
في آخر أيام شهر يوليو (تموز) 2026، نشرت صحيفة نويه تسورخر تسايتونغ السويسرية (Neue Zürcher Zeitung)، وهي إحدى أبرز الصحف الأوروبية تأثيرًا في الأوساط السياسية والفكرية في أوروبا الغربية، مقالًا للباحث الروسي المعارض أندريه كوليسنيكوف، عرض فيه ما يعتبره قراءة للمجتمع الروسي بعد نحو أربع سنوات ونصف من اندلاع الحرب الأوكرانية.
قدم كوليسنيكوف قراءته باعتباره خبيرًا روسيًا معروفًا ومقدرًا في الغرب، والرجل، والحق يقال، (قرأت المقال مترجمًا طبعًا، وأرفق في التعليقات رابطًا له)، لم يتحدث في هذه القراءة عن ثورة وشيكة في روسيا، ولا عن قرب انهيار الدولة، لكنه، مع ذلك، رسم صورة أكثر إيحاءً بأن المجتمع الروسي مجتمع متعب، وأصبح متكيفًا مع الحرب، لكنه يزداد ضيقًا بها، ومع ذلك، وبالرغم من الضجر، يواصل، أي المجتمع، حياته اليومية.
السيد كوليسنيكوف حاول، حسبما فهمت قصده، تصوير المجتمع الروسي على أنه مجتمع يخفي احتجاجه، كما سبق ووصفته معارضة روسية أخرى شهيرة ومسموعة جدًا في الغرب بأنه مجتمع “يخفي الإصبع الأوسط داخل الجيب”، وكانت تقصد بهذا الوصف أن هناك رفضًا داخليًا، لكنه لا يتحول إلى فعل سياسي، وهناك سخط لا يخرج إلى الشارع.
وأنا أتحدث عن المعارضة الدكتورة نينا خروشوفا، حفيدة الزعيم السوفيتي السابق نيكيتا خروشوف (ويا لسخرية الأقدار)، التي تطوف بجامعات الولايات المتحدة لتُدرِّس بها وتشرح أوضاع روسيا ومجتمعها، حيث تحظى باحتفاء شديد.
وبالعودة إلى مقال أندريه كوليسنيكوف، الذي اتخذته موضوعًا انطلقت منه في كتابة هذه السطور، أقول إنه، في رأيي، مقال يستحق القراءة، ليس لأنه يقدم الحقيقة النهائية المطلقة عن روسيا، أبدًا وأبدًا، وإنما لأنه يعكس ذات النمط المتكرر للطريقة التي تنظر بها قطاعات معتبرة من الصحافة الأوروبية إلى الداخل الروسي.
فالمهتم بالصراع الروسي الغربي، وبمرحلته الحالية المتمثلة في الحرب الأوكرانية، يرى أنه منذ اندلاع الحرب أصبحت كتابات عدد من رموز المعارضة الروسية المصدر شبه الوحيد لتقييم أوضاع المجتمع الروسي في الغرب.
فما يقوله كوليسنيكوف في هذا المقال عن المجتمع الروسي، ومثله ما تقوله السيدة خروشوفا وآخرون، خطورته في أنه يعكس مدرسة فكرية أصبحت مؤثرة في أوروبا خلال سنوات الحرب. وكما أشرت أعلاه، تحولت كتاباتهم إلى مصدر رئيسي لفهم المجتمع الروسي في كثير من وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية.
وأنا لا أرى غضاضة أو مشكلة في الاستفادة من هذه الكتابات، فهي تقدم شهادات مهمة وزوايا قد لا توفرها المصادر الرسمية الروسية، خاصة في ظل ظروف التضييق الإعلامي الداخلي الحالية على أي أصوات تغرد خارج السرب، وهي حقيقة تدفعنا الموضوعية للإقرار بها، لكن الإشكال بالنسبة لي شخصيًا يبدأ عندما تتحول هذه الكتابات، وتلك الأصوات وحدها، إلى العدسة شبه الوحيدة التي يتم من خلالها قراءة بلد بحجم روسيا، بكل تنوعه الإثني والعرقي، أو للدقة، الاجتماعي والجغرافي والسياسي.
لأنه حين تصبح كتابات المعارضة الروسية، وهي في أغلبها بعيدة عن الموضوعية، المصدر شبه الوحيد لفهم روسيا، أو المصدر الوحيد للمعرفة، فإن هذه القراءة الانتقائية تتحول إلى سياسات مبنية على تقديرات غير صحيحة، أو دعوني أقول بتعبير أخف، على تقديرات غير مكتملة، وفي هذا مكمن الخطأ الغربي المستمر.
إذن، المشكلة ليست في مقال كتبه الباحث الروسي المعارض أندريه كوليسنيكوف في صحيفة نويه تسورخر تسايتونغ السويسرية (Neue Zürcher Zeitung)، وله كل التقدير، وأنا شخصيًا أقرأ له باستمرار وأتابعه على “يوتيوب” في قنوات المعارضة، بل وأزيدكم من الشعر بيتًا أنني معجب جدًا بطروحات السيدة نينا خروشوفا، وأتابعها باستمرار، وأستمع بعناية، وأستمتع أحيانًا بما تقول، فأنا، في الواقع، أبحث دائمًا عن توازن الصورة. وإنما المشكلة في أن هذه الكتابات هي التي باتت تحدد الطريقة التي تنظر بها قطاعات واسعة من النخب السياسية والإعلامية الأوروبية إلى روسيا اليوم.
وكما قلت في الفقرات السابقة، يصف كوليسنيكوف في مقاله مجتمعًا يتأقلم مع الحرب، ومع انقطاع الإنترنت، واضطراب حركة الطيران، وارتفاع الأسعار، ووصول الطائرات المسيّرة إلى العمق الروسي. وهذا الوصف، في جانب كبير منه، لا يخلو من الصحة بالنسبة لأي مراقب موضوعي من داخل روسيا. غير أن السؤال الذي يندر طرحه في سياق مثل هذه الكتابات هو: هل يقود هذا الواقع، بالضرورة، إلى الاستنتاجات السياسية التي يتبناها كثير من المحللين في أوروبا؟
والإجابة، من واقع متابعتي الشخصية لما يُكتب ويُقال في الغرب عن روسيا ومجتمعها، هي: لا، قاطعة ونافية.
فالخطأ المنهجي الذي وقع فيه جانب معتبر من التحليل الأوروبي لا يكمن في توصيف مظاهر التعب داخل روسيا، ولكن في الخلط، المقصود لدى البعض، والخاطئ عند آخرين، بين الإرهاق الاجتماعي والقابلية للانفجار السياسي.
وهذان أمران مختلفان تمامًا، فالمجتمعات قد تتعب من الحروب، وهذا ما يخبرنا به التاريخ، وقد تتذمر من تراجع مستويات المعيشة، وهذه أيضًا حقيقة مثبتة تاريخيًا، بل وقد تفقد جانبًا من ثقتها بمؤسسات الدولة، لكنها، مع كل ذلك، لا تتحول تلقائيًا وبصورة آلية إلى مجتمعات ثائرة.
والتاريخ الروسي نفسه، لمن درسه أو حتى قرأ بعض شذرات منه، يقدم، منذ الحقبة القيصرية، مرورًا بالاتحاد السوفيتي، ووصولًا إلى روسيا المعاصرة، أمثلة عديدة على قدرة هذا المجتمع، الفريد في صبره، على التكيف مع الأزمات الممتدة، حتى عندما يكون ساخطًا عليها، وحانقًا، وغاضبًا منها.
لذلك، من يفهم هذه النقطة في طبيعة الشخصية الروسية، باتساع تنوعها الإثني والعرقي والطائفي، يدرك أن الاستياء الشعبي، في حالة روسيا تحديدًا، ليس مرادفًا مباشرًا للتمرد، كما أن التعب من الحرب لا يعني، بالضرورة، الاستعداد لتغيير النظام السياسي على الفور وفي اللحظة نفسها.
والمفارقة أن كوليسنيكوف نفسه لا يدعي، في هذا المقال، وجود مؤشرات على انفجار سياسي وشيك. فهو لا يتحدث عن احتجاجات واسعة، ولا عن معارضة منظمة قادرة على تغيير موازين القوى، فهي غير موجودة فعلًا في الواقع الروسي حاليًا، وهذه شهادتي كمتابع من قلب موسكو. وإنما يحدثنا كوليسنيكوف عن أفراد يحاولون التكيف مع واقع لا يملكون القدرة على تغييره. غير أن جزءًا من الخطاب الأوروبي يحمّل هذا الوصف ما لا يحتمل، ويصور هذا التعب، وهو حقيقة قائمة وموجودة فعلًا، وكأنه، بحد ذاته، دليل على اقتراب التحول السياسي المنشود في روسيا.
والمشكلة لا تكمن كذلك في أن الصحافة الأوروبية تعتمد على مصادر معارضة، فهذا أمر مشروع، بل ومطلوب من باب تحري الموضوعية والحصول على الصورة المتزنة في أي عمل بحثي أو صحفي. لكن المشكلة أنها، وأقصد الصحافة الغربية، في كثير من الأحيان، تعمل بمبدأ الانتقائية، فتنتقي من هذه المصادر ما يؤكد الفرضية التي انطلقت منها كأساس، وتبحث عما يدعمها ويثبتها، حتى لو كانت معلومات واستنتاجات منقوصة.
وفرضية الإعلام الغربي الرئيسية الآن هي أن المجتمع الروسي يقترب من لحظة الانفجار السياسي.
لكن العلم يخبرنا أنه عندما تصبح الفرضية هي التي تختار الوقائع، بدلًا من أن تقودنا الوقائع إلى الفرضية، يفقد التحليل جزءًا كبيرًا من موضوعيته، إن لم يفقدها كلها، والأدهى أنه يقود إلى استنتاجات وقرارات كارثية.
ولو كانت الغاية لديهم هي فهم المجتمع الروسي، لا تأكيد صورة ذهنية مسبقة عنه، لكان من الصعب تجاهل نتائج أحدث استطلاعات مركز ليفادا (Levada Center)، وهو أكثر مراكز قياس الرأي العام الروسي استشهادًا به في الدراسات الغربية.
وأحدث استطلاعات مركز ليفادا، الذي أتابعه دائمًا، تقول إن نحو 67% من الروس يؤيدون عمليات القوات المسلحة الروسية، بينما يعارضها نحو 24% فقط. وفي الوقت نفسه، يؤيد نحو ثلثي المستطلعين بدء مفاوضات سلام إذا أمكن التوصل إلى تسوية مناسبة.
وهذه ليست مفارقة، يا سادة، وإنما هي خير تعبير عن مجتمع يفرق بين دعم جيشه في مثل هذه الظروف، والرغبة، في الوقت نفسه، في إنهاء الحرب، وهي درجة من التعقيد لا تستقيم مع الصورة الثنائية التي تقدمها كثير من الكتابات الأوروبية، والتي تختزل الروس كلهم في معسكرين: إما مؤيد للحرب، أو معارض لها.
لكن الواقع الموضوعي أكثر تركيبًا بكثير من هذه الثنائية التبسيطية.
وفي الوقت الذي كانت فيه بعض الصحف الأوروبية تبحث عن مؤشرات التعب داخل روسيا، كان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، نفسه، وبعظمة لسانه، يقر بأن بلاده تواجه نقصًا متزايدًا في وسائل الدفاع الجوي، بعدما لم تتمكن منظوماتها، في الموجات الصاروخية الروسية الأخيرة، إلا من اعتراض عدد محدود جدًا من الصواريخ الباليستية الروسية، وجدد مطالبته بالحصول على مزيد من منظومات وصواريخ “باتريوت”.
وبالطبع، وبلا شك، لا تمثل هذه التصريحات، من جانب الرئيس الأوكراني، مجرد مطالبة عسكرية، بل تعكس تحديًا كبيرًا يتمثل في تزايد اعتماد حماية العمق المدني والبنية التحتية الأوكرانية على استمرار تدفق الدعم العسكري الغربي.
وتشير التقديرات الاقتصادية، التي نشرتها مجلة فورين أفيرز (Foreign Affairs) مؤخرًا، إلى أن أوكرانيا تخصص نحو 40% من ناتجها المحلي الإجمالي للأمن والدفاع، وهو من أعلى المعدلات عالميًا، بينما رفعت روسيا إنفاقها الدفاعي إلى مستويات استثنائية هذا العام، تقترب من 12% من ناتجها المحلي الإجمالي.
وهذه الأرقام تعكس، بلا جدال، أن حرب الاستنزاف المشتعلة الآن تستنزف الطرفين معًا، والطرفان هنا هما روسيا، من جهة، وأوكرانيا والدول الأوروبية ومخازنها، من جهة ثانية، حتى وإن اختلفت طبيعة الضغوط التي يواجهها كل منهما.
ومشكلة أوروبا العويصة، في رأيي، أنها تنظر إلى نقاط الضعف داخل روسيا باعتبارها بداية النهاية، بينما تتعامل مع نقاط الضعف الأوكرانية باعتبارها مجرد أزمة مؤقتة سيعالجها الدعم الغربي.
وهذه ليست، في تقديري، مشكلة نقص في المعلومات، وإنما مشكلة انحياز في اختيار مصادر المعرفة. فالصحافة الأوروبية تقرأ روسيا، وكما فسرنا وعدنا وزدنا في هذه السطور، عبر كتابات المعارضة الروسية، بينما تقرأ أوكرانيا عبر الرواية الرسمية لكييف.. ولله في خلقه شؤون.
والنتيجة التي لدينا، أو لأكون أدق في التعبير، التي لدى المواطن الأوروبي، ليست توازنًا بين روايتين، وإنما اختلالًا مصنوعًا عن سبق إصرار وترصد في منهج التحليل نفسه.
وأنا هنا لا أقول، بحال من الأحوال، إن ذلك يعني التقليل من الضغوط التي تواجهها روسيا أو إنكار آثار الحرب عليها، وهذا ما أكرره في كل مقالاتي تقريبًا، بالتأكيد على أن العقوبات تركت آثارها فعلًا، وأن الطائرات المسيّرة وصلت إلى قلب مدن روسية رئيسية ورمزية، في مقدمتها موسكو وسانت بطرسبورغ، والجميع شاهد ويشاهد ذلك، والحياة اليومية تغيرت بصورة واضحة، وهذه حقيقة موضوعية.
لكن الموضوعية تقتضي الاعتراف بأن الضغوط لا تعمل في اتجاه واحد، وأن حرب الاستنزاف لا تنتج، ولن تنتج، منتصرًا سريعًا، وأن ما يجري هذه الأيام يفرض تكلفة تتراكم على الجميع بلا استثناء، أي ليس على روسيا أو أوكرانيا فقط، بل على أوروبا معهما، وبنسب متقاربة.
وللموضوعية، ومراعاة للحقيقة، لا بد من القول إن المجتمع الروسي ليس كما تصوره الدعاية الرسمية الروسية، التي تقدم صورة شبه كاملة عن التماسك والرضا، لكنه أيضًا ليس كما تصوره بعض أدبيات المعارضة غير الموضوعية، التي توحي بأن الغضب الكامن يكفي، وحده، لإحداث تغيير سياسي.
والحقيقة، حسب رأيي الشخصي، الذي لا أفرضه على أحد، وكما يحدث غالبًا، تقع في المساحة الفاصلة بين الروايتين، وفيها يجب أن نبحث عنها ونتلمسها إذا كنا نرغب فعلًا في فهم الواقع كما هو، لنتصرف بناءً على ما يخبرنا به.
وبناءً على ما ذكرته أعلاه، فإن أكبر خطأ ارتكبته بعض دوائر التحليل الأوروبية خلال هذه الحرب كان سببه إفراطها في الثقة بنوع واحد من المصادر، وتحويله إلى مرجع شبه حصري لفهم مجتمع شديد التعقيد، بينما المعلومات متاحة، والسفارات الأوروبية موجودة في موسكو، وقنصلياتها موجودة في مختلف مدن روسيا، ولم يغلقها الكرملين، ولم يسارع بوتين، وللأمانة نقول ذلك، إلى تقليص العلاقات الدبلوماسية مع الأوروبيين، على الرغم مما يقومون به. ولذلك، فمشكلتهم ليست في نقص المعلومات عن روسيا، وإنما في الانحياز الواضح لرواية تلبي الرغبات والأحلام، حتى لو كانت واهية.
يقول الواقع الموضوعي، والممارسة المهنية، إن تحليل الدول لا ينبغي أن يُبنى على أصوات المعارضة وحدها، كما لا يُبنى على بيانات الحكومات وحدها، وإنما على الجمع بين استطلاعات الرأي، والمؤشرات الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وأداء مؤسسات الدولة، والسلوك الفعلي للمجتمع، والقرارات السياسية، وسلوك مؤسسات الحكم، والحكم عليها بموضوعية، وليس على السلوك الذي يتوقعه المحلل أو يتمناه.
وأعود وأقول، وأكرر، إنه بعد أربع سنوات ونصف من الحرب، لم تعد المشكلة نقصًا في المعلومات عن روسيا بأي حال، فالمعلومات متوافرة ومتاحة فعلًا، وأكثر بكثير من أي وقت مضى.
لكن المشكلة الحقيقية تكمن، يا أيها القارئ الكريم، في طريقة إنتاج المعرفة من هذه المعلومات. وحين تتحول رواية واحدة إلى العدسة الأساسية التي يُقرأ من خلالها مجتمع يزيد عدد سكانه على 145 مليون نسمة، يصبح الانحياز في التحليل أمرًا متوقعًا.
ومما لا شك فيه أن وظيفة الباحث ليست أن يصدق السلطة، ولا أن يصدق المعارضة، وإنما أن يختبر الروايتين معًا، ويمتحنهما أمام الوقائع، وما يقوله الواقع، بموضوعية.
لكن حين تصبح إحدى الروايتين المصدر شبه الوحيد لفهم دولة بحجم روسيا، فإن الخطأ لا يعود في المعلومات، بل في المنهج نفسه. والتاريخ يعلمنا أن السياسات التي تُبنى على قراءة ناقصة للخصم تنتهي، غالبًا، وبشكل حتمي تقريبًا، إلى استنتاجات خاطئة، وقرارات مشوهة، ونتائج ناقصة.
ومن يريد أن يبني سياسة واقعية تجاه موسكو، عليه أولًا أن يفهم روسيا كما هي، لا كما يتمنى، في خياله وفي رأسه، أن تكون.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير