مقالات المركز

السابع من أكتوبر.. أكبر فشل استخباراتي إسرائيلي أم بداية مخطط إقليمي؟


  • 13 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

لا شك أن أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) غيرت وجه إسرائيل وفلسطين بشكل جذري، وكانت اللحظة التي أطلقت مسار تحول طال منطقة الشرق الأوسط بأكملها. واليوم، تتكشف تقارير جديدة حول ما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعلم مسبقا بما كان سيحدث قبل وقوع الهجوم. ووفقا لما أوردته وسائل إعلام إسرائيلية، تلقى نتنياهو تحذيرات من مصر والإمارات العربية المتحدة، لكنه تجاهلها. ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، فإن ظهور هذه الادعاءات إلى العلن قد يمثل بداية النهاية لمسيرة نتنياهو السياسية.

لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل هو: هل كان نتنياهو يعلم بما كان قادما، وهل تعمد استخدام السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ذريعة لتنفيذ استراتيجية إقليمية أوسع ضد غزة وحزب الله والحكومة السورية السابقة، وصولا في نهاية المطاف إلى إيران؟ تزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى سلسلة التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول). فعلى مدى سنوات، أظهرت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قدرة استثنائية على اختراق أجزاء واسعة من الشبكة الإقليمية لإيران، سياسيا وعسكريا وتكنولوجيا واقتصاديا.

وبعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، تعرض ما يُعرف بالمحور الإيراني لخسائر استراتيجية هائلة. دُمرت غزة إلى حد كبير، وتعرض حزب الله لضربات قاسية أضعفت قدراته، ثم انهارت حكومة الأسد في سوريا، قبل أن تنتقل إسرائيل وإيران من حرب ظل طويلة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. فهل كان السابع من أكتوبر (تشرين الأول) مجرد فشل استخباراتي كارثي؟ أم أنه تحول لاحقا إلى مبرر لتنفيذ خطة إقليمية أكبر بكثير؟

حتى الآن، لا توجد أدلة علنية قاطعة تثبت أن نتنياهو تعمد السماح بوقوع هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول). لكن الادعاءات المتعلقة بتحذيرات يُقال إنها وصلت إليه شخصيا تجعل من الصعب إغلاق هذا الملف من دون تحقيق جدي ومستقل.

تحذير من محمد بن زايد

تتمحور أحدث فصول الجدل حول تقرير نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، زعم أن رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد حذر نتنياهو شخصيا قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من أن زعيم حركة حماس يحيى السنوار كان يستعد لتنفيذ عملية كبيرة. وبحسب التحقيق، استند التحذير إلى معلومات يُقال إنها جاءت من السنوار نفسه. فخلال اتصالات سرية بين حماس وإسرائيل في سبتمبر (أيلول) 2023، يُزعم أن السنوار أبلغ وسيطا فلسطينيا بأنه كان يستعد لعملية استثنائية، ووصفها بأنها ستكون بمثابة «زلزال»، وطالب بنقل رسالته حرفيا.

وبحسب الرواية الواردة في التقرير، وصلت هذه المعلومات إلى مستشار مقرب من الرئيس الإماراتي، الذي حاول أولا التحقق من مدى خطورتها قبل إطلاع محمد بن زايد عليها. وتقول «هآرتس» إن التحذير وصل في نهاية المطاف إلى جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي «الشاباك» في 15 سبتمبر (أيلول)، وإن رئيس الجهاز رونين بار أطلع نتنياهو عليه. وبعد ذلك بوقت قصير، عُقد اجتماع أمني شارك فيه عدد من كبار مسؤولي الدفاع والاستخبارات.

لكن التقييم الإسرائيلي الأولي، وفقا للتقرير، قلل من حجم التهديد، فقد اعتبر مسؤولون أن السنوار ربما كان يتحدث عن عملية محدودة، وليس عن هجوم واسع النطاق ينطلق من قطاع غزة. ومع استمرار غياب رد إسرائيلي واضح، تقول الرواية إن محمد بن زايد قرر التواصل مباشرة مع نتنياهو، ويُقال إن المحادثة استمرت نحو 45 دقيقة، وأُجريت عبر وسيلة اتصال شديدة الأمان.

وبحسب التقرير، حذر الرئيس الإماراتي نتنياهو من أن السنوار يستعد لعملية قد تؤدي إلى إراقة دماء واسعة، وزعزعة استقرار المنطقة، وتهديد اتفاقيات أبراهام. ويُزعم أن نتنياهو رد بأن التقييم الإسرائيلي يشير إلى أن حماس تستعد لعملية في الضفة الغربية وليس في غزة، مؤكدا أن إسرائيل مستعدة لجميع السيناريوهات.

ماذا فعل نتنياهو بعد التحذير المزعوم؟

هنا تظهر أخطر نقطة في الرواية. فالتقرير يزعم أن نتنياهو لم يُبلغ بعد ذلك كبار المسؤولين الأمنيين، بمن فيهم قيادة المؤسسة الدفاعية ورؤساء أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية الرئيسية، بالمحادثة التي يُقال إنها جرت مع محمد بن زايد. لكن نتنياهو ينفي هذه الاتهامات بشكل قاطع، وقال مكتبه إن التقارير غير صحيحة، وإن نتنياهو لم يتلق أي تحذير من الإمارات قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

وأكد نتنياهو أن مكتبه ومجلس الأمن القومي وسكرتيره العسكري راجعوا سجلاتهم، ولم يجدوا أي سجل لمحادثة هاتفية مع محمد بن زايد خلال الفترة الممتدة من الأول من سبتمبر (أيلول) وحتى السابع من أكتوبر (تشرين الأول). وذهب نتنياهو إلى حد تكليف محاميه باتخاذ إجراءات قانونية ورفع دعوى تشهير ضد صحيفة «هآرتس».

لكن اللافت أن الإمارات لم تصدر نفيا بالقوة نفسها. فقد قالت وزارة الخارجية الإماراتية إن السلطات الإماراتية والإسرائيلية حافظت على قنوات اتصال مباشرة ومفتوحة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وإن المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة جرى تبادلها، عند الحاجة، عبر القنوات المناسبة. وكانت صياغة هذا الرد الدبلوماسي الحذر كافية لإشعال مزيد من التكهنات بدلا من إغلاق القضية.

وماذا عن التحذير المصري؟

القصة لا تتوقف عند الإمارات. فوفقا لتقرير «هآرتس»، حذر رئيس جهاز الاستخبارات المصرية آنذاك، عباس كامل، نتنياهو أيضا من احتمال قيام حماس بتنفيذ عملية كبيرة. ويُزعم أن نتنياهو رد بأن إسرائيل تدرك طبيعة الوضع في غزة وأنها تسيطر عليه، في حين اعتبر أن الخطر الأكثر إلحاحا يأتي من الضفة الغربية.

ومع تصاعد الجدل، دخل عدد من القادة الإسرائيليين السابقين على خط المواجهة السياسية. فقد اتهم رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت نتنياهو بتحمل المسؤولية الشخصية عن الإخفاقات التي سبقت السابع من أكتوبر (تشرين الأول). أما رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك فذهب أبعد من ذلك، معتبرا أنه إذا كان نتنياهو قد تلقى تحذيرات من هذا النوع وفشل في نقلها إلى القيادة الأمنية، فإن سلوكه قد يرقى إلى مستوى الإهمال الجسيم، وربما الإهمال الجنائي من الناحيتين السياسية والقانونية.

وفي المقابل، تطالب قوى المعارضة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية تمتلك صلاحية الاطلاع على المعلومات الاستخباراتية السرية، بهدف الإجابة عن أسئلة أساسية: ماذا كان نتنياهو يعرف؟ ومتى عرف؟ ومن جرى إبلاغه؟ ولماذا لم تُتخذ إجراءات وقائية لمنع الكارثة؟

عندما يتحول الفشل الاستخباراتي إلى مسؤولية سياسية

تكمن أهمية هذه القضية في أن فشل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) لا يمكن اختزاله في السؤال التقليدي حول ما إذا كانت الاستخبارات الإسرائيلية قد أخفقت في اكتشاف استعدادات حماس. فإذا ثبت أن تحذيرات موثوقة وصلت إلى أعلى مستوى سياسي، لكنها لم تُنقل بصورة مناسبة إلى القيادة العسكرية والأمنية، فإن القضية ستتخذ منحى مختلفا تماما. لن يعود الأمر مجرد فشل استخباراتي، بل سيصبح قضية تتعلق بالقرار السياسي والمسؤولية عن حماية الدولة ومواطنيها.

وهنا يظهر السؤال الجيوسياسي الأكبر. فنتائج السابع من أكتوبر (تشرين الأول) كانت هائلة وغير مسبوقة. شنت إسرائيل حربا مدمرة على غزة، ودخل حزب الله في مواجهة واسعة معها، وتغير ميزان القوى الإقليمي بصورة دراماتيكية، ثم انهارت حكومة الأسد، وانتقلت إسرائيل وإيران من صراع ظل طويل إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وبالتوازي مع ذلك، تراجعت مكانة إيران الإقليمية بصورة كبيرة.

لكن الجانب الآخر من الصورة لا يقل أهمية. فقد أظهرت إسرائيل خلال هذه المرحلة قدرة استخباراتية عميقة على اختراق شبكات خصومها، وجرى استهداف وكشف مواقع وقيادات سياسية وعسكرية وبنى تحتية للأسلحة وأنظمة اتصالات وعناصر حساسة أخرى بصورة متكررة. وهنا يبدأ السؤال الذي يثير القلق لدى منتقدي نتنياهو: إذا لم يكن السابع من أكتوبر (تشرين الأول) مخططا له، فهل جرى تحويله بعد وقوعه إلى مبرر استراتيجي لإعادة تشكيل المنطقة وتفكيك شبكة إيران الإقليمية؟

هذا احتمال سياسي لا يمكن تجاهله، خصوصا بالنظر إلى حجم التغيرات الاستراتيجية التي أعقبت الهجوم. لكن في الوقت نفسه، يجب التمييز بوضوح بين أمرين مختلفين تماما: استخدام حدث استراتيجيا بعد وقوعه، والسماح عمدا بوقوعه. الاحتمال الأول يمثل فرضية سياسية يمكن مناقشتها في ضوء النتائج الهائلة التي أعقبت السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، أما الاحتمال الثاني فهو اتهام بالغ الخطورة، ولا توجد حتى الآن أدلة علنية تثبت صحته.

السؤال الذي سيطارد نتنياهو

هذا التمييز يجب أن يبقى في صميم أي تحقيق مسؤول. لكن هناك سؤالا أكثر إزعاجا يفرض نفسه: إذا كان نتنياهو قد تلقى شخصيا تحذيرات موثوقة وفشل في التحرك، فكم من الإسرائيليين كان يمكن إنقاذ حياتهم لو جرى التعامل مع تلك التحذيرات بجدية؟

قُتل أكثر من ألف إسرائيلي خلال هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، بينما أُخذ آخرون رهائن. لكن تداعيات الهجوم لم تتوقف عند إسرائيل، بل امتدت إلى المنطقة بأكملها، وأشعلت حربا إقليمية لا تزال آثارها تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط. وإذا أثبت تحقيق مستقل في نهاية المطاف أن نتنياهو تجاهل عن علم تحذيرات موثوقة، أو حجب معلومات بالغة الأهمية عن المؤسسة الأمنية، أو تعمد قبول مستوى استثنائي من المخاطر لأسباب سياسية أو استراتيجية، فإن ذلك سيشكل تحولا تاريخيا في تقييم عهده السياسي.

أما إذا خلص التحقيق إلى أن التحذيرات كانت غامضة، أو أسيء فهمها، أو أنها لم تصل أصلا إلى نتنياهو شخصيا، فإن المسؤولية ستقع بصورة أساسية ضمن نطاق الفشل الاستخباراتي والعسكري الأوسع. وفي كلتا الحالتين، لا يمكن الوصول إلى الحقيقة من خلال التصريحات السياسية، أو الاتهامات الإعلامية، أو الروايات المتضاربة.

الحقيقة لا يمكن أن يحددها سوى تحقيق مستقل يتمتع بصلاحية الوصول إلى المعلومات الاستخباراتية السرية، وسجلات الاتصالات، والتقييمات العسكرية، والقرارات التي اتُخذت خلال الأسابيع الحاسمة التي سبقت السابع من أكتوبر (تشرين الأول). وحتى يحدث ذلك، سيظل سؤال واحد يطارد السياسة الإسرائيلية والشرق الأوسط بأسره: هل كان السابع من أكتوبر (تشرين الأول) أكبر فشل استخباراتي في تاريخ إسرائيل، أم أن كارثة كان من الممكن منعها تحولت لاحقا إلى الشرارة التي أطلقت استراتيجية إقليمية أكبر بكثير؟

قد لا تحدد الإجابة مصير نتنياهو السياسي فحسب، بل قد تحدد أيضا الطريقة التي سيكتب بها التاريخ لاحقا قصة التحول الكبير الذي شهدته منطقة الشرق الأوسط، والذي بدأ في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع