
قال حلف شمال الأطلسي في تصريحات لموقع “سكاي نيوز عربية”، نشرت الأحد 9 أغسطس (آب) 2026، إنه مستعد لردع أي تحرك روسي ضد أراضيه، في وقت تتصاعد فيه داخل أوروبا التحذيرات من احتمال أن تختبر موسكو تماسك الحلف بعمل عسكري أو هجين محدود.
وصرح المتحدث العسكري باسم الناتو، الكولونيل مارتن أودونيل، لموقع القناة العربية المعروفة قائلا: “ندرس باستمرار عددا من السيناريوهات المحتملة ونستعد لها”. وفي الخلفية يعزز الناتو جناحه الشرقي ويعيد بناء خططه الدفاعية على أساس أن المواجهة مع روسيا لم تعد احتمالا نظريا يمكن تجاهله.
الكولونيل أودونيل أضاف، حسبما تنقل عنه سكاي نيوز: “يراقب الناتو الوضع، ونحن مستعدون للردع والدفاع عند الضرورة، وهو ما نواصل إظهاره عمليا”.
وفي ذات التوقيت تقريبا، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن تقديرات استخباراتية أميركية جديدة أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يسعى، خلال السنوات القليلة المقبلة، إلى اختبار تماسك الناتو عبر “هجوم محدود” على إحدى الدول الأعضاء.
لكن تطورا آخر أضاف خلال الأيام الأخيرة بعدا أخطر إلى النقاش، وهو تحذيرات أطلقها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أن استمرار اتساع حرب الاستنزاف الجارية الآن قد يدفع روسيا، في ظروف قصوى، إلى التفكير في استخدام “آخر وسيلة تمتلكها”، والوصف لفيدان، وكان هذا الكلام في سياق رده على سؤال لوكالة الأناضول التركية الرسمية يتعلق صراحة باحتمالية وإمكانية استخدام السلاح النووي.
وبالتالي يطرأ على ذهن الواحد منا مباشرة سؤال استنكاري، فإذا كانت روسيا تمثل خطرا عسكريا بهذا الحجم على الناتو، فكيف نفسر أنها، وبعد أربع سنوات ونصف من الحرب، تتمها بعد أسبوعين بالتمام والكمال، لم تستطع حسم معركتها في أوكرانيا؟
وإذا كان الجيش الروسي قد تعرض، كما تقول التقديرات الغربية المتكررة بصورة لا تطاق، لاستنزاف بشري ومادي هائل، فمن أين يأتي الحديث المتزايد عن احتمال تهديد دول البلطيق أو بولندا أو اختبار المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي؟
كيف يمكن أن يستقيم هذان الطرحان في رأس واحدة أو هذان التصوران في مخ واحد، أم أن المخ الغربي يختلف فعلا عن باقي أمخاخ البشر العاديين؟
وهذا السؤال الذي أطرحه، أراه سؤالا مشروعا. لكن الإجابتين الشائعتين عنه تبدوان مبالغتين بشكل غير معقول.
ما أقصده أنك إن وجهت هذا السؤال لأحد السياسيين الغربيين، مثل جون بولتون، فستتلقى الإجابة الأولى التي تقول لك إن حرب أوكرانيا أثبتت أن الخطر الروسي على أوروبا كان مضخما أصلا، وأن جيشا لم يستطع إخضاع أوكرانيا لا يستطيع التفكير جديا في مواجهة الناتو. وهذا بالنص ما قاله بولتون تقريبا بالنص تعليقا على تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي نشرته وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal).
أما الإجابة الثانية، ولنتخيل أنها تأتيك من دبلوماسي أوروبي في موسكو مثلا، فتذهب بك إلى النقيض تماما، فتصور روسيا على أنها قوة توسعية سوف تنتقل، بمجرد انتهاء الحرب الأوكرانية، إلى مهاجمة إحدى دول الحلف، وبصفة خاصة دويلات البلطيق أو بولندا أو إحدى دول أوروبا الشرقية الأخرى.
والمشكلة في هذه المواقف ومن يتبناها، وبالمناسبة يحاول معظم السياسيين الغربيين، الأوروبيين تحديدا، تثبيت التصورين في الذهنية الأوروبية والغربية، أقول هذه المواقف لأتباع هاتين المدرستين تختزل مفهوم القوة في سؤال واحد، وهو: هل تستطيع روسيا غزو أوروبا بوضعها الحالي أم لا؟
وهذا في رأيي سؤال مغرض، وغير بريء. والسبب في قولي هذا الكلام هو أن حرب أوكرانيا الجارية الآن أثبتت بالفعل وجود حدود كبيرة وواضحة للقوة العسكرية الروسية، وأن مقارنتها بالقوة السوفيتية هي مقارنة ظالمة.
العملية العسكرية الخاصة التي أطلقها بوتين في فجر 24 فبراير (شباط) 2022 لم تحقق الحسم السريع، وتحولت بسبب التدخل الغربي الناتوي غير المحدود إلى حرب استنزاف طويلة وعالية التكلفة كل يوم بالنسبة لموسكو. وخسرت روسيا بالفعل أعدادا كبيرة من الجنود والمعدات، بينما يظل تقدمها البري، حتى عندما استمر، بطيئا ومكلفا إذا قسناه أو حسبناه بحجم الموارد المستخدمة في تحقيقه.
ولذلك عندما يوجه هذا الاتهام إلى الكرملين وبوتين بنيته غزو أوروبا، فإن فكرة أن الجيش الروسي يستطيع في ظروفه الراهنة فتح حرب تقليدية واسعة ضد الناتو والانتصار فيها تبدو بعيدة عن ميزان القوى الفعلي.
ومع ذلك أقول أيضا، وحتى تتضح الصورة بالكامل، إن هذا الاستنتاج لا يقود تلقائيا إلى القول إن روسيا لا تشكل خطرا أو لا يمكن أن تشكل خطرا أو لم تعد تشكل خطرا على أوروبا.
وهذا ما تقودنا إلى فهمه تصريحات هاكان فيدان لوكالة الأناضول يوم 8 أغسطس (آب) 2026، فرجل الاستخبارات التركي القوي ووزير خارجية أنقرة الحالي لا يتحدث من موقع دولة أوروبية شرقية تبني سياستها الأمنية على الخوف التاريخي من موسكو.
كما أنه بلا شك لا يتبنى، ولا يمكن حتى تخيل أنه يتبنى، الرواية الروسية ويتحدث من موقع مسؤول روسي يستخدم الردع النووي لإرسال رسالة سياسية.
فتركيا، كما هو معروف، هي العضو الثاني من حيث القوة العسكرية في الناتو، لكنها في الوقت نفسه واحدة من الدول القليلة في الحلف التي حافظت طوال الحرب على قنوات سياسية وأمنية مباشرة مع موسكو وكييف الاثنين معا.
وكانت آخر زيارة لفيدان إلى روسيا في منتصف شهر يونيو (حزيران) 2026، وبعد أن التقى لافروف في موسكو أصر على أن يطير معه إلى قازن التي كان بوتين موجودا بها للمشاركة في قمة روسيا-آسيان، حيث كنت موجودا بالمناسبة، والتقى بوتين هناك، دون أن نعرف كل تفاصيل ما دار خلف الأبواب المغلقة، ثم سافر فيدان بعد ذلك إلى كييف في شهر يوليو (تموز) الماضي لمواصلة الجهد الدبلوماسي التركي.
وقد ذكرت هذه التفاصيل لاعتقادي أن شهادته تستحق التوقف عندها، ولكن أيضا من المهم عدم تحميلها أكثر مما تحتمل. وما أقصده هو أن فيدان قال، بحسب النص المتداول لتصريحاته، إنه إذا اتسعت حرب الاستنزاف من الجبهة إلى العمق، وكان يقصد العمق الروسي حسبما فهمت من السياق، وتحولت إلى مسألة تمس بقاء الدولة، وبالتالي تشكل تهديدا وجوديا لروسيا، فقد تصل موسكو إلى التفكير في “الوسيلة الأخيرة” المتاحة لها، من أجل حماية وجودها.
وأضاف أنه خلال اتصالاته في روسيا ظهرت أحاديث تفيد بأن “المجتمع يطالب بشيء من هذا القبيل”، وهذا الكلام معناه أن الرجل استمع إلى هذا الكلام من بوتين أو من لافروف، ثم أضاف أن أنقرة نقلت هذه الانطباعات إلى شركائها الغربيين.
وهذه الجملة الأخيرة من تصريحه هي الأخطر في رأيي.
بالطبع، نحن ليس لدينا أدلة كافية تسمح بتحويل ما سمعه الوفد التركي في اتصالاته الروسية إلى استنتاج بأن المجتمع الروسي يريد استخدام السلاح النووي.
لكن استطلاعات الرأي الروسية نفسها تقدم لنا الصورة. ويجب القول في هذا السياق إن هناك فارقا جوهريا ومهما جدا بين تصاعد الخطاب المتشدد في قطاعات من المجتمع والإعلام، وهذا أمر واضح وملموس ويمكن أن أؤكده من واقع الرصد والمتابعة اليومية من قلب موسكو، وبين وجود طلب اجتماعي واسع على استخدام السلاح النووي.
لكن أهمية شهادة فيدان تقع في مكان آخر، وما أرمي إليه هو أنها تكشف أن التصعيد النووي لم يعد مجرد مفهوم نظري في كتب الاستراتيجية، ولكنه أصبح بالفعل جزءا من المحادثات السياسية الجارية حول حدود حرب الاستنزاف التي تتعرض لها روسيا.
وإذا ربطنا هذا الكلام مع السياق العملي لما يجري على الأرض، وأتحدث عن هجوم مصفاة ومجمع نيجنيكامسك للبتروكيماويات في جمهورية تتارستان، الذي وقع فجر اليوم الاثنين 10 أغسطس (آب) 2026، وأدى إلى حصيلة بشرية كبيرة ارتفعت إلى 13 قتيلا، بينهم طفل بحسب السلطات الروسية، فيما ارتفع عدد المصابين في أحدث التحديثات إلى عشرات، وتحدثت بعض المصادر عن 48 مصابا، فإن نيجنيكامسك تصبح أهم من مجرد رقم جديد في سلسلة الضربات الأوكرانية.
هذه المدينة تمثل قلب منظومة التكرير في عمق الفولغا. والبعد الأخطر في هذا الاستهداف أن نيجنيكامسك تضم مجمعا بتروكيماويا ضخما، بما يعني أن المدينة نفسها عقدة طاقة وصناعة، وليس مجرد موقع مصفاة منفردة.
وبذلك يحمل الحادث بعدين متوازيين في سياق استنزاف العمق الروسي، الأول أمني وإنساني. والثاني اقتصادي واستراتيجي، لأن الهجوم يبرهن مرة أخرى أن عمقا يزيد على ألف كيلومتر عن الجبهة لم يعد خارج نطاق المسيرات الأوكرانية.
وهذا التصعيد المستمر وتصريحات هاكان فيدان في هذا السياق تدفعني إلى إعادة شرح السؤال الذي عنونت به هذا المقال، بمعنى أن القدرة على هزيمة الناتو ليست شرطا للقدرة على تهديده. وروسيا لا تحتاج إلى إرسال قواتها إلى برلين أو باريس لكي تنتج أزمة أمنية وجودية لأوروبا.
يكفي أن تمتلك القدرة على تصعيد أزمة محدودة إلى مستوى يجعل كلفة التدخل الغربي المباشر غير قابلة للحساب. والسلاح النووي في هذه الحالة يلعب دورا مختلفا، بمعنى أنه لا يصبح أداة حرب عادية، وإنما يتحول بالنسبة لموسكو إلى أداة لتعويض الاختلال في ميزان القوى التقليدي.
فمنذ بداية حرب أوكرانيا، بل وحتى في بيان بوتين الذي أطلقها من خلاله، كان واضحا تماما الفهم الروسي والذي تؤكده آراء وطروحات الخبراء العاقلين، وهو أن روسيا لا يمكنها وليس في قدرتها بحال من الأحوال الصمود أمام الناتو إن وصلت الأمور إلى لحظة الحقيقة وكانت المواجهة العسكرية حتمية. بمعنى أن بوتين لن يكون أمامه مخرج في هذه الحالة سوى استخدام السلاح النووي من أجل حماية وجود الدولة الروسية.
وهذه النقطة يا سادة هي نقطة مركزية في العقيدة الاستراتيجية الروسية وفي طبيعة الردع بين موسكو والغرب. فكلما ارتفع مستوى الصراع التقليدي وأصبحت الدولة أمام خصم يتفوق عليها اقتصاديا وعسكريا بصورة إجمالية، ازدادت بشكل أوتوماتيكي أهمية الترسانة النووية باعتبارها الحد النهائي الذي يمنع تحول التفوق التقليدي للخصم إلى قدرة على فرض هزيمة استراتيجية كاملة عليها.
وهذا هو السبب في أن المقارنة الحسابية البسيطة بين الجيش الروسي والناتو لا تكفي لفهم الخطر. فالناتو بلا جدال أقوى اقتصاديا وعسكريا بصورة إجمالية. لكن الحرب بينهما إن قامت، فهي بلا شك وحتما ستكون حربا نووية، وبالتالي الحرب بين قوى نووية لا تحسم بجمع عدد الدبابات والطائرات والناتج المحلي الإجمالي.
ومن هنا أيضا ينبغي فهم التحذيرات الأوروبية من احتمال اختبار روسيا للحلف. ما أفهمه أن الحديث يدور عن سيناريو يبدو واقعيا، أي أن ما سيحدث ليس اجتياحا روسيا شاملا لأوروبا، وإنما يكفي افتعال وخلق أزمة محدودة مثلا. يعني حادث في منطقة البلطيق أو ضغط على دولة حدودية أو عملية هجينة أو تخريب لبنية تحتية. أو مثلا شن هجوم سيبراني واسع أو تحرك عسكري محدود يضع العواصم الغربية أمام السؤال السياسي الأصعب، وهو إلى أي حد هي مستعدة للتصعيد في مواجهة قوة نووية، بل في مواجهة القوة النووية الأكبر في العالم من أجل الدفاع عن منطقة صغيرة على أطراف الحلف؟
وليس من مثال أفضل من ذلك من الصاروخ الذي دخل الأجواء البولندية وأسقط وثارت حوله الهيلمانات، وبعد توجيه الاتهام مباشرة إلى روسيا، تراجع الجميع ولم يحقق أحد في المسألة حتى يوم الناس هذا.
وفي الوقت نفسه علينا من أجل الموضوعية أن نأخذ في الاعتبار عاملا آخر لا يقل أهمية، وهو أن جيش روسيا التي تخوض الحرب اليوم، في شهر أغسطس (آب) 2026، ليس هو ذات جيش روسيا التي بدأت هذه الحرب في فبراير (شباط) 2022.
نعم، لقد فقد الجيش الروسي جزءا كبيرا والبعض يقول ضخما من قوته البشرية والمادية، لكن هذه الحرب نفسها منحته خبرة قتالية لا يمتلكها أي جيش أوروبي حاليا بهذا الحجم.
لقد أنتجت أربع سنوات ونصف من القتال العنيف المتغير والمتقلب خبرة واسعة في استخدام المسيرات والحرب الإلكترونية والاستطلاع وربط اكتشاف الهدف بالنيران، وفي التحصينات والدفاع ضد المسيرات بأنواعها المختلفة والاستخدام المكثف للصواريخ والأسلحة بعيدة المدى. كما أعادت روسيا تشكيل مجمعها الصناعي العسكري ونجحت في هيكلة جزء مهم من قاعدتها الصناعية العسكرية.
ولذلك نقول نعم، الحرب تستنزف الجيش الروسي، لكنها تعيد تشكيله في الوقت نفسه. ومن الخطأ النظر إلى أحد وجهي الصورة وإهمال الآخر.
فالجيش الذي سيخرج من هذه الحرب قد يكون أضعف عدديا في جوانب معينة وأكثر إنهاكا، لكنه سيكون أيضا أكثر خبرة في حرب صناعية حديثة طويلة الأمد.
نعم، سيقول لي أحدهم إن هذا لا يعني أنه يستطيع هزيمة الناتو، وهذا الكلام صحيح جزئيا، ولكن في الوقت نفسه يبقى وصفه، أي الجيش الروسي، بأنه قوة محطمة وفقدت القدرة على إنتاج الخطر هو أيضا استنتاج متسرع بالقدر نفسه الذي يمثل فيه الحديث عن اجتياح روسي وشيك لأوروبا مبالغة استراتيجية لا تدعمها وقائع أو تقدير ومنطق سليم.
مشكلة الأوروبيين بدأت، في رأيي، عندما بدأوا ينقلون فرضية التخطيط العسكري إلى المجال السياسي والإعلامي باعتبارها نبوءة مؤكدة، وكذبوا الكذبة وصدقوها، كما يقول المصريون، فأقنعوا أنفسهم بأنه ما إن تنتهي روسيا من أوكرانيا، فسوف تهاجم الناتو فورا.
لكن لا توجد أدلة كافية تسمح بهذا اليقين. والأخطر أن هذا النوع من التفكير يمكن أن يصبح جزءا من الآلية التي تنتج الخطر الذي تسعى إلى منعه.
وما أقصده بهذا الكلام أننا سندخل الدائرة التالية: أوروبا تعيد التسلح لأنها تخشى روسيا. وموسكو تنظر إلى إعادة التسلح الأوروبي وتوسع الناتو ونشر القوات والأسلحة بعيدة المدى قرب حدودها باعتبارها دليلا على أن التهديد الغربي يتزايد. فتقوم روسيا بتعزيز وزيادة قدراتها العسكرية، وهو ما تعتبره أوروبا بدورها دليلا إضافيا على صحة مخاوفها، فتتسلح أكثر.
وهذه هي المعضلة الأمنية في صورتها الكلاسيكية، بمعنى أن كل طرف يعتقد أنه يدافع عن نفسه، بينما يرى الطرف الآخر أنه يستعد للهجوم عليه، لكن دخول العامل النووي على هذه الحلقة المفرغة يجعلها أخطر بكثير.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير