مقالات المركز

الصراع الروسي الأوكراني… حرب استنزاف تتوسع نحو العمق


  • 22 يوليو 2026

شارك الموضوع

دخل الصراع الروسي الأوكراني في يوليو/تموز 2026 مرحلة تتجاوز مفهوم الجبهة التقليدية. فلم تشهد خطوط القتال البرية تحولا حاسما يسمح لأي طرف بفرض شروطه، بينما اتسعت حرب الصواريخ والطائرات المسيرة لتشمل العواصم والموانئ ومنشآت الطاقة وشبكات النقل والمراكز الصناعية. ونتيجة لذلك، أصبح الصراع اختبارا لقدرة روسيا وأوكرانيا وحلفائهما على تحمل الاستنزاف البشري والمالي والتكنولوجي، وليس مجرد سباق للسيطرة على مدن أو مساحات جغرافية جديدة.

ميدانيا، لا تزال روسيا تسيطر على قرابة خمس الأراضي الأوكرانية، لكن حركة الجبهات خلال النصف الأول من عام 2026 اتسمت بتقدمات موضعية متبادلة، من دون اختراق استراتيجي واسع. وتظهر تقديرات المصادر المفتوحة أن القوات الروسية ركزت ضغطها على شمال مقاطعة سومي، ومحاور خاركيف وكوبيانسك، والاقترابات المؤدية إلى الحزام الدفاعي سلوفيانسك–كراماتورسك، بالتوازي مع القتال حول كونستانتينوفكا ودوبروبيليا. وقد سجلت القوات الروسية تقدما محدودا في بعض هذه المحاور، بينما استعادت القوات الأوكرانية مواقع ومساحات في قطاعات أخرى، بما يؤكد أن المبادرة التكتيكية لا تزال متحركة، وليست حكرا على طرف واحد. وتشير تقديرات معهد دراسة الحرب إلى تقدم روسي حديث في شمال سومي، لكن سرعة التقدم الروسي خلال عام 2026 بقيت أقل من المستويات المسجلة في عام 2025.

يتمثل المنطق العملياتي الروسي في الضغط المتزامن على عدة محاور لإجبار القيادة الأوكرانية على توزيع الاحتياطيات، ومنعها من تشكيل قوة كافية لشن هجوم مضاد كبير. ولا يبدو أن موسكو تراهن حاليا على عملية خاطفة، بل على تآكل الوحدات الأوكرانية واستنزاف طرق إمدادها بواسطة الطائرات المسيرة والقنابل الانزلاقية والمدفعية. وفي المقابل، تعتمد كييف بصورة متزايدة على الطائرات المسيرة متوسطة المدى لضرب المواصلات والمخازن ومراكز القيادة خلف الجبهة. وقد أصبحت شبكات الاتصالات الفضائية، ومنها “ستارلينك”، عنصرا مركزيا في توجيه هذه الضربات، بينما تعمل القوات الروسية على التشويش عليها وتطوير وسائل التمويه والحرب الإلكترونية، وفق تحقيق ميداني نشرته وكالة رويترز.

لكن التطور الأهم يتمثل في انتقال مركز الثقل، جزئيا، من الجبهة إلى العمق. ففي 19 يوليو/تموز، نفذت روسيا واحدة من أكبر هجماتها الباليستية على كييف ومدن أوكرانية أخرى. وقالت السلطات الأوكرانية إن الهجوم شمل نحو أربعين صاروخا باليستيا وفرط صوتي، و125 طائرة مسيرة، وإن الدفاعات الجوية أسقطت 18 صاروخا و108 طائرات مسيرة. كما سجلت خسائر بشرية وأضرارا في مبان سكنية ومنشآت مدنية. وقالت موسكو إن أهدافها كانت منشآت عسكرية ومراكز لإنتاج مكونات الصواريخ والطائرات المسيرة، لكن نتائج الضربات التي ظهرت في المناطق المدنية تجعل من الضروري التمييز بين الهدف الذي تعلنه روسيا والآثار الفعلية للهجوم. ولا تتوافر حتى الآن معلومات مستقلة كاملة تسمح بتحديد طبيعة جميع المواقع المستهدفة.

جاء الرد الأوكراني، في ليلة 20 يوليو/تموز، بهجوم واسع على موسكو ومقاطعتها. وبحسب المسؤولين الروس، شاركت فيه أكثر من 400 طائرة مسيرة. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية اعتراض 381 منها فوق مناطق روسية والبحرين الأسود وآزوف، بينما أصيب عشرة أشخاص واندلعت حرائق في منشآت صناعية ولوجستية. وأكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن العملية استهدفت منشآت لوجستية ومستودعا نفطيا، بما يجعل أصل الهجوم والأهداف العامة المعلنة أمرا مؤكدا، بينما تبقى أرقام الاعتراض والتقييم الدقيق للأضرار جزءا من البيانات الروسية التي يصعب التحقق منها بالكامل بصورة مستقلة. وقد وثقت وكالة رويترز نطاق الهجوم والخسائر التي أعلنتها السلطات المحلية.

تمثل الضربات الأوكرانية على المصافي ومستودعات الوقود والموانئ والناقلات تحولا استراتيجيا، لأنها تستهدف الحلقة التي تربط الاقتصاد الروسي بالمجهود الحربي. فقد اضطرت موسكو إلى فرض قيود على صادرات الديزل والملاحة في مناطق من بحر آزوف، بينما تأثر تكرير النفط وارتفعت تكاليف الوقود والنقل في بعض الأقاليم. ومن وجهة النظر الروسية، لا يمكن فصل هذه العمليات عن الدعم الغربي في مجالات الاستطلاع الفضائي والاتصالات والمعلومات الاستخباراتية. غير أن حجم مشاركة المؤسسات الغربية في اختيار كل هدف يظل سريا، ولذلك لا يصح تقديم جميع الضربات بوصفها عمليات غربية مباشرة. والثابت هو وجود بنية واسعة من التدريب والاتصالات والاستطلاع وتبادل المعلومات، أما الادعاء بأن كل ضربة تنفذ بتوجيه غربي تفصيلي، فيبقى جزءا من الرواية الروسية ما لم تظهر أدلة محددة.

اتخذ الدعم الغربي في عام 2026 طابعا مؤسسيا طويل المدى. ففي قمة أنقرة، تعهد أعضاء الناتو بتقديم 70 مليار يورو من المعدات والمساعدات والتدريب لأوكرانيا خلال عام 2026، مع الالتزام بالحفاظ على مستوى مماثل، على الأقل، في عام 2027، وفقا للبيانات الرسمية للحلف. كما خصص الاتحاد الأوروبي حزمة بقيمة 90 مليار يورو، يوجه جزء كبير منها إلى المشتريات العسكرية. ووقعت كييف وباريس ترتيبات لشراء مقاتلات “رافال” ومنظومات SAMP/T-NG، وإنتاج صواريخ اعتراضية وذخائر موجهة بتراخيص غربية داخل أوكرانيا. كذلك أبرم الاتحاد الأوروبي شراكة مع الصناعات الأوكرانية لتوسيع إنتاج الطائرات المسيرة في مواقع أوكرانية وأوروبية أكثر أمنا.

تنظر موسكو إلى هذه التحولات باعتبارها انتقالا من مساعدة دولة متحاربة إلى دمج أوكرانيا تدريجيا في المنظومة العسكرية والصناعية الغربية. ووفق المنظور الروسي، تسعى الولايات المتحدة إلى استنزاف القوة الروسية، ومنع تشكل محور اقتصادي روسي–أوروبي مستقل، وتجديد الوظيفة السياسية لحلف الناتو، بينما تريد قوى أوروبية تحويل أوكرانيا إلى حاجز عسكري ومنصة استطلاع وضرب متقدمة. وهذه قراءة روسية، وليست حقيقة مثبتة بشأن النيات الغربية. فالخطاب الرسمي الغربي يؤكد أن الهدف هو تمكين أوكرانيا من الدفاع عن سيادتها ومنع تكرار الهجوم الروسي. ومع ذلك، فإن التوسع في الإنتاج المشترك والتدريب والتخطيط لضمانات ما بعد الحرب يمنح المخاوف الروسية أساسا ماديا، حتى لو اختلف تفسيره السياسي.

تستند الرؤية الروسية إلى خلفية تاريخية تبدأ بتوسع حلف الناتو شرقا بعد الحرب الباردة، وقرار قمة بوخارست عام 2008 الذي فتح الباب، نظريا، أمام عضوية أوكرانيا، ثم أزمة عام 2014 وفشل اتفاقات مينسك. وترى موسكو أن الغرب استخدم الفترة اللاحقة لتسليح أوكرانيا وتحويلها إلى قاعدة ضغط على الحدود الروسية. وفي المقابل، تعتبر الدول الغربية وأوكرانيا أن الانضمام إلى التحالفات حق سيادي، وأن موسكو استخدمت القوة لمنع دولة مجاورة من اختيار توجهها. ومن ثم، فإن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بالأراضي، بل بتعارض مفهومين للنظام الأوروبي: مفهوم روسي يقوم على مناطق أمن ومصالح للقوى الكبرى، ومفهوم غربي معلن يقوم على حرية الدول في اختيار تحالفاتها.

دبلوماسيا، جرت ثلاث جولات في إسطنبول خلال عام 2025، ثم جولتان في أبوظبي وجولة في جنيف مطلع عام 2026، لكنها لم تنتج تسوية سياسية. وفي 16 يوليو/تموز، قال الكرملين إنه لا يرى أفقا فوريا لاستئناف المفاوضات، مع تأكيد بقائه منفتحا عليها. وتطالب كييف بوقف إطلاق النار أولا، بينما تقول موسكو إن الهدنة المؤقتة ستمنح أوكرانيا وقتا لإعادة التنظيم والتسلح، وتصر على اتفاق يعالج ما تسميه الأسباب الجذرية للصراع. وتشمل المواقف الروسية المعلنة حياد أوكرانيا، وعدم انضمامها إلى حلف الناتو، وفرض قيود على بنيتها العسكرية، وتسوية وضع الأراضي التي ضمتها روسيا، ومنع وجود قواعد أو قوات غربية. وترفض كييف هذه الشروط، لأنها تعني تنازلات إقليمية وتقييدا دائما لسيادتها.

تعتبر موسكو استبعادها من صياغة الضمانات الأمنية لأوكرانيا تناقضا أساسيا، لأن ضمان أمن طرف من خلال ترتيبات تراها روسيا مهددة لأمنها سيعيد إنتاج الصراع. وقد رفضت وزارة الخارجية الروسية خطة نشر قوة متعددة الجنسيات تابعة لما يسمى “تحالف الراغبين” بعد وقف القتال، واعتبرت هذه القوات أهدافا عسكرية مشروعة. أما الدول المشاركة، فتقدم القوة المقترحة بوصفها وسيلة لردع هجوم جديد ومساعدة الجيش الأوكراني على التعافي. لذلك يمثل الوجود العسكري الغربي المباشر، حتى بعد اتفاق سلام، أحد أوضح الخطوط الحمراء الروسية.

في المجال النووي، يجب التمييز بين الوصف السياسي للصراع بوصفه تهديدا وجوديا، وبين الشروط القانونية لاستخدام السلاح النووي. فقد وسعت العقيدة الروسية المحدثة في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 نطاق الردع، واعتبرت أن العدوان الذي تنفذه دولة غير نووية بدعم من دولة نووية يعد هجوما مشتركا. كما أجازت النظر في استخدام السلاح النووي عند تلقي معلومات موثوقة عن هجوم واسع بالصواريخ أو الطائرات أو الطائرات المسيرة، أو عند تعرض روسيا أو بيلاروس لعدوان تقليدي يخلق تهديدا حرجا للسيادة أو سلامة الأراضي، إضافة إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل أو استهداف منشآت تعطل قدرة الردع النووي. لكن ذلك لا يعني أن كل ضربة بعيدة المدى تؤدي تلقائيا إلى استخدام السلاح النووي. فالقرار في النهاية سياسي، والعقيدة توفر خيارات للردع وإدارة التصعيد أكثر مما تضع آلية أوتوماتيكية للحرب النووية. ويمكن الرجوع إلى النص الرسمي في وثيقة الكرملين.

اقتصاديا، أثبتت روسيا قدرة أكبر مما توقعته الحكومات الغربية على امتصاص العقوبات، بفضل إعادة توجيه التجارة والطاقة نحو آسيا، والرقابة المالية، والإنفاق الحكومي، والصناعات الدفاعية. لكن الصمود لا يعني غياب التكاليف. فقد رفعت العقوبات كلفة التكنولوجيا والتمويل واللوجستيات، بينما فاقمت الحرب نقص العمالة والتضخم والاختلال بين القطاعات العسكرية والمدنية. ويتوقع صندوق النقد الدولي نموا للاقتصاد الروسي بنحو 1.1 في المئة خلال عام 2026، في حين بلغ العجز الفدرالي 5.73 تريليون روبل، أي ما يعادل 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، خلال النصف الأول من العام، وفقا لبيانات نقلتها وكالة رويترز. وتستطيع موسكو تمويل الحرب في المدى القريب، لكن استمرارها لسنوات سيزيد الضغوط على الاستثمار والخدمات والبنية التحتية المدنية.

عسكريا، تحتفظ روسيا بقاعدة إنتاجية كبيرة للصواريخ والذخائر والطائرات المسيرة، وبقدرة على تعويض نسبة مهمة من خسائرها عبر المتعاقدين والحوافز المالية. غير أن عدد الموقعين على عقود الخدمة انخفض من نحو 450 ألفا في عام 2024 إلى أكثر من 422 ألفا في عام 2025. وتحدثت تقارير روسية مستقلة عن تراجع إضافي خلال عام 2026، واحتمال مناقشة تعبئة جديدة، لكن لم يصدر قرار رسمي يؤكد ذلك. لذلك يبقى السيناريو الأرجح هو استمرار التجنيد المالي وتوسيع وحدات الطائرات المسيرة، قبل اللجوء إلى تعبئة شاملة تحمل تكاليف اجتماعية وسياسية مرتفعة.

وتواجه أوكرانيا قيودا أشد في القوى البشرية، نتيجة الخسائر وطول مدة الخدمة وتراجع التطوع ومشكلات الغياب من الوحدات. وفي الوقت نفسه، تعتمد ماليتها العامة بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي. وقدرت وزارة الدفاع الأوكرانية احتياجات الدفاع لعام 2026 بنحو 136 مليار يورو، مقابل قدرة الموازنة على تغطية نحو 53 مليار يورو فقط. وتمتلك أوكرانيا صناعة طائرات مسيرة مرنة وخبرة تقنية متقدمة، لكنها تعاني نقصا حادا في صواريخ “باتريوت” الاعتراضية، بينما قد يستغرق بدء إنتاجها محليا عاما أو أكثر. وهذا يمنح روسيا أفضلية مؤقتة في الضغط بالصواريخ الباليستية، لكنه لا يضمن انهيار الدفاع الأوكراني ما دام التمويل الأوروبي مستمرا.

الاستنتاجات

المسار الأكثر ترجيحا خلال الأشهر المقبلة هو استمرار حرب الاستنزاف، مع تصاعد الضربات على العمق ومنشآت الطاقة والموانئ، من دون حسم بري سريع. وستواصل روسيا الضغط على الحزام الدفاعي في دونيتسك ومحاور سومي وخاركيف، بينما ستحاول أوكرانيا تعويض ضعفها البشري بضرب اللوجستيات والطاقة داخل روسيا، وتوسيع الاعتماد على الطائرات المسيرة.

وتبقى التسوية الشاملة بعيدة، بسبب التناقض حول الأراضي وعضوية حلف الناتو والقوات الغربية والضمانات الأمنية. وقد يصبح التوصل إلى وقف محدود لاستهداف منشآت الطاقة أو الملاحة ممكنا، لكن هدنة واسعة ستظل هشة ما لم تقترن بآلية رقابة وضمانات مقبولة من موسكو وكييف.

ويحتفظ الموقف الروسي بقدرة كبيرة على الاستمرار، لكنه ليس بلا حدود. وستتوقف موازين القوى على ثلاثة عوامل حاسمة: قدرة روسيا على الحفاظ على التجنيد والإنتاج العسكري من دون تعبئة جديدة، وقدرة أوروبا على تنفيذ تعهداتها المالية والصناعية، وقدرة أوكرانيا على معالجة أزمة القوى البشرية والدفاع الجوي. أما العامل الذي قد يدفع الطرفين نحو التفاوض، فلن يكون الإنهاك وحده، بل اقتناع متبادل بأن كلفة تحسين المواقع عسكريا أصبحت أعلى من المكاسب التي يمكن تثبيتها سياسيا.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع