
ترفض دولة إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار مع لبنان، رغم أن هذا الاتفاق تم بوساطة أمريكية، وحظي بدعم شخصي من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وقد بقي المجتمع الدولي، إلى جانب العالم العربي، صامتا في مواجهة جرائم الحرب والفظائع التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في لبنان بشكل مستمر.
والأكثر إثارة للقلق هو وجود فريق سياسي لبناني وعربي ودولي يسعى إلى نزع سلاح أولئك الذين يدافعون عن لبنان في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه يحاول تقييد دور الجيش اللبناني ووضعه في مواجهة مع الشعب اللبناني.
وهناك، في الواقع، فريق سياسي مدعوم دوليا يبدو مصمما على تحويل لبنان إلى ساحة صراع داخلي لمجرد إرضاء إسرائيل. ومع ذلك، فقد أثبتت الولايات المتحدة نفسها عبر التاريخ أنها قادرة على التخلي عن حلفائها، ولا تزال تجربة أفغانستان حاضرة في الذاكرة الجماعية. فقد شهد العالم طائرات أمريكية تغادر أفغانستان، بينما كان الأفغان الذين عملوا مع الولايات المتحدة ودعموها يحاولون الفرار بشكل يائس، وسقط بعضهم حتى وفاته من الطائرات المغادرة.
إن الوضع في لبنان شديد الخطورة. ففي الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل قتل الناس وسرقة وحرق وتدمير البشر والأشجار والمنازل، هناك من يساعدها ويدعمها ويعمل على تطبيع العلاقات معها.
اتهم حزب الله إسرائيل بالاستيلاء على أراض في جنوب لبنان، بعد أن نشر حساب مرتبط بوزارة الخارجية الإسرائيلية خريطة تظهر أجزاء من الأراضي اللبنانية ضمن حدود الدولة الإسرائيلية.
وأثارت الخريطة، التي نشرها حساب “إسرائيل بالعربية” الرسمي على منصة “إكس”، جدلا واسعا، بعدما ظهرت أجزاء من جنوب لبنان ضمن المنطقة المصورة على أنها إسرائيل، بطريقة لا تتوافق مع الحدود المعترف بها دوليا.
وفي وقت لاحق، أزالت وزارة الخارجية الإسرائيلية الخريطة من صفحتها الرسمية باللغة الإنجليزية، بينما أبقتها منشورة على حساب “إسرائيل بالعربية”.
ووصف حزب الله الخريطة بأنها “تأكيد لا يمكن إنكاره” لما سماه “طموحات العدو الإسرائيلي في لبنان وأرضه وموارده وممتلكاته”، معتبرا أن تل أبيب “لم تتخل عنها ولن تتخلى عنها”.
جاء الجدل حول الخريطة في الوقت الذي أفادت فيه صحيفة هآرتس (Haaretz) العبرية، استنادا إلى زيارات ميدانية وتحليل صور الأقمار الصناعية، بأن الجيش الإسرائيلي وسع انتشاره في جنوب لبنان.
وبحسب التحقيق، تسيطر القوات الإسرائيلية حاليا على مساحة تقدر بنحو 600 كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية. وأفيد أيضا بتنفيذ أعمال بناء واسعة، شملت إنشاء قاعدة عسكرية بعيدة عن الحدود، وبناء عشرات الكيلومترات من الطرق.
وأفادت هآرتس (Haaretz) بحدوث تغييرات كبيرة في المنطقة، مشيرة إلى أن قرى دمرت بالكامل في بعض المواقع، بينما عززت إسرائيل وجودها العسكري. وخلال المواجهة الحالية، توغل الجيش الإسرائيلي أكثر من 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
وقد أدت هذه التطورات إلى زيادة مخاوف العديد من اللبنانيين من أن أهداف إسرائيل قد تتجاوز العمليات العسكرية المؤقتة والهدف المعلن المتمثل في معالجة قضية أسلحة حزب الله والمخاوف الأمنية على طول الحدود الشمالية لإسرائيل.
نشرت الخريطة الإسرائيلية بعد أيام قليلة فقط من الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية في روما، التي جرت برعاية أمريكية.
وتناولت المحادثات تنفيذ اتفاق “صيغة الإطار” الذي تم التوصل إليه في 26 يونيو/حزيران. إلا أن الجولة السابعة فشلت في التوصل إلى اتفاق بشأن المنطقة التالية التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية، ومن المتوقع عقد جولة جديدة في أوائل سبتمبر/أيلول.
وفي الوقت نفسه، يواصل حزب الله رفض المطالب بتسليم أسلحته. وقد استمرت الهجمات الإسرائيلية على جنوب لبنان منذ 02 مارس (آذار).
وبحسب السلطات اللبنانية، أسفرت الهجمات عن مقتل 4,333 شخصا وإصابة 12,250 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص.
يدرس لبنان عدة خيارات بعد النتيجة السلبية للجولة السابعة في روما. وتواصل إسرائيل رفض الانسحاب من الأراضي التي تحتلها قبل التحقق من نزع سلاح حزب الله. في المقابل، يصر لبنان على ضرورة تنفيذ إجراءات ملموسة على الأرض أولا إذا كانت المفاوضات ستستمر.
وترددت تقارير تفيد بأن لبنان قد يعلق المفاوضات بسبب الشكوك حول جدوى المحادثات، في ظل ما تصفه مصادر لبنانية بالتعنت الإسرائيلي والرغبة في فرض معادلات وشروط جديدة.
تجري مناقشة عدة مقترحات بين لبنان والجانب الأمريكي. وتشمل هذه الخيارات تعليق المفاوضات بالكامل، أو بدء خطوات إسرائيلية جدية قبل الموعد المبدئي للجولة الثامنة في سبتمبر/أيلول، أو الحصول على ضمانات والتزامات لتنفيذ الاتفاق وربطها باستمرار المفاوضات.
ويتمثل المطلب اللبناني الأساسي في وقف كامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية.
وترى مصادر لبنانية أنه من غير المقبول أن تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية وتجريف الأراضي وتدميرها في جنوب لبنان، وكأن المفاوضات لا تجري أصلا. ودعت أيضا إلى تحديد “مناطق تجريبية” جديدة، بما في ذلك الخيام وبنت جبيل أو بلدات أخرى.
وقد نقل لبنان رسائل واضحة إلى واشنطن مفادها أن المفاوضات لا يمكن أن تستمر بصيغتها الحالية من دون اتخاذ إسرائيل إجراءات ملموسة. وشددت بيروت على ضرورة أن تضغط واشنطن على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها، وأن تكون الخطوات التي يتخذها الطرفان متبادلة.
ويرفض لبنان المعادلة الإسرائيلية التي تربط الانسحاب بالتحقق من نزع سلاح حزب الله. ووفقا للموقف اللبناني، يجب على إسرائيل الانسحاب حتى يتمكن الجيش اللبناني من الانتشار والقيام بمسؤولياته. وبعد ذلك، ستشرف آلية للتحقق على العملية، بمجرد التوصل إلى اتفاق بشأن الجهة التي ستمثلها.
أفادت القناة الإسرائيلية 13 بأن الولايات المتحدة تضغط على إسرائيل لإغلاق جبهات غزة ولبنان وإيران. وأشار التقرير أيضا إلى طلب من قائد القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” بانسحاب إسرائيلي من مناطق في جنوب لبنان.
وقد أطلع المفاوض اللبناني، السفير السابق سيمون كرم، على اجتماعات روما، وتلقى تعليمات بشأن المرحلة المقبلة. وأكد رئيس الوزراء نواف سلام دعمه لسكان البلدات الجنوبية والجهود الرامية إلى تأمين عودتهم.
كتب الصحفي اللبناني خليل حرب على حسابه الرسمي في تطبيق “تلغرام”:
“إن مذكرة 18 يونيو/حزيران، التي تنص على وقف القتال، ورفع الحصار البحري الأمريكي، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإطلاق عملية تفاوضية مدتها 60 يوما للتوصل إلى ما كان مأمولا أن يكون اتفاقا نهائيا، اصطدمت فعليا بجدار من اختلاف التفسيرات بين طهران وواشنطن”.
وتجري التطورات المحيطة بلبنان، بالتالي، ضمن بيئة إقليمية أوسع تشمل واشنطن وطهران وإسرائيل وعدة جبهات في الشرق الأوسط.
لا يستطيع لبنان تحقيق الأمن من خلال المفاوضات في الوقت الذي تستمر فيه العمليات العسكرية الإسرائيلية، كما أن استمرار الضغط لنزع سلاح حزب الله قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الداخلية وتحويل البلاد إلى حرب أهلية.
وبالنسبة إلى العديد من اللبنانيين، لم يعد السؤال المركزي مقتصرا على أسلحة حزب الله أو نتيجة مفاوضات روما، بل أصبح السؤال يتمثل في ما إذا كانت إسرائيل تنوي الانسحاب من جنوب لبنان أصلا، وما إذا كان المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة التي ترعى المفاوضات، سيمارس ضغطا كافيا على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير