مقالات المركز

أوروبا أمام أكبر اختبار لأمنها الغذائي.. الحرائق والجفاف يفتحان جبهة مناخية جديدة


  • 22 أغسطس 2026

شارك الموضوع

مع موجة الحر القاسية التي تضرب بريطانيا ودولًا أوروبية أخرى، منها فرنسا وألمانيا، والممتدة حتى شهر سبتمبر (أيلول)، أضحت أزمة المناخ في أوروبا تتحول بصورة متسارعة إلى قضية تمس الأمن الاقتصادي والغذائي والاجتماعي والاستراتيجي للقارة، مع التحول الطبيعي الدائم الذي طرأ على مناخها. ففي صيف 2026، وجدت أوروبا نفسها أمام موجات متتالية من الحر الشديد والجفاف وحرائق الغابات، في مشهد بات يختبر قدرة الحكومات الأوروبية على حماية الإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد ومصادر المياه، في وقت لا تزال فيه القارة تعاني آثار اضطرابات اقتصادية وجيوسياسية متراكمة منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022.

وتكشف أحدث البيانات الأوروبية أن مساحة الأراضي التي أحرقتها النيران داخل الاتحاد الأوروبي بلغت نحو 500,852 هكتارًا حتى 6 أغسطس (آب) 2026، متجاوزة المساحة المسجلة في الفترة نفسها من عام 2025، الذي كان آنذاك أسوأ موسم حرائق في السجلات الأوروبية، فضلًا عن تجاوزها بكثير متوسط السنوات السابقة. وبحلول منتصف أغسطس (آب)، أشارت تقديرات إعلامية مستندة إلى بيانات نظام معلومات حرائق الغابات الأوروبي إلى أن المساحة المحترقة في أوروبا تجاوزت 576 ألف هكتار من الأراضي الزراعية والمراعي والمحاصيل.

وكانت النيران المشتعلة جزءًا من سلسلة أزمة أوسع، تبدأ من ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار، وتمر باستنزاف رطوبة التربة والمياه الجوفية والأنهار، ثم انخفاض إنتاج الحبوب والخضروات والأعلاف، وصولًا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار وازدياد الحاجة إلى الواردات. وهكذا أصبح الأمن الغذائي الأوروبي مرتبطًا بصورة مباشرة بالأمن المائي والطاقة والنقل والتجارة الخارجية، وهو ما يمنح أزمة صيف 2026 بعدًا جيوسياسيًا يتجاوز حدود الكارثة الطبيعية، وبات يهدد الأمن الغذائي للقارة بصورة متفاقمة.

صيف استثنائي يكشف هشاشة المنظومة الزراعية الأوروبية

تظهر المؤشرات المناخية والزراعية أن أوروبا لا تواجه حادثًا مناخيًا منفردًا، بقدر ما تواجه سلسلة متصلة من موجات الحر والجفاف. فقد أشار مركز البحوث المشتركة التابع للمفوضية الأوروبية إلى أن موجات الحر المتكررة في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) 2026 قصرت مراحل امتلاء الحبوب في المحاصيل الشتوية، بينما أدت الحرارة الاستثنائية ونقص الأمطار إلى استنزاف رطوبة التربة والإضرار بالمحاصيل الصيفية. وخفضت توقعات إنتاج عدد من المحاصيل، ولا سيما الذرة ودوار الشمس، بنحو 6 إلى 7%، في حين أصبحت توقعات إنتاج الحبوب الأوروبية الإجمالية أقل بنحو 1% من متوسط السنوات الخمس.

وتتضح خطورة الوضع أكثر في فرنسا، التي تعد إحدى أهم القوى الزراعية في الاتحاد الأوروبي. فقد أشارت تقديرات حديثة إلى احتمال تراجع إنتاج الذرة الفرنسية إلى أقل من 7 ملايين طن، وهو مستوى سيكون الأسوأ منذ عام 1976، في ظل الجفاف الشديد الذي أصاب، خصوصًا، الحقول غير المروية. ويتوقع كذلك أن ينخفض إنتاج الذرة في الاتحاد الأوروبي إلى أقل من 50 مليون طن، وهو مستوى لم تشهده القارة منذ تسعينيات القرن الماضي. أما ألمانيا فتواجه هي الأخرى تراجعًا متوقعًا في إنتاج الذرة بنحو 14% على أساس سنوي.

ولا تتوقف التداعيات عند الحبوب؛ فالحرارة الشديدة تؤثر في الثروة الحيوانية عبر تقليص استهلاك الحيوانات للأعلاف وإنتاج الحليب، وزيادة حاجتها إلى المياه، وتهدد كذلك المراعي ومخزونات التبن. وفي فرنسا، أفادت تقارير بأن إنتاج التبن أصبح أقل بنحو 30% من المعتاد، بينما تعرض إنتاج الخضروات لخسائر كبيرة متفاوتة بحسب المحصول. وفي إيطاليا، حيث أصاب الجفاف نحو 60% من الأراضي الزراعية وفق تقديرات نقلتها تقارير حديثة، تعرضت محاصيل الأرز والذرة والصويا لضغوط شديدة، مع خسائر للقطاع الزراعي قدرت بأكثر من 3 مليارات يورو.

وهذا يعني أن أوروبا لا تواجه فقط مشكلة نقص في الكمية المنتجة، وإنما تواجه أيضًا مشكلة في استقرار دورة الإنتاج نفسها. فحين تتزامن درجات الحرارة القياسية مع نقص المياه، تصبح عملية تعويض المحاصيل المتضررة أكثر صعوبة، لا سيما عندما تتعرض مناطق إنتاج متعددة للصدمة المناخية في الوقت نفسه.

الحرائق باتت تهديدًا قاريًا

لطالما ارتبطت حرائق الغابات في المخيال الأوروبي بدول البحر المتوسط، مثل إسبانيا واليونان وإيطاليا والبرتغال، لكن صيف 2026 يؤكد أن خريطة الخطر تتسع شمالًا وغربًا. فقد سجلت بلجيكا واحدًا من أكبر حرائقها على الإطلاق في منطقة High Fens، حيث أتت النيران على نحو 3 آلاف هكتار، بينما شهدت اليونان عمليات إجلاء ووقوع وفيات، وواجهت فرنسا وإسبانيا والبرتغال وكرواتيا وألمانيا والمملكة المتحدة حرائق واسعة بدرجات متفاوتة. وفي بريطانيا وحدها اندلعت حرائق متعددة في ويلز ومناطق أخرى، وسط ظروف حرارة وجفاف استثنائية.

وتكشف هذه التطورات أن الخطر لم يعد محصورًا في المناطق التقليدية المعرضة للحرائق. فقد حذرت المفوضية الأوروبية، في وثيقة بشأن الإدارة المتكاملة لمخاطر الحرائق، من أن المناطق التي لم تكن تعد سابقًا شديدة التعرض للنيران، بما فيها أجزاء من شمال ووسط وشرق وشمال غرب أوروبا، أصبحت تشهد بصورة متزايدة ظروفًا ملائمة للحرائق. وسجل الاتحاد الأوروبي في عام 2025 أكثر من مليون هكتار محترق، وهو رقم قياسي، فيما كانت مساحة الحرائق خلال أربع من السنوات الخمس الأخيرة أعلى من المتوسط.

وتكتسب هذه الظاهرة بعدًا اقتصاديًا خطيرًا، لأن الحريق لا يدمر الغطاء النباتي فحسب، وإنما يضرب التربة والمراعي والبنية التحتية الريفية، ويهدد المنشآت الزراعية، ويجبر السكان على النزوح، ويؤدي إلى تعطيل النشاط الاقتصادي. كذلك، فإن خسارة الغطاء النباتي تضعف قدرة الأراضي على الاحتفاظ بالمياه، ما يمكن أن يجعل بعض المناطق أكثر هشاشة أمام موجات الجفاف والحرائق اللاحقة، في حلقة مفرغة تجمع بين التدهور البيئي والخسارة الاقتصادية.

من الحقول المحترقة إلى أزمة في الأمن الغذائي

الأمن الغذائي لا يعني فقط توافر الطعام في الأسواق، وإنما يشمل استمرارية الإنتاج، وإمكانية الوصول إلى الغذاء بأسعار مقبولة، واستقرار سلاسل التوريد. ومن هذه الزاوية، تبدو أزمة 2026 أكثر تعقيدًا من مجرد تراجع في المحاصيل.

فإذا انخفض إنتاج الذرة والحبوب في عدة دول رئيسية في الوقت ذاته، سترتفع الحاجة إلى الاستيراد. وإذا تزامن ذلك مع انخفاض مناسيب الأنهار، تصبح عملية نقل الحبوب والأعلاف أكثر تكلفة وصعوبة. وقد سجل نهرا الراين والدانوب مستويات مائية شديدة الانخفاض في صيف 2026، ما أثر في النقل والصناعة والطاقة والزراعة. وفي ميناء روتردام، اضطرت السفن إلى تقليل حمولاتها بصورة كبيرة بسبب انخفاض المياه، الأمر الذي يوضح كيف يمكن لأزمة المياه أن تتحول إلى أزمة لوجستية تمتد إلى التجارة الأوروبية.

وقد ينعكس تراجع الإنتاج الزراعي أيضًا على أسعار الغذاء. فالمزارع الذي يواجه محصولًا أقل يحتاج في الوقت نفسه إلى إنفاق أكبر على الري والطاقة والأعلاف والتأمين، وقد يجد نفسه عاجزًا عن تعويض هذه التكاليف من خلال أسعار البيع وحدها. وفي النهاية، يدفع المستهلك جزءًا من الفاتورة عبر ارتفاع أسعار المنتجات الغذائية.

وتأتي هذه الضغوط في وقت لا تزال فيه أوروبا تواجه ارتفاعًا في تكاليف المدخلات الزراعية. ووفق المفوضية الأوروبية، كانت أسعار الأسمدة الآزوتية في أبريل (نيسان) 2026 أعلى بنسبة 71% مقارنة بمتوسط عام 2024، بينما لا يزال الاتحاد يعتمد على الاستيراد لتأمين جزء مهم من الأسمدة والمواد الخام اللازمة لإنتاجها. وهذا يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق الدولية قادرًا على الانتقال سريعًا إلى القطاع الزراعي الأوروبي.

الحرب في أوكرانيا.. الصدمة الاقتصادية الكبرى لأوروبا

يصعب فهم هشاشة الأمن الغذائي الأوروبي في 2026 من دون العودة إلى الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في فبراير (شباط) 2022. فقد تسببت الحرب في اضطراب أسواق الحبوب والطاقة والأسمدة، وأظهرت حجم اعتماد النظام الزراعي العالمي على روسيا وأوكرانيا بوصفهما مصدرين رئيسيين للقمح والحبوب وزيت دوار الشمس والأسمدة.

وتؤكد دراسات مركز المعرفة للأمن الغذائي والتغذوي العالمي التابع للمفوضية الأوروبية أن الحرب عطلت الإنتاج والتجارة والأسواق، ورفعت أسعار الغذاء والأسمدة والطاقة، بينما ضاعفت تأثيرات كانت موجودة أصلًا بفعل تغير المناخ. وبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، لم تكن المشكلة الأساسية تتمثل في خطر نفاد الغذاء من الأسواق، وإنما في ارتفاع تكاليف الإنتاج والأسعار.

لكن الحرب تركت إرثًا أطول أمدًا. فالأسمدة، على سبيل المثال، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بأسعار الغاز الطبيعي، وهو عنصر أساسي في إنتاج الأسمدة الآزوتية. وتوضح المفوضية الأوروبية أن الغاز يمثل نحو 70% من تكاليف إنتاج الأسمدة الآزوتية، بينما يظل الاتحاد الأوروبي معتمدًا على واردات خارجية لتأمين جانب مهم من احتياجاته.

وبالتالي، فإن الصدمات الجيوسياسية في الطاقة أو التجارة تتحول بصورة غير مباشرة إلى صدمات زراعية وغذائية. وبذلك وجدت أوروبا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد بين الحرب التي ترفع تكلفة الطاقة والأسمدة وتضغط على التجارة، والجفاف الذي يقلل الإنتاج المحلي، والحرائق، وتراجع مناسيب الأنهار؛ ما شكل صدمة مركبة، وليس مجرد أزمة مناخية منفردة.

البعد الاقتصادي.. خسارة في النمو أم فاتورة أكبر بكثير؟

الاقتصاد الأوروبي هو الحلقة الأخرى في سلسلة التداعيات. فالجفاف لا يؤثر في الزراعة فقط، بل يضرب النقل النهري والطاقة والصناعة والإنتاجية العمالية والسياحة والتأمين. وقد قدرت تحليلات حديثة الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالجفاف الأوروبي في 2026 بعشرات المليارات من اليورو، مع تقديرات وصلت في بعض السيناريوهات إلى نحو 180 مليار يورو، نتيجة تداخل خسائر الغذاء والطاقة والنقل والإنتاجية. ويتوقع خبراء أن تسهم هذه الصدمة المركبة في اقتطاع نحو 1% من نمو الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي هذا العام، وهو ما يعادل خسارة تقدر بنحو 200 مليار دولار من النمو الاقتصادي المتوقع.

الأمن الغذائي يتحول إلى جزء من الأمن الجيوسياسي الأوروبي

تكشف أزمة 2026 أن الأمن الغذائي الأوروبي أصبح جزءًا من معادلة الأمن الاستراتيجي. فالقارة التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على مصادر الطاقة الخارجية بعد صدمة الحرب الروسية الأوكرانية تواجه الآن ضرورة تقليل اعتمادها المفرط على بعض مصادر الغذاء والأسمدة والمواد الخام.

ويمكن أن تتحول المنافسة على المياه إلى عنصر جديد في السياسة الأوروبية، من ناحية توزيعها بين مياه الشرب والاستخدامات الزراعية، فضلًا عن احتمال تزايد الضغوط الاجتماعية والسياسية. فارتفاع أسعار الغذاء يؤثر بصورة غير متساوية في السكان، ويضرب أصحاب الدخل المحدود أكثر من غيرهم، بينما يتحمل المزارعون في الوقت نفسه خسائر المحاصيل وارتفاع تكاليف الإنتاج.

ومن هنا يمكن أن تتحول أزمة المناخ إلى أزمة سياسية واجتماعية داخلية، لا سيما إذا اعتبر المواطنون أن سياسات المناخ أو الدعم الزراعي غير عادلة. كذلك ستجد أوروبا نفسها مضطرة إلى إعادة النظر في سياستها التجارية.

خاتمة

وضعت أزمة الحرائق والجفاف في صيف 2026 أوروبا أمام حقيقة جيوسياسية جديدة، وهي أن الأمن الغذائي لم يعد مضمونًا بمجرد امتلاك الاتحاد الأوروبي اقتصادًا ضخمًا، وسوقًا موحدة، وقدرة عالية على الاستيراد. فالصدمة المناخية قادرة على ضرب الإنتاج المحلي، وتعطيل النقل، ورفع أسعار الطاقة والأسمدة، وزيادة الطلب على الواردات.

وما يجعل اللحظة الحالية أكثر حساسية هو تزامنها مع إرث الحرب الروسية الأوكرانية، واضطرابات أسواق الطاقة والأسمدة، وتزايد تكاليف الدفاع، وارتفاع أعباء التأمين وإعادة الإعمار والتكيف المناخي. وقد أظهرت البيانات أن الأضرار الاقتصادية المرتبطة بالطقس المتطرف في أوروبا أصبحت ضخمة؛ فقد بلغت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الظواهر المناخية والطقسية في الاتحاد الأوروبي نحو 822 مليار يورو بين عامي 1980 و2024، وكان ربع هذه الخسائر تقريبًا قد وقع خلال السنوات الأربع الأخيرة وحدها.

وعلى ما يبدو، فإن المعركة القادمة التي ستواجهها منطقة اليورو ستكون أيضًا معركة حول المياه والتربة والأراضي الزراعية والمواد الغذائية الأساسية، لا سيما الحبوب، فضلًا عن سلاسل الإمداد وقدرة الأجيال القادمة على تأمين غذائها في قارة تتغير ملامح مناخها بسرعة غير مسبوقة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع