمية تؤكد الاستعداد للتفعيل، مقرونة بمسار وساطة لدى إيران يهدف إلى احتواء الأزمة عبر القنوات الدبلوماسية بدلا من اللجوء المباشر إلى الخيار العسكري.
ويعكس ذلك حذرا مزدوجا لدى إسلام آباد وأنقرة: حذرا من الانجرار إلى التزام عسكري مفتوح في مسرح صراع يمني معقد تاريخيا، وحذرا موازيا من الظهور بمظهر المتنصل من التزام تحالفي حديث التوقيع.
وتسمح هذه الفجوة بين لغة الاستعداد والتنفيذ لجماعة الحوثي بمواصلة استراتيجية الاستنزاف المحسوب دون استدعاء رد جماعي حاسم. وترتبط هذه الفجوة بالحالة المصرية من زاوية غير مباشرة، لكنها بالغة الأهمية؛ فمصر ليست طرفا في اتفاق مكة الثلاثي، ولا تملك بالتالي أداة مؤسسية للتأثير في وتيرة تفعيله أو تحديد ما إذا كان سيتحول إلى ترتيب أمني إقليمي أوسع يشمل ملف أمن البحر الأحمر بأكمله.
يمثل الطلب الرسمي السعودي للمساعدة العسكرية نقطة فاصلة في اختبار الاتفاق، خاصة إذا تضمن قدرات محددة مثل الدفاع الجوي أو الاستخبارات أو حماية المنشآت أو العمليات البحرية. فقد أشارت البيانات الرسمية إلى أن طبيعة الاتفاق وآلية عمله تتركان مساحة لتحديد شكل المساعدة وفق طبيعة الطلب والتشاور بين الأطراف.
ومن ثم، ستكون صيغة الطلب السعودي نفسها مؤشرا بالغ الأهمية. فطلب الذخائر أو قطع الغيار يختلف استراتيجيا عن طلب منظومات دفاع جوي، وكلاهما يختلف عن طلب قوات أو قدرات بحرية. وكلما ارتفع مستوى الطلب، اقترب الاتفاق من اختبار عسكري مباشر. وينبغي للقاهرة متابعة هذا المؤشر بالتوازي مع الطلبات السعودية الموجهة إليها؛ لأن تقاطع المسارين قد يضع مصر أمام ترتيبات أمنية متداخلة بين التعاون الثنائي مع السعودية وشبكة أوسع تقودها الرياض مع أنقرة وإسلام آباد.
استنادا إلى قراءة المؤشرات سالفة الذكر وتفاعلاتها المتبادلة، يمكن رسم أربعة مسارات محتملة لتطور الأزمة خلال الأشهر المقبلة، تتفاوت في احتمالية تحققها وحجم أثرها المتوقع، على النحو التالي:
السيناريو الأول: “الاستنزاف المدار“
يقوم هذا السيناريو الأرجح على مواصلة جماعة الحوثي ضغطها المحسوب عبر تكرار محاولات الاستهداف الرمزي والإبقاء على الحصار الانتقائي، دون الانتقال إلى إعلان إغلاق شامل للمضيق. وفي المقابل، تستمر السعودية في إدارة التهديد بالاعتماد أساسا على قدراتها الذاتية، مع حصولها على دعم سياسي واستخباراتي وفني محدود من تركيا وباكستان وشركاء آخرين مثل مصر والولايات المتحدة.
ويظل اتفاق مكة في إطار الردع السياسي والتشاور الأمني، مع استخدامه أداة لرفع كلفة أي تصعيد ضد السعودية. ويؤدي تحقق هذا السيناريو إلى استمرار الأزمة ضمن نطاق يمكن احتواؤه نسبيا، وبقاء تأثيرها في البحر الأحمر عند مستويات قابلة للإدارة.
وبالنسبة إلى مصر، يظل التركيز الأساسي على حماية الملاحة ومراقبة تدفقات التجارة والطاقة، مع استمرار التنسيق السعودي–المصري دون انتقال الأزمة إلى ترتيبات عسكرية بحرية جديدة. ويصبح هذا السيناريو أقل استقرارا كلما ارتفع معدل الهجمات وطالت فترة الاستنزاف؛ لأن استمرار الضغط قد يدفع تدريجيا نحو السيناريو التالي.
السيناريو الثاني: التفعيل التدريجي لاتفاق مكة
في هذا السيناريو المرجح، تنتقل الدول الثلاث من المشاورات إلى تقديم دعم عملي متدرج، قد يبدأ بالمعلومات الاستخباراتية والدعم الفني، ثم الدفاع الجوي والتدريب والمراقبة، وصولا إلى مساهمات عسكرية محدودة.
ويمثل هذا السيناريو الاختبار الأكثر أهمية لفكرة عتبة التفعيل الرمادية، حيث يتوقع أن ينتقل التفعيل من الخطاب إلى الفعل عبر انتشار بطاريات دفاع جوي، وربما مستشارين عسكريين باكستانيين على الأراضي السعودية، بينما تكتفي تركيا بتقديم دعم بالمسيرات والتدريب دون انخراط قتالي مباشر.
وبالنسبة إلى القاهرة، يستدعي هذا المسار مراقبة طبيعة القدرات التي تقدمها تركيا وباكستان، ومكان استخدامها، وما إذا كانت ستمتد إلى البحر الأحمر. فإذا بقيت داخل الأراضي السعودية، ظل التأثير في مصر محدودا نسبيا، أما إذا انتقلت إلى المجال البحري، فإن المعادلة ستتغير جذريا.
السيناريو الثالث: التسوية الوظيفية
يفترض هذا السيناريو المحتمل نجاح قنوات الوساطة الباكستانية–الإيرانية والعمانية في إنتاج تهدئة وظيفية محدودة، تستند إلى تفاهمات مرحلية بين الأطراف، بحيث يتراجع الحوثيون عن استهداف الأراضي والمنشآت الحيوية السعودية، مقابل تخفيف الضغوط العسكرية على الساحل الغربي، وتوسيع التسهيلات الإنسانية، وفتح مساحة للتعامل مع ملف الموانئ والمطارات.
ويدعم هذا المسار مؤشرات تتعلق بنشاط الاتصالات الباكستانية مع إيران، واستمرار القناة العمانية، إلى جانب وجود مصلحة مشتركة في خفض كلفة الاستنزاف وإعادة ترتيب الأولويات. ويظل هذا المسار أقرب إلى إدارة الصراع وتجميد بعض ساحاته منه إلى تسوية سياسية شاملة، مع احتفاظ الحوثيين بمكاسبهم الميدانية وأوراقهم المرتبطة بالساحل الغربي وباب المندب.
وينعكس ذلك مباشرة على الأمن القومي المصري، حيث قد تؤدي التهدئة إلى استعادة تدريجية لحركة الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب، وتحسين بيئة التأمين والنقل، بما يدعم حركة التجارة وقناة السويس. غير أن المكسب الاقتصادي المباشر يقابله تحد استراتيجي يتمثل في طبيعة الترتيبات التي ستضمن أمن الملاحة.
ففي حال ارتبطت عودة السفن بتفاهمات تمنح الحوثيين قدرة فعلية على تحديد السفن أو التأثير في حركة المرور، فقد ينشأ استقرار ملاحي هش يرسخ نفوذ فاعل مسلح على أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بالأمن القومي المصري. ومن ثم، يصبح المؤشر الأهم بالنسبة إلى القاهرة اقتران انخفاض الهجمات بتعافي الملاحة وظهور آلية مستقرة لضمان حرية المرور، مع مراقبة أي توسع للدور التركي أو الباكستاني في ترتيبات أمن البحر الأحمر خلال مرحلة ما بعد التهدئة.
السيناريو الرابع: تصعيد إقليمي شامل
تتزامن في هذا السيناريو أزمة باب المندب مع اضطراب مواز في مضيق هرمز وانخراط إيراني مباشر أو شبه مباشر، مع إغلاق فعلي أو اضطراب حاد في المضيقين وارتفاع محتمل لأسعار النفط.
ورغم كونه السيناريو الأقل احتمالا، فإنه الأشد أثرا؛ حيث يؤدي التصعيد الحوثي إلى ظهور ترتيبات أمنية إقليمية متعددة المستويات تجمع الدول ذات المصالح المشتركة في البحر الأحمر، وتشمل حماية الطاقة والملاحة والموانئ والقواعد العسكرية وكابلات البيانات البحرية.
وتكمن خصوصية هذا السيناريو في أن اتفاق مكة قد يتحول من تحالف دفاعي بين ثلاث دول إلى نواة لشبكة أمن إقليمي أوسع. وسيكون لهذا التحول تداعيات مباشرة على مصر؛ لأن القاهرة تمتلك مصلحة استراتيجية في أن تظل ترتيبات أمن البحر الأحمر مرتبطة بالدول المشاطئة وبأمن الملاحة الجماعي، مع الحفاظ على موقع قناة السويس داخل المنظومة الإقليمية، وعدم انتقال مركز إدارة أمن البحر الأحمر إلى ترتيبات خارج الأطر التي تراها القاهرة ملائمة لمصالحها.
تكشف قراءة تطورات التصعيد الحوثي الراهن ضد السعودية أن الاختبار الحقيقي لاتفاق مكة لا يرتبط فقط بمدى استعداد تركيا وباكستان لإرسال قوات إلى السعودية، وإنما بقدرته على مجابهة نمط تصعيدي محسوب يتحرك بالقرب من العتبة الرمادية الفاصلة بين الردع المعلن والتفعيل الفعلي، دون أن يتجاوزها بصورة قاطعة حتى تاريخ إعداد هذه الورقة.
غير أن هذا التوازن الهش يبقى عرضة للانهيار، سواء بفعل تصعيد حوثي يتجاوز حساباته الدقيقة للمخاطر، أو اتساع السيطرة الحوثية على الساحل اليمني والجزر والمواقع القريبة من باب المندب، وارتفاع حساسية خطوط الطاقة والملاحة في البحر الأحمر، أو بفعل تطور مواز في مضيق هرمز يغير معادلة الكلفة والعائد لدى جميع الأطراف.
وفي كلتا الحالتين، فإن التحول الجاري في هندسة الملاحة الدولية عبر باب المندب وقناة السويس، من أزمة عابرة إلى فرض واقع جديد من التفادي والانكماش، يستدعي من صانع القرار المصري التعامل مع هذا الملف باعتباره تحديا استراتيجيا ممتدا يستحق تخصيص أدوات دائمة للرصد والتحليل والاستجابة.
فالخطر الأهم يبدأ قبل أي انتشار عسكري تركي أو باكستاني داخل اليمن؛ حيث تتبلور مؤشرات الإنذار المبكر مع إعادة تعريف وظيفة الاتفاق وتوسعها تدريجيا من مظلة للدفاع عن أراضي الدول الأعضاء إلى منظومة أمنية متعددة المجالات تشمل الدفاع الجوي، وتبادل الاستخبارات، وتأمين الموانئ والممرات والكابلات البحرية، وحماية منشآت الطاقة، وصولا إلى إعادة تشكيل ترتيبات أمن البحر الأحمر وباب المندب.
ومن ثم، تبقى القدرة على التمييز المبكر بين مؤشرات استمرار الاستنزاف المدار ومؤشرات الانزلاق نحو التصعيد الشامل المعيار الحاسم لفاعلية أي استجابة مصرية مقبلة. ويتطلب ذلك إدارة متزامنة لمسارات الدفاع والملاحة والطاقة والدبلوماسية، مع الحفاظ على موقع مصر المحوري في أمن البحر الأحمر، وتعظيم قدرتها على التأثير في أي ترتيبات إقليمية ناشئة، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد تشكلها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير