إستراتيجيات عسكريةوحدة الدراسات الصينية

اتفاق أستراليا – فيجي الدفاعي.. مواجهة النفوذ الصيني


  • 13 يوليو 2026

شارك الموضوع

في السادس من يوليو (تموز) عام 2026، وقّع رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز ورئيس الوزراء الفيجي سيتيفيني رابوكا اتفاقية “تحالف سلام المحيط”، وهي معاهدة دفاعية متبادلة تمثل أول تحالف رسمي لفيجي على الإطلاق، والرابع لأستراليا بعد الولايات المتحدة ونيوزيلندا وبابوا غينيا الجديدة. وتتضمن الاتفاقية التزاماً متبادلاً بتقديم المساعدة في حال تعرض أي من الطرفين لهجوم مسلح، مع الاعتراف بأن مثل هذا الهجوم يهدد السلام والأمن الإقليميين في المحيط الهادئ، إلى جانب آليات للتشاور بشأن التهديدات الأمنية. وتبقى الاتفاقية مفتوحة لانضمام دول أخرى في المنطقة إذا أسهم انضمامها في تعزيز أهدافها. وقد جاءت هذه الخطوة مصحوبة باتفاقية “فوفالي يونيون” التي تشمل تعاوناً اقتصادياً وأمنياً ومناخياً، مع التزام أسترالي باستثمار مليار دولار أسترالي على مدى العقد المقبل.

تأتي هذه الاتفاقية في سياق توسع الصين في شراكاتها الاقتصادية وتعميق علاقاتها الأمنية في المحيط الهادئ، حيث سعت بكين منذ عام 2022 إلى تعزيز نفوذها عبر اتفاقيات أمنية، مثل الاتفاقية الموقعة مع جزر سليمان، ووجود عناصر من الشرطة الصينية في فيجي سابقاً، إضافة إلى مشروعات البنية التحتية ضمن مبادرة الحزام والطريق. وفي المقابل، ترى أستراليا نفسها في “حالة تنافس دائم” مع الصين في المنطقة، وتسعى من خلال سلسلة من الاتفاقيات الأمنية مع توفالو وفانواتو وبابوا غينيا الجديدة إلى ترسيخ مكانتها بوصفها الشريك الأمني المفضل لدول جزر المحيط الهادئ، خاصة أن المنطقة تمثل ممراً بحرياً حيوياً ومصدراً مهماً للموارد.

كانت العلاقات الأسترالية-الفيجية ترتكز على برامج المساعدات التنموية وتبادل الخبرات في مواجهة الكوارث الطبيعية ومكافحة الجريمة العابرة للحدود، دون أن تصل إلى مستوى الالتزامات الدفاعية الصريحة. أما الآن، فقد أضفت الاتفاقية بعداً أمنياً ملزماً يتجاوز الإطار الثنائي التقليدي، خاصة مع فتح الباب أمام انضمام دول أخرى في المنطقة، بما يشير إلى رغبة في بناء شبكة أوسع من الترتيبات العسكرية. ويعكس هذا التطور إدراكاً متزايداً للحاجة إلى تعزيز القدرات الردعية في مواجهة التهديدات الناشئة، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية، ويُعد مؤشراً على انتقال المنطقة من مرحلة التعاون المدني إلى مرحلة أكثر عسكرية في إدارة أمنها.

عززت أستراليا خلال السنوات الأخيرة شراكاتها الدفاعية مع عدد من دول جزر المحيط الهادئ، ويعكس الاتفاق مع فيجي تحولاً استراتيجياً نحو إعطاء الأولوية للترتيبات العسكرية بوصفها وسيلة للحفاظ على الاستقرار. ومع ذلك، لا يمكن فصل هذا التوجه عن الديناميكيات الجيوسياسية الأوسع التي تدفع القوى الإقليمية إلى إعادة صياغة سياساتها الأمنية، بما يجعل الاتفاقية جزءاً من اتجاه عام نحو عسكرة الخطاب والممارسات في المنطقة. ورغم أن الاتفاقية تتضمن جوانب غير عسكرية، مثل التعاون الاقتصادي والمناخي، فإن جوهرها يظل مرتبطاً بالالتزامات الدفاعية التي ترفع مستوى الجاهزية العسكرية والتنسيق الأمني. ويعزز هذا التركيز على الردع والتشاور في حالات التهديد الطابع العسكري للعلاقات، ويسهم في تشكيل بيئة إقليمية تتسم بتركيز أكبر على القوة الصلبة. وبالتالي، يعكس الاتفاق تحولاً حقيقياً نحو عسكرة متزايدة، وإن ظل هذا التحول في مراحله الأولى ويحتاج إلى وقت لتقييم آثاره بعيدة المدى على الاستقرار الإقليمي.

تاريخياً، نظرت أستراليا إلى جزر المحيط الهادئ باعتبارها مجال نفوذ طبيعي، مستندة إلى روابط تاريخية وجغرافية وثقافية عميقة. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعداً في النشاط الصيني، سواء عبر المبادرات الاقتصادية الكبرى التي شملت بناء الموانئ والطرق والبنية التحتية، أو من خلال اتفاقيات أمنية ثنائية مع بعض الدول الجزرية. وأثارت هذه التحركات الصينية، التي غالباً ما تُقدم تحت شعار التعاون الودي والاحترام المتبادل، قلقاً في كانبيرا بشأن احتمال تحول المنطقة إلى ساحة تنافس قد يؤثر على الاستقرار البحري والمصالح التجارية الأسترالية. وفي هذا السياق، يأتي الاتفاق مع فيجي خطوة استباقية تهدف إلى تعزيز الشراكات الأمنية التقليدية، بما يجعل أستراليا الشريك المفضل في مجالي الدفاع والأمن، ويحد من فرص توسع الشركاء المنافسين.

ويظهر الارتباط المباشر بين التحرك الأسترالي والنفوذ الصيني من خلال توقيت الاتفاق وطبيعته الهيكلية. فقد سبق الاتفاق سلسلة من الخطوات الصينية، شملت تعزيز التعاون الشرطي والأمني مع دول مثل جزر سليمان، إلى جانب استثمارات ضخمة أدت في بعض الحالات إلى تراكم الديون والتأثير في السياسات الداخلية. ودفعت هذه التطورات أستراليا إلى تبني نهج أكثر شمولاً يجمع بين الدعم الاقتصادي والالتزامات الدفاعية، كما هو الحال في الاتفاق مع فيجي، الذي يتضمن بنوداً للتشاور الأمني والمساعدة المتبادلة في حالات التهديد. ولا يبدو إدراج فيجي ضمن هذا الإطار أمراً عشوائياً، بل يعكس موقعها الاستراتيجي بوصفها مركزاً إقليمياً يحتضن مؤسسات، مثل منتدى جزر المحيط الهادئ، بما يجعل تعزيز العلاقات معها وسيلة فعالة لموازنة التأثيرات الخارجية.

ويرتبط الاتفاق أيضاً باستراتيجية أسترالية أوسع تهدف إلى بناء شبكة من الشراكات الدفاعية في المنطقة، تشمل اتفاقيات سابقة مع بابوا غينيا الجديدة وتوفالو وفانواتو. وتُظهر هذه التحركات نمطاً واضحاً من الاستجابة للتوسع الصيني، حيث تسعى كانبيرا إلى منع أي تحول نحو الاعتماد على شركاء أمنيين بديلين قد يؤدي إلى تغيير التوازنات الإقليمية. ويعزز الاتفاق مع فيجي، من خلال فتح الباب أمام انضمام دول أخرى، هذا النهج عبر إنشاء إطار جماعي أوسع يمكن أن يحد من التأثيرات الفردية للصين على كل دولة على حدة. ومع ذلك، لا يعني هذا الارتباط أن الاتفاق موجه حصراً ضد طرف بعينه، بل يُقدم باعتباره وسيلة لتعزيز الاستقرار العام في مواجهة تهديدات متعددة، تشمل التحديات المناخية والجريمة العابرة للحدود.

ومن ناحية أخرى، ينبغي الإشارة إلى أن الارتباط بمواجهة النفوذ الصيني ليس مطلقاً، بل يتداخل مع عوامل أخرى، مثل الرغبة في تعزيز التعاون الاقتصادي والمناخي مع فيجي. فالاتفاق يشمل جوانب غير دفاعية تتعلق بالاستثمارات والتنمية المستدامة، بما يعكس إدراكاً بأن الأمن الحقيقي في المنطقة يعتمد أيضاً على معالجة القضايا الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن الجوهر الدفاعي للاتفاقية، الذي يركز على الالتزامات المتبادلة في حالات التهديد الخارجي، يجعلها أداة رئيسية في سياق التنافس الاستراتيجي. ويبرز هذا الجانب بصورة أوضح عند النظر إلى القلق الأسترالي من احتمال استخدام الاستثمارات الصينية وسيلة لاكتساب نفوذ سياسي أو أمني، خاصة في الدول التي تعتمد اقتصادياً على المساعدات الخارجية.

ويتضح هذا الارتباط أيضاً من خلال السياق الإقليمي الأوسع، الذي يشمل التنافس بين القوى الكبرى على الممرات البحرية والموارد الطبيعية. فالمحيط الهادئ يمثل ممراً حيوياً للتجارة العالمية، وأي توسع في النفوذ الصيني قد يؤثر في حرية الملاحة والوصول إلى الموارد. لذلك، تسعى أستراليا عبر اتفاقيات، مثل الاتفاقية الموقعة مع فيجي، إلى ضمان بقاء المنطقة ضمن إطار تعاوني يحافظ على المصالح المشتركة مع الحلفاء التقليديين. ويتجاوز هذا التوجه الردع الدفاعي المباشر إلى بناء قدرات ردعية جماعية، بحيث يمكن أن يشكل الاتفاق نموذجاً لشراكات مستقبلية تسهم في استقرار المنطقة دون الانزلاق إلى استقطاب حاد.

في الوقت نفسه، يواجه هذا التوجه تحديات تتعلق بمواقف الدول الجزرية نفسها، التي غالباً ما تنتهج سياسات توازنية لتحقيق أكبر قدر من المكاسب من مختلف الأطراف. ففيجي، على سبيل المثال، تحافظ على علاقات اقتصادية قوية مع الصين، بالتوازي مع سعيها إلى تعزيز الشراكات الأمنية مع أستراليا، بما يعكس نهجاً براغماتياً يخفف من حدة التنافس. وقد حرص رئيس الوزراء الفيجي على التأكيد أن الاتفاقية “لا تهدد علاقات فيجي مع الصين”، وأن “أعداءك ليسوا بالضرورة أعدائي”، في إشارة إلى تمسك بلاده بسياسة “أصدقاء للجميع”. ورغم ذلك، فإن توقيت الاتفاق، الذي تزامن مع اختبارات صينية لصواريخ في المحيط الهادئ، يعزز البعد التنافسي، حيث تسعى أستراليا إلى بناء شبكة تحالفات تحد من الفرص المتاحة أمام بكين لتعميق وجودها الأمني. ويجعل هذا التوازن الاتفاق أكثر تعقيداً، فلا يمكن اعتباره مجرد أداة مواجهة مباشرة، بل يمثل جزءاً من جهد أوسع لتقديم بدائل أكثر جاذبية اقتصادياً وأمنياً. ومع ذلك، فإن التركيز على الجوانب الدفاعية في الاتفاق يشير إلى أن الدافع الأساسي يظل مرتبطاً بالمخاوف من التوسع الصيني، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن محاولات بكين تعزيز وجودها في مجالات حساسة، مثل الأمن البحري والتدريب العسكري.

ويمتد تأثير هذا التوجه إلى الديناميكيات الإقليمية الأوسع، حيث قد يشجع الاتفاق دولاً أخرى على مراجعة شراكاتها الأمنية، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات في المنطقة. ويعزز هذا التأثير المتسلسل فعالية التحرك الأسترالي بوصفه وسيلة لمواجهة النفوذ الصيني، لكنه يحمل أيضاً مخاطر تتعلق بزيادة التوترات إذا فُسر على أنه محاولة لاحتواء بكين. وفي النهاية، تشير المؤشرات إلى دخول المنطقة مرحلة اصطفاف أمني جديد، تتشكل فيها كتلة أسترالية-غربية في مواجهة نفوذ صيني متزايد. كما أن الاتفاقية مفتوحة أمام دول مثل نيوزيلندا، التي أبدت اهتماماً بالانضمام، وبابوا غينيا الجديدة وتونغا، بما يمهد لتشكيل شبكة أوسع من التحالفات متعددة الأطراف. ومن شأن هذا الاصطفاف إعادة تشكيل ديناميكيات المنتدى الإقليمي، الذي فضلت دوله تاريخياً سياسة عدم الانحياز للحفاظ على المساعدات والعلاقات مع مختلف الأطراف.

وتتعدد المخاطر المحتملة لهذا المسار؛ أولها، تصاعد الاستقطاب بما قد يقسم المنطقة ويضعف التعاون الجماعي في ملفات، مثل التغير المناخي والصيد غير القانوني. وثانيها، احتمال نشوء سباق تسلح غير مباشر أو تصعيد دبلوماسي، خاصة إذا رأت الصين في هذه التحالفات محاولة لاحتوائها. وثالثها، تراجع هامش السيادة والاستقلالية للدول الصغيرة التي قد تجد نفسها مضطرة للاختيار بين الشركاء. ورابعها، الأعباء الاقتصادية والعسكرية التي قد تتحملها أستراليا نتيجة التزاماتها تجاه دول ذات قدرات عسكرية محدودة، مثل فيجي. وأخيراً، يبرز خطر سوء التقدير، الذي قد يقود إلى توترات غير مقصودة، كما حدث في تجارب تاريخية سابقة ارتبطت بالتحالفات الدفاعية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع