
كشفت التطورات التي شهدها كل من العمق الروسي ومضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة عن تحول جديد في طبيعة إدارة الصراعات الدولية. فلم تعد بؤر التصعيد تتحرك بصورة منفصلة، ولم يعد تأثير كل أزمة يتوقف عند حدود أطرافها المباشرة، وإنما أصبحت الأزمات أكثر اتصالًا بعضها ببعض من خلال الموارد العسكرية، والطاقة، والتحالفات، والممرات الاستراتيجية.
عند وصول الطائرات المسيّرة الأوكرانية إلى مصفاة أومسك في سيبيريا، على بعد نحو 2700 كيلومتر من الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا، تعرضت كييف ومدن أوكرانية أخرى لهجمات روسية واسعة كشفت استمرار أزمة الدفاعات الجوية الأوكرانية. وبالتوازي، تعرضت سفن تجارية لهجمات جديدة قرب مضيق هرمز، ثم ردت الولايات المتحدة بضربات ضد أهداف إيرانية، قبل أن تعلن انتهاء وقف إطلاق النار السابق مع استمرار الاتصالات السياسية. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، التي أعادت طرح مسألة توزيع الأعباء والموارد بين دعم أوكرانيا والتعامل مع التصعيد في الشرق الأوسط.
وتكمن أهمية هذا التزامن في وقوع أزمات متعددة في وقت واحد، لأن النظام الدولي عرف دائمًا بتعدد الأزمات، غير أن الجديد يتمثل في أن كل جبهة أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في قدرة القوى الكبرى على إدارة الجبهات الأخرى. لذلك يمكن القول إن النظام الدولي يتحول تدريجيًا من مرحلة “إدارة التصعيد” إلى مرحلة أكثر تعقيدًا يمكن وصفها بـ”التصعيد المتصل”، حيث لا تعيد الأزمة في ساحة معينة تشكيل حسابات أطرافها فقط، وإنما تعيد أيضًا توزيع الانتباه والموارد والضغط السياسي في ساحات أخرى.
ظهرت الضربات الأوكرانية ضد المصافي ومنشآت الطاقة الروسية بوصفها محاولة لنقل جزء من كلفة الحرب من الجبهة إلى الداخل، من خلال استهداف البنية الاقتصادية واللوجستية التي تسمح لموسكو بمواصلة العمليات العسكرية. وكشفت ضربة مصفاة أومسك في 6 يوليو (تموز) 2026 عن تطور يتجاوز مجرد استمرار هذه الاستراتيجية، إذ استهدفت أوكرانيا أكبر مصفاة نفط روسية في عمق سيبيريا، في واحدة من أبعد الضربات التي نُفذت منذ بداية الحرب.
وتقع المصفاة على مسافة تقارب 2700 كيلومتر من الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا، وتبلغ طاقتها السنوية نحو 22 مليون طن من النفط. وقد أكدت السلطات الروسية المحلية وقوع الهجوم وعدم تسجيل إصابات بين العاملين، لكن مصادر في قطاع الطاقة أفادت لاحقًا بتوقف عمليات المعالجة بعد تضرر وحدات وشبكات تشغيلية رئيسية. كما توقفت المصفاة مؤقتًا عن بيع البنزين والديزل في بورصة سان بطرسبورغ للسلع، وهو ما نقل أثر الضربة من المستوى الرمزي إلى مستوى اقتصادي وتشغيلي مباشر.
وتكمن أهمية ضربة أومسك في أنها وسعت مفهوم “العمق المستهدف” إلى مساحات كانت تعتمد في أمنها بدرجة كبيرة على بعدها الجغرافي عن الجبهة. لذلك لم يعد السؤال يتعلق فقط بقدرة أوكرانيا على ضرب أهداف داخل روسيا، وإنما بمدى استمرار صلاحية المسافة الجغرافية بوصفها عنصرًا من عناصر الحماية الاستراتيجية.
فروسيا تمتلك واحدة من أكبر المساحات الجغرافية في العالم، وقد مثل العمق تاريخيًا عنصرًا مهمًا في قدرتها على امتصاص الضغوط العسكرية. لكن تطور تقنيات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى بدأ يعيد تعريف العلاقة بين المسافة والأمن، حيث لم تعد المنشآت الموجودة خلف خطوط القتال بآلاف الكيلومترات خارج نطاق التأثير.
ويظهر هنا تحول مهم في طبيعة الحرب الروسية-الأوكرانية. فكييف لا تحاول فقط تعويض صعوبة تحقيق اختراق ميداني سريع في الشرق، وإنما تسعى إلى إعادة توزيع كلفة الحرب جغرافيًا، بحيث لا تبقى الجبهة هي المكان الوحيد الذي تشعر فيه روسيا بالضغط.
ويعني ذلك أن الحرب تتحول من صراع على السيطرة على الأرض إلى صراع حول القدرة على حماية الشبكات الممتدة خلفها، أي المصافي، والموانئ، وخطوط النقل، ومراكز الطاقة، ومنشآت الإنتاج العسكري. وهذا ما يمكن وصفه بـ”انكشاف العمق الاستراتيجي”، حيث لا تختفي أهمية الجغرافيا، وإنما تتغير وظيفتها. فالمساحة الواسعة التي كانت تمنح الدولة قدرة أكبر على امتصاص الهجمات قد تتحول في الوقت نفسه إلى عبء دفاعي، لأنها تفرض حماية عدد أكبر من المنشآت والبنى التحتية على مساحات يصعب تأمينها بصورة كاملة.
وقد امتد الاستهداف الأوكراني خلال الأيام التالية إلى شبكات نقل الطاقة الروسية، حيث أعلنت أوكرانيا في 16 يوليو (تموز) استهداف ناقلتين من ناقلات ما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي باستخدام طائرات مسيّرة بحرية في البحر الأسود. ويكشف ذلك أن أهداف كييف لم تعد تقتصر على المصافي داخل الأراضي الروسية، وإنما امتدت إلى السفن والخطوط التي تستخدمها موسكو في نقل النفط وتجاوز القيود المفروضة على صادراتها. لكن انكشاف العمق الروسي لا يعني تغيرًا حاسمًا في ميزان الحرب، فبالتزامن مع وصول الضربات الأوكرانية إلى المصافي والناقلات، واصلت روسيا هجماتها الواسعة على المدن والموانئ الأوكرانية.
وفي 16 يوليو (تموز)، تعرضت كييف لهجمات بصواريخ باليستية أدت إلى مقتل شخصين وإصابة عدد آخر، كما استهدفت روسيا منشآت عسكرية وصناعية في العاصمة، إلى جانب بنية تحتية في ميناءي أوديسا وبيفديني، قالت موسكو إنها تستخدم لاستقبال الوقود والمعدات العسكرية وتخزينها.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في الحرب الحالية. فقد أصبحت أوكرانيا أكثر قدرة على الوصول إلى العمق الروسي، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت أكثر قدرة على حماية عمقها الداخلي. وفي المقابل، تتعرض المنشآت الاقتصادية الروسية لضغط متزايد، من دون أن يعني ذلك فقدان موسكو قدرتها على مواصلة الضغط العسكري.
لذلك لا يبدو أن الحرب تتجه نحو حسم سريع لمصلحة أحد الطرفين، وإنما نحو توسيع متبادل لنطاق الكلفة. فروسيا تسعى إلى زيادة كلفة بقاء الدولة الأوكرانية في الحرب من خلال الضغط على المدن والبنية التحتية والدفاعات الجوية والموانئ، بينما تسعى أوكرانيا إلى زيادة كلفة استمرار روسيا في الحرب من خلال استهداف الطاقة والإنتاج والخطوط الخلفية ووسائل نقل النفط.
كما لم تعد العلاقة بين الطرفين قائمة فقط على سؤال: من يسيطر على مساحة أكبر من الأرض؟ وإنما أصبحت ترتبط بسؤال آخر: من يستطيع حماية المساحات والشبكات التي تسمح له بالاستمرار؟
كشفت تطورات مضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة عن تحول موازٍ. فقد كانت الأزمة خلال الأسابيع الماضية تتحرك داخل إطار يجمع بين الضغط والتفاوض، وجرى النظر إلى عودة جزء من حركة السفن وتوقيع مذكرة تفاهم مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران باعتبارهما مؤشرًا على قدرة الطرفين على احتواء المواجهة، حتى إذا لم يتوصلا إلى تسوية شاملة. لكن هذه التهدئة لم تستمر، إذ تجددت الهجمات على السفن التجارية، وأعلن الرئيس الأمريكي انتهاء وقف إطلاق النار السابق، بينما أعلنت إيران في 11 يوليو (تموز) إغلاق مضيق هرمز مجددًا بعد انهيار التهدئة وعودة الضربات المتبادلة. كما أعادت الولايات المتحدة فرض الحصار البحري على الموانئ والساحل الإيراني ابتداءً من 14 يوليو (تموز)، وقالت إن الهدف من ذلك هو ضمان إعادة فتح المضيق أمام الملاحة. واستهدفت الضربات الأمريكية الدفاعات الساحلية ومواقع الصواريخ الإيرانية، في حين ردت إيران بهجمات على منشآت وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة.
وبحلول 16 يوليو (تموز)، كانت الولايات المتحدة قد نفذت ليلة خامسة من الضربات على إيران، بينما وصفت طهران مضيق هرمز بأنه “خط أحمر”، وأكدت أنها ما زالت تمتلك القدرة على السيطرة عليه من خلال مواقعها الساحلية والجزر والقوات المنتشرة على امتداد المنطقة.
ولم تعد المشكلة تتعلق بفتح المضيق أو إغلاقه بصورة كاملة فقط، وإنما أصبحت تتعلق بمن يملك القدرة على تعريف شروط استخدامه، ومن يملك الحق في السماح للسفن بالعبور أو منعها، وما إذا كانت الحركة داخله ستخضع للقواعد الدولية أم لشروط تفرضها إحدى القوى الموجودة على ضفتيه. فإيران لم تعد تستخدم المضيق فقط بوصفه تهديدًا يمكن تفعيله عند الحاجة، وإنما تحاول تثبيت دورها في إدارة حركة السفن داخله، وربط إعادة فتحه بتنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها في يونيو (حزيران)، وقبول ما تصفه بالقواعد الإيرانية المنظمة للمرور.
كما تطالب الولايات المتحدة بفتح جميع ممرات المضيق أمام السفن، ووقف الهجمات عليها، وعدم فرض رسوم أو شروط إيرانية على عبورها. كذلك رفضت المنظمة البحرية الدولية فرض أي رسوم إلزامية على السفن التي تستخدم المضائق الدولية، مؤكدة عدم وجود أساس قانوني لذلك. وهنا تنتقل المعادلة من السيطرة على المضيق إلى الصراع على قواعد استخدامه. وهذا تحول بالغ الأهمية، لأن القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على منع السفن من المرور، وإنما تُقاس أيضًا بالقدرة على زيادة كلفة العبور، ورفع مخاطر التأمين، والتأثير في اختيار المسارات، وإجبار القوى الأخرى على التفاوض حول ترتيبات الملاحة.
لذلك يتحول مضيق هرمز من ممر يجري الصراع حول إغلاقه أو فتحه إلى مساحة يجري الصراع داخلها حول من يملك القدرة على تعريف شروط الحركة، ومن يملك القدرة على تنفيذ هذه الشروط.
أدى انهيار التهدئة وتجدد الضربات إلى تغير واضح في حركة السفن وأسواق الطاقة. فبعد أن بدأت الملاحة في التعافي بصورة تدريجية خلال وقف إطلاق النار، انخفض عدد السفن التي عبرت المضيق في 15 يوليو (تموز) إلى تسع سفن فقط، مقارنة بثلاث عشرة سفينة في اليوم السابق. ولم تظهر بين السفن العابرة أي ناقلات نفط عملاقة أو ناقلات للغاز الطبيعي المسال، وهو ما يعكس استمرار تردد شركات الشحن والطاقة في إرسال سفنها عبر الممر، رغم عدم توقف حركة الملاحة بصورة كاملة. كما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية تعطيل ناقلة نفط فارغة كانت متجهة إلى جزيرة خرج الإيرانية بعد تجاهلها التحذيرات الأمريكية، بينما أعادت القوات الأمريكية توجيه سفن أخرى منذ بدء تنفيذ الحصار البحري.
وتكمن أهمية ذلك في أن إيران والولايات المتحدة لا تحتاجان إلى وقف جميع صادرات الخليج حتى يتحقق تأثير استراتيجي واسع. فمجرد انخفاض عدد السفن، وغياب الناقلات الكبرى، واستمرار احتمال تعرض السفن للاستهداف، يكفي لرفع المخاطر وتأخير قرارات الشحن ودفع الدول والشركات إلى إعادة حساب كلفة الطاقة. وقد ارتفعت أسعار النفط بصورة حادة بعد إعلان إعادة فرض الحصار الأمريكي، وسجل خام برنت أكبر زيادة يومية له منذ عدة أشهر، ثم ظل في 16 يوليو (تموز) قريبًا من أعلى مستوياته خلال شهر، متأثرًا باستمرار الضربات وانخفاض حركة السفن عبر المضيق.
وهذا ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد عدم اليقين”. فالتأثير لا ينتج فقط عن توقف الإمدادات الفعلي، وإنما ينتج أيضًا عن عدم قدرة الأسواق والشركات والدول على التأكد من استمرارها. وحينها تصبح المخاطرة نفسها موردًا سياسيًا يمكن توظيفه.
كما يؤدي استمرار اضطراب هرمز إلى دفع دول الخليج إلى زيادة الاعتماد على خطوط الأنابيب والموانئ التي تتجاوز المضيق، ويعيد فتح النقاش حول توسيع مسارات تصدير النفط إلى البحر الأحمر وبحر العرب. لذلك قد تؤدي محاولة استخدام هرمز بوصفه أداة ضغط إلى تسريع الاستثمارات التي تهدف إلى تقليل الاعتماد عليه على المدى الطويل، حتى إذا ظل، في الوقت الراهن، أهم ممر للطاقة في المنطقة.
لا يتمثل التطور الأكثر أهمية في الدونباس أو هرمز كل على حدة، وإنما في المكان الذي بدأت فيه الجبهتان تلتقيان سياسيًا واستراتيجيًا، وهو حلف شمال الأطلسي. فقد انعقدت قمة أنقرة يومي 7 و8 يوليو (تموز) في إطار النقاشات حول مستقبل الدعم العسكري لأوكرانيا، وزيادة القدرات الدفاعية الأوروبية، وتوزيع الأعباء بين الولايات المتحدة وحلفائها. وانتهت القمة إلى تعهد بتقديم نحو 70 مليار يورو من المساعدات العسكرية لأوكرانيا خلال عام 2026، مع الالتزام بتقديم مستوى مماثل على الأقل خلال عام 2027. كما جدد قادة الحلف التزامهم بمبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة، ووصفوا روسيا بأنها تمثل تهديدًا مستمرًا للأمن الأوروبي-الأطلسي.
ولم تتوقف القمة عند الحرب الروسية-الأوكرانية، وإنما تضمن بيانها أيضًا التأكيد على ضرورة عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، واحترام حرية الملاحة في مضيق هرمز.
وتكمن أهمية ذلك في أن الناتو وضع روسيا وإيران وأمن الملاحة داخل إطار استراتيجي واحد. وهذا لا يعني أن الحلف أصبح طرفًا مباشرًا في كل جبهة، وإنما يعكس إدراكًا بأن أمن أوروبا، والدفاع عن أوكرانيا، وأمن الطاقة والممرات البحرية، لم تعد ملفات يمكن فصلها بسهولة.
وقد أثبتت التطورات التي وقعت بعد القمة هذا الترابط بصورة أوضح. فعودة الضربات الأمريكية ضد إيران وإعادة فرض الحصار البحري تتطلب تخصيص قدرات جوية وبحرية ودفاعية إضافية للخليج، في الوقت الذي تحتاج فيه أوكرانيا إلى المزيد من منظومات الدفاع الجوي والذخائر والقدرات بعيدة المدى.
وكل مورد عسكري تستخدمه الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حسابات قدرتها على دعم أوروبا. وكل ضغط أمني جديد في الخليج يزيد المخاوف الأوروبية من تراجع التركيز الأمريكي على روسيا. وكل نقص أو تأخير في منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية يعيد طرح سؤال توزيع الموارد بين أكثر من مسرح.
لذلك فإن تعدد الجبهات لم يعد يمثل مشكلة عددية فقط، وإنما أصبح مشكلة في ترتيب الأولويات. وهذا ما يجعل “التصعيد المتصل” مختلفًا عن مجرد وجود عدة حروب في التوقيت ذاته.
ففي الأزمات المحدودة والمنفصلة تستطيع القوة الكبرى أن تخصص لكل أزمة مواردها وتحالفاتها وأدواتها. أما في التصعيد المتصل، فإن القرار الذي يُتخذ في جبهة يعيد تشكيل القدرة على اتخاذ القرار في جبهة أخرى.
لم تعد المشكلة الأساسية بالنسبة للولايات المتحدة هي احتمال خسارة إحدى الجبهات عسكريًا، وإنما يكمن جوهر المشكلة في ارتفاع كلفة الحفاظ على قدرتها على التأثير في جميع الجبهات. فواشنطن تريد ردع روسيا، وليس الدخول في حرب مباشرة معها، وتريد دعم أوكرانيا من دون تحمل الكلفة منفردة، وفتح مضيق هرمز من دون السماح لإيران بتحويله إلى أداة سيطرة دائمة، والحفاظ في الوقت نفسه على التزاماتها تجاه مناطق أخرى من النظام الدولي.
لكن التصعيد الأخير في الخليج جعل هذه المشكلة أكثر وضوحًا. فالولايات المتحدة لم تعد تدير الأزمة الإيرانية فقط من خلال العقوبات والوسطاء والتهديد باستخدام القوة، وإنما أصبحت تنفذ ضربات عسكرية متكررة، وتفرض حصارًا بحريًا، وتتحمل مسؤولية مباشرة عن ضمان حركة السفن. لذلك تتجه السياسة الأمريكية بصورة متزايدة من توزيع القوة إلى توزيع الأعباء. ويظهر ذلك في الضغط على أوروبا لزيادة إنفاقها الدفاعي، وفي الدفع نحو تحمل الحلفاء مسؤولية أكبر عن أمنهم، وفي مطالبة دول الخليج بالمشاركة في حماية الممرات البحرية والبنية التحتية للطاقة.
ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع النفوذ الأمريكي، وإنما يعكس محاولة لإعادة تنظيمه بطريقة تقلل كلفة القيادة. غير أن هذا النموذج يحمل مخاطرة أساسية، وهي أن توزيع الأعباء قد يؤدي تدريجيًا إلى توزيع القدرة على اتخاذ القرار أيضًا. فكلما أصبحت أوروبا أكثر اعتمادًا على قدراتها الدفاعية، ودول الخليج أكثر انخراطًا في ترتيبات أمن الممرات البحرية، والوسطاء الإقليميون أكثر تأثيرًا في إدارة المفاوضات، أصبحت الولايات المتحدة أقل قدرة على تحديد مسار الأزمات منفردة.
يوفر تعدد الجبهات الدولية بالنسبة إلى روسيا هامشًا سياسيًا مهمًا، لأن انشغال الولايات المتحدة بأزمات أخرى يقلل قدرتها على تركيز مواردها واهتمامها على الحرب الأوكرانية. ويمنح تجدد المواجهة الأمريكية-الإيرانية موسكو فرصة للتأكيد أن الولايات المتحدة لا تستطيع إدارة أكثر من أزمة كبرى من دون أن تواجه ضغوطًا على الموارد والتحالفات. كما يمنح روسيا مساحة سياسية للتقارب مع إيران، ولانتقاد الحصار الأمريكي والضربات التي تستهدف الأراضي الإيرانية.
لكن ضربة أومسك واستهداف ناقلات النفط الروسية يكشفان أيضًا حدود هذه الاستفادة. فموسكو قد تستفيد سياسيًا من انشغال واشنطن في الخليج، لكنها تواجه في الداخل حربًا أصبحت قادرة على الوصول إلى مناطق أعمق واستهداف منشآت وشبكات كانت بعيدة عن نطاق العمليات المباشرة.
ويظهر هنا التناقض الجديد في الوضع الروسي:
كما تثبت الضربات الروسية على كييف وأوديسا أن موسكو لم تفقد قدرتها على مواصلة الضغط العسكري، وأنها تحاول الرد على استهداف الطاقة الروسية من خلال ضرب مراكز إنتاج الطائرات المسيّرة، والموانئ، ومستودعات الوقود الأوكرانية. لذلك لا تبدو روسيا مستفيدة بالكامل من “التصعيد المتصل”، وإنما تحاول توظيفه خارجيًا مع احتواء تكلفته داخليًا.
تبدو إيران أكثر الأطراف سعيًا إلى تحويل الأزمة الحالية من حدث مؤقت إلى ترتيب سياسي طويل الأمد. فالقيمة الاستراتيجية لمضيق هرمز لا تتعلق فقط بقدرة طهران على تعطيل الملاحة وقت الحرب، وإنما بقدرتها على جعل موقعها الجغرافي عنصرًا يجب أخذه في الاعتبار داخل أي نظام أمني إقليمي جديد.
وقد انتقلت إيران خلال الأيام الأخيرة من محاولة التأثير في قواعد الملاحة إلى إعلان المضيق “خطًا أحمر”، والتأكيد أنها صاحبة القدرة على السيطرة عليه. كما ربطت إعادة فتحه بتنفيذ مذكرة التفاهم المكونة من أربع عشرة نقطة التي تم التوصل إليها في يونيو (حزيران)، والالتزام بالقواعد الإيرانية المتعلقة بحركة السفن.
لذلك فإن المعركة الحقيقية بالنسبة إلى إيران لا تتعلق فقط برفع العقوبات أو الوصول إلى اتفاق حول برنامجها النووي، وإنما تتعلق بتثبيت حقيقة أن أمن الطاقة والملاحة في الخليج لا يمكن تنظيمه من دون وجودها.
غير أن الخطر بالنسبة إلى طهران يكمن في أن الانتقال من التهديد المحدود إلى الإغلاق الفعلي واستهداف السفن قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، من خلال توسيع التدخل العسكري الأمريكي، وزيادة التنسيق الأمني بين دول الخليج، وتسريع الاستثمارات في الطرق البديلة، وتشكيل ترتيبات دولية تهدف إلى تقليل قدرة إيران على التحكم في المضيق.
كما أن تهديد إيران باستهداف البنية التحتية في دول الخليج إذا تعرضت منشآتها للهجوم يرفع خطر انتقال المواجهة من صراع أمريكي-إيراني إلى أزمة إقليمية تشمل منشآت الطاقة، والموانئ، والقواعد العسكرية في عدد من الدول. وقد تتسع الأزمة أكثر إذا انتقلت الضغوط إلى باب المندب والبحر الأحمر من خلال تحرك حلفاء إيران في اليمن، بما يضع اثنين من أهم ممرات الطاقة والتجارة العالمية تحت الضغط في وقت واحد.
لذلك تظل الاستراتيجية الإيرانية محكومة بمعادلة دقيقة: كيف يمكن الاحتفاظ بقيمة التهديد وتحويل الموقع الجغرافي إلى نفوذ سياسي، من دون أن يتحول استخدام هذا التهديد إلى سبب لتشكيل نظام عسكري واقتصادي جديد يهدف إلى تحييده؟
يمكن القول إن التحول الأهم في المرحلة الحالية لا يتمثل فقط في ارتفاع مستوى العنف، وإنما في تغير العلاقة بين بؤر الصراع.
فالدونباس لم يعد منفصلًا عن أزمة ضرب العمق الروسي، واستهداف المصافي لم يعد منفصلًا عن حركة ناقلات النفط وأسعار الوقود، وأمن هرمز لم يعد مجرد ملف أمريكي-إيراني، وإنما أصبح جزءًا من حسابات الطاقة، والتحالفات، وإعادة توزيع القوات والذخائر الأمريكية.
كما أن قمة أنقرة لم تعد مرتبطة فقط بمستقبل أوكرانيا، وإنما أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول قدرة التحالف الغربي على التعامل مع روسيا وإيران، وحماية الممرات البحرية في وقت واحد.
وهنا يتحول النظام الدولي من إدارة كل أزمة داخل حدودها إلى إدارة الروابط بين الأزمات، وهذا هو جوهر “التصعيد المتصل”.
فالقوى الكبرى قد تنجح في منع حرب شاملة داخل جبهة معينة، لكنها قد تفشل في منع انتقال آثار هذه الجبهة إلى غيرها. وقد تنجح في خفض التوتر عسكريًا، لكنها تواجه ارتفاعًا في الكلفة الاقتصادية. وقد تعيد فتح ممر بحري، لكنها لا تستطيع استعادة الثقة الكاملة في أمنه. وقد تزيد دعم حليف، لكنها تفعل ذلك على حساب موارد تحتاج إليها في ساحة أخرى.
لذلك فإن القوة في المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بحجم الجيوش أو القدرة على توجيه الضربات، وإنما بالقدرة على إدارة الترابط بين الجبهات، من دون أن تؤدي أزمة واحدة إلى إضعاف الموقف في بقية الأزمات.
السيناريو الأول: استمرار التصعيد المتصل دون الوصول إلى حرب إقليمية شاملة
يستمر تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران، مع بقاء الحصار الأمريكي والقيود الإيرانية على حركة السفن، مع حرص الطرفين على تجنب استهداف المنشآت التي قد يؤدي تدميرها إلى حرب إقليمية لا يمكن السيطرة عليها. وفي الوقت نفسه، تستمر الملاحة عبر مضيق هرمز بأعداد محدودة وفي ظل مستويات مرتفعة من المخاطر، بينما تواصل أوكرانيا استهداف منشآت الطاقة وشبكات النقل الروسية، وتواصل موسكو الضغط على المدن والموانئ الأوكرانية.
ويمثل هذا السيناريو امتدادًا للوضع القائم، حيث تتصاعد العمليات العسكرية، لكنها تظل محكومة بمحاولة كل طرف رفع كلفة خصمه من دون الانتقال إلى مواجهة شاملة.
السيناريو الثاني: العودة إلى تفاهم مؤقت وإعادة فتح هرمز تدريجيًا
قد ينجح الوسطاء في إعادة الطرفين الأمريكي والإيراني إلى نسخة معدلة من مذكرة التفاهم السابقة، تتضمن ترتيبات واضحة لمرور السفن، ووقف استهدافها، وإعادة فتح المضيق بصورة تدريجية. وقد يسمح ذلك بتراجع أسعار الطاقة واستعادة جزء من حركة السفن، لكنه لن ينهي الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي، والعقوبات، والسيطرة على الممرات البحرية.
كما يسمح انخفاض الضغط في الخليج للولايات المتحدة بإعادة تنظيم مواردها، بينما تتحمل أوروبا جانبًا أكبر من دعم أوكرانيا، وفقًا لنتائج قمة أنقرة.
السيناريو الثالث: تحول الترابط بين الجبهات إلى “عدوى استراتيجية“
قد يؤدي انفجار أزمة واحدة إلى إضعاف القدرة على احتواء الأزمات الأخرى.
فقد يؤدي تصعيد أوسع في هرمز، أو استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، إلى إعادة توجيه المزيد من القوات والموارد الأمريكية من أوروبا، أو إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة يفرض ضغوطًا اقتصادية على الدول الغربية.
كما قد يؤدي انتقال التصعيد إلى باب المندب إلى وضع حركة التجارة والطاقة بين الخليج والبحر الأحمر تحت ضغط متزامن. وفي الوقت نفسه، قد تستغل روسيا انشغال واشنطن في الشرق الأوسط لزيادة الضغط على أوكرانيا، بينما توسع كييف هجماتها على منشآت الطاقة والنقل الروسية.
وتكمن خطورة هذا السيناريو في أنه لا يحتاج إلى وجود خطة موحدة لربط الجبهات بعضها ببعض، وإنما قد يحدث هذا الترابط نتيجة تراكم القرارات والضغوط وسوء التقدير بصورة لا يسيطر عليها طرف واحد.
ختامًا، تكشف التطورات الممتدة من أومسك والدونباس إلى كييف وأوديسا ومضيق هرمز وقمة أنقرة أن النظام الدولي لا يدخل فقط مرحلة تعدد الصراعات، وإنما يدخل مرحلة ترابط الصراعات. فالجغرافيا ما زالت أداة للقوة، لكن المسافات لم تعد توفر الحماية نفسها. والطاقة ما زالت ورقة ضغط، لكن تأثيرها لم يعد يتوقف عند الدول المنتجة فقط. والتحالفات ما زالت وسيلة لتجميع القوة، لكنها أصبحت أيضًا ساحة للخلاف حول من يتحمل كلفتها. كما أن الممرات البحرية لم تعد مجرد طرق لنقل التجارة والطاقة، وإنما أصبحت جزءًا من الصراع حول السلطة، والقواعد، والقدرة على فرض شروط الحركة.
لذلك فإن التحدي الأهم أمام القوى الكبرى خلال المرحلة المقبلة لن يكون منع جميع الأزمات، لأن ذلك يبدو أمرًا بالغ الصعوبة، وإنما منع انتقال الضغط من أزمة إلى أخرى بصورة تؤدي إلى اختلال القدرة على إدارتها. وقد لا يكون الطرف الأكثر قوة هو من يحقق أكبر عدد من المكاسب في جبهة واحدة، وإنما الطرف الأكثر قدرة على منع خسائره في جبهة من تقليص خياراته في الجبهات الأخرى. وهذا هو التحول الأكثر أهمية في النظام الدولي الراهن: الانتقال من إدارة التصعيد إلى إدارة الترابط بين ساحات الصراع.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير