
في التاسع من أغسطس (آب) 2026، أعلنت وزارة الخارجية السورية توصلها إلى مذكرة تفاهم مع موسكو تحدد مصير قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، بعد ثمانية عشر شهرًا من مفاوضات وصفتها دمشق بالمكثفة. جاء الإعلان بعد نحو عام وثمانية أشهر على سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وهي الفترة التي ظل خلالها مصير القاعدتين، اللتين شكلتا لعقود الموطئ العسكري الروسي الوحيد خارج فضاء الاتحاد السوفيتي السابق، مسألة معلقة بلا حسم واضح، في بلد ما زال يعيد بناء مؤسساته السياسية والعسكرية والاقتصادية في آن واحد.
القيمة الفعلية للمذكرة لا تكمن في تفاصيلها التقنية وحدها، بل في كونها أول اختبار جدي لقدرة موسكو ودمشق على إعادة صياغة علاقة نشأت أصلًا من رحم الحرب وحماية نظام سقط، وتحويلها إلى شيء مختلف بعد نصف قرن تقريبًا من العلاقة العسكرية المباشرة التي بدأت باتفاق سوفيتي مع حافظ الأسد عام 1971، وتعمقت بعد التدخل الروسي المباشر عام 2015 دفاعًا عن نجله.
السؤال المركزي الذي تطرحه هذه المذكرة هو التالي: هل تعكس تراجعًا روسيًا فعليًا وإعادة انتشار فرضتها معطيات جديدة في دمشق، أم أنها إعادة تنظيم استراتيجية تتيح لموسكو الاحتفاظ بنفوذها عبر وسائل عسكرية ومدنية وتجارية أكثر مرونة من صيغة القاعدة التقليدية؟ الإجابة، كما سيوضح هذا التحليل، ليست حاسمة بعد، وتتوقف على تفاصيل لم تعلن كاملة حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
بدأ الوجود الروسي في طرطوس عام 1971، حين وقع الاتحاد السوفيتي مع حافظ الأسد اتفاقًا أنشأ بموجبه نقطة دعم لوجستي لأسطوله في المتوسط، في مواجهة الأسطول الأمريكي السادس المتمركز في إيطاليا. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، احتفظت موسكو بالمنشأة كنقطة تزود وصيانة محدودة، ووافق بشار الأسد عام 2008 على تحويلها إلى قاعدة دائمة للسفن النووية الروسية في الشرق الأوسط.
التحول الحاسم جاء مع التدخل العسكري الروسي في سوريا في سبتمبر (أيلول) 2015. فقد منح اتفاق موقع في أغسطس (آب) من العام نفسه موسكو حق نشر مجموعة جوية في قاعدة حميميم قرب جبلة، على بعد نحو ستين كيلومترًا جنوب طرطوس. منذ ذلك الحين، أصبحت حميميم المنصة الرئيسية للعمليات الجوية الروسية داخل سوريا، بينما تحولت طرطوس إلى مرفأ الإصلاح والتزود الوحيد لروسيا في المتوسط، ونقطة عبور لدعم انتشارها العسكري في ليبيا ومنطقة الساحل الأفريقي. هذه الوظيفة المزدوجة، العملياتية والإمدادية معًا، هي ما جعل القاعدتين ركيزة لا غنى عنها في العقيدة الروسية للحضور في شرق المتوسط.
بحسب البيان الذي نقلته وكالة سانا الرسمية عن وزير الخارجية أسعد الشيباني، تقضي المذكرة بأمرين متمايزين. الأول أن تتولى الدولة السورية إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، على أن تدمج تدريجيًا في منظومة الإدارة المدنية العامة. الثاني أن يعاد تعريف وظيفة المنشآت ذات الطابع العسكري، بحيث تتحول من قواعد بالمعنى التقليدي إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة بين الجانبين، ضمن ترتيبات وصفتها الخارجية السورية بأنها تحفظ مصالح الطرفين. وحددت المذكرة سقفًا زمنيًا لا يتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال هذا التحول.
ما لم يعلن بعد هو النص الكامل للمذكرة، فلم تنشر موسكو ولا دمشق وثيقة رسمية مفصلة حتى الآن، ولم يظهر بروتوكول معلن يلغي صراحة اتفاقية يناير (كانون الثاني) 2017 التي منحت روسيا حق استخدام طرطوس مجانًا لمدة 49 عامًا قابلة للتمديد التلقائي بفترات إضافية من 25 عامًا، والحق في إبقاء 11 سفينة حربية، بينها وحدات تعمل بالطاقة النووية. الخارجية الروسية اكتفت في بيانها بوصف المذكرة بأنها خطوة مهمة لتعزيز التعاون العسكري الثنائي، فيما نقل مصدر سوري لصحيفة موسكو تايمز أن جزءًا من القوات الروسية سيبقى متمركزًا في الموقعين، وهو ما يجعل الحديث عن انسحاب روسي كامل مبكرًا في أفضل الأحوال.
تكشف تصريحات المسؤولين الروس عن رغبة في الاحتفاظ بموطئ قدم استراتيجي في شرق المتوسط بصرف النظر عن الشكل القانوني للوجود. فقدان الوصول المضمون إلى طرطوس، بحسب تقييم نشره معهد دراسة الحرب الأمريكي، قد يعطل خطوط إمداد ما يعرف بفيلق أفريقيا، وريث مجموعة فاغنر شبه العسكرية، ويضعف قدرة موسكو على تدوير قواتها بين سوريا وليبيا ومنطقة الساحل، خصوصًا بعد أن أغلقت تركيا مضيق البوسفور أمام السفن الحربية الروسية طوال حرب أوكرانيا.
في المقابل، يمنح التحول إلى صيغة مدنية وتدريبية موسكو مخرجًا سياسيًا يخفف الكلفة الصورية لوجود عسكري مرتبط في الذاكرة السورية بالقصف والحصار، ويتيح لها الانتقال من دور حامي نظام سابق إلى دور شريك اقتصادي وأمني للدولة السورية الجديدة، عبر عقود صيانة وتدريب، وربما استثمارات مستقبلية في قطاعات كالطاقة والفوسفات، الذي كانت موسكو طرفًا تاريخيًا فيه أيام الاتحاد السوفيتي.
بالنسبة إلى الحكومة السورية، تمثل استعادة إدارة مطار حميميم والرصيف الرابع في طرطوس مكسبًا سياديًا مباشرًا، يأتي بالتوازي مع خطوات أخرى في الاتجاه نفسه، من بينها تعاقد شركة موانئ دبي العالمية في يوليو (تموز) 2025 على امتياز لمدة ثلاثين عامًا لتطوير ميناء طرطوس باستثمار 800 مليون دولار، وتوقيع شركة سي إم إيه سي جي إم الفرنسية اتفاقًا مماثلًا لإدارة حاويات ميناء اللاذقية. هذه الخطوات تضع مستقبل الساحل السوري ضمن مشروع أوسع لدمجه في شبكة تجارية دولية، لا في إطار عسكري حصري.
في الوقت نفسه، يرى الباحث لقاء مكي، من مركز الجزيرة للدراسات، أن دمشق حافظت من خلال المذكرة على مصالح عملية، منها استمرار الصيانة الروسية للمنظومات العسكرية الموروثة، والاستفادة من ثقل موسكو في مجلس الأمن في ملفات معقدة كحزب العمال الكردستاني والضغط الإيراني. لكن المخاطر قائمة أيضًا: طالما بقي النص الكامل للمذكرة غير منشور، يظل احتمال أن يتحول الطابع المدني للمنشآت إلى غطاء لنفوذ عسكري غير معلن واردًا، وهو احتمال ستختبره طريقة تطبيق المهلة المحددة بثلاثة أشهر.
من الناحية القانونية، تستند العلاقة التعاهدية بين البلدين إلى بروتوكول يناير (كانون الثاني) 2017، الذي يبقى ساري المفعول رسميًا ما لم يلغ بنص صريح. مبدأ استمرارية الدولة يعني أن الحكومة السورية الحالية ورثت الالتزامات التعاهدية لسلفها، لكنه لا يمنعها من التفاوض على تعديلها عبر بروتوكولات جديدة، وهو ما يبدو أن مذكرة أغسطس (آب) 2026 تسعى إليه بصفتها إطارًا أوليًا يفترض أن يتبعه تنظيم قانوني أكثر تفصيلًا خلال مهلة الأشهر الثلاثة. الفارق بين الالتزام القانوني الشكلي، الذي يبقى قائمًا من الناحية النظرية، والقرار السياسي الفعلي بتقليص الوظيفة العسكرية للقاعدتين، هو ما يفسر التباين الحاد في قراءة الاتفاق بين وسائل إعلام وصفته بنهاية الوجود العسكري الروسي وأخرى اعتبرته مجرد إعادة صياغة له.
سياسيًا، بوسع مستقبل القاعدتين أن يتحول إلى ورقة تفاوض غير مباشرة في ملفات أخرى تخص دمشق، من استكمال رفع ما تبقى من العقوبات الأوروبية والأمريكية المستهدفة، إلى شروط إعادة الإعمار، وصولًا إلى إدارة علاقات سوريا المتوازنة مع تركيا والخليج وروسيا في آن واحد.
الاتفاق لا ينعقد في فراغ. فبحلول 16 أبريل (نيسان) 2026، أكملت الولايات المتحدة انسحابها الكامل من قواعدها في سوريا، بعد أن كانت تدير نحو 31 قاعدة ونقطة عسكرية في منتصف 2024، بحسب مركز جسور للدراسات، وهو ما ترك فراغًا أمنيًا تتنافس على ملئه أطراف متعددة. إسرائيل، بحسب ما نقلته رويترز عن مصادر دبلوماسية، سعت فعليًا إلى إقناع واشنطن بترك روسيا محتفظة بقاعدتيها كعامل موازن للنفوذ التركي المتصاعد في سوريا، بينما تنظر أنقرة بقلق إلى أي عودة روسية عسكرية قوية، وإن كانت في الوقت نفسه، بحسب مركز ستيمسون، قد شجعت دمشق على قبول مراقبين عسكريين روس في جنوب البلاد كجزء من ترتيبات فض الاشتباك مع إسرائيل.
أما إيران، فقد تراجع نفوذها في سوريا بشكل حاد منذ سقوط الأسد، وفقدت الجسر البري الذي كانت تدعم عبره حزب الله. أوروبيًا، رفع الاتحاد الأوروبي معظم عقوباته عن سوريا بين مايو (أيار) 2025 ومايو (أيار) 2026، فيما واصلت دول خليجية، أبرزها السعودية والإمارات وقطر، توقيع اتفاقات استثمار بمليارات الدولارات. في هذا المشهد المتشابك، يصعب اعتبار الوجود الروسي المعاد تنظيمه عامل توازن مستقلًا بذاته، بل هو طرف إضافي ضمن تنافس إقليمي ودولي متعدد الأطراف على مستقبل الساحل السوري وشرق المتوسط.
يفترض السيناريو الأول استمرار وجود روسي مخفف عسكريًا وموسع مدنيًا، بحيث تحتفظ موسكو بحضور تدريبي ولوجستي محدود في حميميم وطرطوس مقابل تقديم خدمات تقنية وصيانة لدمشق. يرجح هذا المسار استقرار داخلي سوري نسبي، واستمرار حاجة الجيش السوري إلى قطع غيار وخبرة روسية موروثة من حقبة الأسد.
يقوم السيناريو الثاني على تقليص تدريجي أوسع للوجود الروسي، تحصل دمشق مقابله على ضمانات سياسية، ربما عبر دور روسي في الملف الإسرائيلي أو ملف قوات سوريا الديمقراطية، إلى جانب ضمانات اقتصادية إضافية. يرجح هذا المسار تسارع الانفتاح الغربي والخليجي على سوريا بما يقلل حاجتها إلى موسكو تحديدًا كشريك وحيد.
أما السيناريو الثالث فهو تعثر التنفيذ، إذ يمكن أن تظهر خلال مهلة الأشهر الثلاثة خلافات حول تفسير بنود المذكرة أو حول مصير الاتفاقيات السابقة لعام 2017، فتعود التوترات حول السيادة والقواعد إلى الواجهة. يغذي هذا الاحتمال غياب النص الكامل المنشور، والتفاوت بين التصريحات الروسية والسورية حول حجم القوات التي ستبقى فعليًا. العامل الحاسم في ترجيح أحد هذه المسارات سيبقى قدرة الحكومة السورية على فرض سيطرتها الفعلية على كامل أراضيها، بالتوازي مع قدرة روسيا الاقتصادية والعسكرية، المنهكة جزئيًا بحرب أوكرانيا، على الوفاء بالتزامات جديدة بعيدًا عن حدودها المباشرة.
المعطيات المتاحة حتى الآن لا تسند فرضية انسحاب روسي كامل من سوريا. فروسيا احتفظت، بحسب مصدر سوري نقلته صحيفة موسكو تايمز، ببعض قواتها في الموقعين، ولا تزال، بحسب المحلل روسلان تراد، تملك أوراق ضغط اقتصادية مهمة تشمل إمدادات النفط والقمح المدعومة، وعقودًا في ملف إعادة الإعمار، وجزءًا من الدين السوري، فضلًا عن مقعدها الدائم في مجلس الأمن. في المقابل، لا يمكن اعتبار المذكرة استمرارًا بسيطًا للوضع السابق، فهي تنقل السيطرة الإدارية على منشآت مدنية مهمة إلى الدولة السورية، وتضع سقفًا زمنيًا محددًا لإعادة تعريف الوظيفة العسكرية للقاعدتين.
الإجابة الأقرب إلى الدقة، استنادًا إلى ما هو معلن رسميًا حتى الآن، هي أن ما يجري أقرب إلى إعادة هندسة للنفوذ الروسي منه إلى انسحاب بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. فموسكو تتخلى عن نموذج القاعدة الحصرية غير المشروطة الذي فرضته ظروف الحرب واعتماد الأسد الكامل عليها، وتقبل بصيغة أكثر توازنًا تتقاسم فيها السيطرة مع دولة سورية تحاول إثبات سيادتها الفعلية على أرضها وسواحلها.
قيمة هذا التحول الحقيقية لن تقاس بعدد الجنود المتبقين أو مساحة المرافق المحولة، بل بقدرة الطرفين على تحويل علاقة نشأت من رحم الحرب والحماية الشخصية لنظام محدد إلى شراكة مؤسساتية طويلة المدى. نجاح هذا المسار يتطلب نشر النص الكامل للمذكرة توخيًا للشفافية القانونية، واحترامًا فعليًا لا شكليًا فقط لسيادة الدولة السورية على منشآتها، وابتعادًا عن أي محاولة لتحويل الصفة المدنية للمنشآت إلى غطاء لنفوذ عسكري غير معلن. في غياب ذلك، ستبقى حميميم وطرطوس، كما كانتا طوال نصف قرن تقريبًا، مرآة لموازين قوى متغيرة أكثر من كونهما أساسًا لعلاقة مستقرة بين موسكو ودمشق. وسيبقى تطبيق المذكرة خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، ومدى التزام الطرفين بمواعيدها المعلنة، المؤشر الأكثر دلالة على أي من هذين التوصيفين سيثبت نفسه على الأرض.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير