مقالات المركز

روسيا ليست الاتحاد السوفيتي.. لماذا يصر الغرب على قراءة موسكو بعين الأمنيات؟


  • 12 يوليو 2026

شارك الموضوع

كتب الباحث ألكسندر تيتوف، أستاذ التاريخ الروسي والأوروبي الحديث في جامعة كوينز بلفاست، في مقال نشرته صحيفة الإندبندنت البريطانية، الجمعة 10 يوليو (تموز) 2026، أن المزاج داخل روسيا بدأ يتغير مع اتساع الهجمات الأوكرانية على البنية التحتية النفطية الروسية، وما تبعها من اضطرابات في سوق الوقود.

ويرى الكاتب أن الغرب يأمل في أن تقود الأزمة الاقتصادية إلى اضطرابات اجتماعية وعدم استقرار سياسي، قد ينتهي بانهيار النظام الحاكم في الكرملين، وبوتين تحديدًا، مستحضرًا في الوقت ذاته السياق الذي قاد إلى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، باعتبار هذا السقوط، أو التفكك بحسب البعض، سابقة تاريخية يمكن أن تتكرر.

وقد سبقه أيضًا الصحفي البريطاني توم واتلينغ في تقرير نشرته الصحيفة نفسها، الإندبندنت، مطلع شهر يوليو الجاري، رأى فيه أن أزمة الوقود التي بدأت تضرب عددًا من المناطق والأقاليم الروسية باتت تمثل تحولًا مهمًا في مسار الحرب الأوكرانية برمتها.

واعتبر واتلينغ أن الضربات الأوكرانية المتكررة على المصافي وشبكات التكرير بدأت تنقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي، وأن مشاهد الطوابير أمام محطات الوقود قد تكون بداية ضغوط اقتصادية وسياسية أوسع على الكرملين.

وعلى الرغم من أنني أقضي إجازة هذه الأيام في زيارة أولى إلى الصين، العظمى فعلًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، متنقلًا بين بكين وشنغهاي، وكلما وصلت إلى مكان جديد ازداد انبهاري بطفرة الصين ونموذجها الفريد، الناجح بالنسبة لشعبها، في الجمع بين رأسمالية كاملة الأوصاف في الاقتصاد، والحفاظ في الوقت نفسه على هوية وأصالة واستقلالية فريدة في السياسة والثقافة.

لكن الصين ليست موضوعي الآن، لذلك أعود إلى مقال الإندبندنت، وأقول، بعيدًا عن لغة الإثارة الصحفية، إنه لا يمكننا إنكار أن هذا التقرير يلامس جانبًا من الواقع.

فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه أقر، في اجتماع عقده يوم 28 يونيو (حزيران) 2026، بوجود طوابير أمام بعض محطات الوقود، وبصعوبة حصول المواطنين أحيانًا على بعض أنواع البنزين، فيما اعترف نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك لاحقًا بوجود اضطرابات في الإمدادات ناتجة عن تغيرات لوجستية مرتبطة بعمل المصافي ومسارات التوزيع.

إذن، لا أحد في موسكو ينكر وجود المشكلة، بل هناك إقرار رسمي على مختلف مستويات الدولة بوجودها، وبضرورة تبني خطوات جادة وفعالة لحلها، أو على الأقل للتخفيف من آثارها.

بالطبع، الطرح الذي يقدمه ألكسندر تيتوف، ومعه واتلينغ، يبدو منطقيًا، لكنه في الواقع لا يقدم جديدًا، سوى أنه يعكس إحدى أكثر الفرضيات الغربية تكرارًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بل والأكثر إخفاقًا، في رأيي حتى الآن، من واقع متابعة ممتدة لأربع سنوات ونصف تقريبًا.

فمنذ فبراير (شباط) 2022 استند الغرب، في جزء كبير من استراتيجيته للتعامل مع روسيا، إلى فرضية أن العقوبات الاقتصادية، والعزلة المالية، واستهداف قطاع الطاقة، في البداية بالعقوبات، وبعد ذلك بمحاولة مصادرة واحتجاز سفن “أسطول الظل”، والآن بتوجيه الضربات الأوكرانية إلى المصافي الروسية في عمق الأراضي الروسية، ستؤدي كلها إلى إنهاك الاقتصاد الروسي، وبالتالي إلى تآكل شرعية بوتين وفريق السلطة الحاكمة، ومن ثم اندلاع اضطرابات داخلية تفرض تغييرًا سياسيًا عميقًا من الداخل.

وقد حضرت هذه الفرضية في كتابات عدد كبير من مراكز الدراسات الغربية الرئيسية، كما تكررت في افتتاحيات صحف مثل فايننشال تايمز والإيكونوميست وواشنطن بوست وغيرها.

غير أن السؤال الذي لا يجيب عنه هذا الخطاب هو: إذا افترضنا أن هذه الفرضية صحيحة، فلماذا لم تتحقق بعد أكثر من أربع سنوات وأربعة أشهر من الحرب، رغم تبني الغرب بالكامل، ومعه شركاء آخرون، على رأسهم اليابان وكوريا الجنوبية، إحدى أشد منظومات العقوبات الاقتصادية في التاريخ؟

بالطبع، لا جدال في أن روسيا تواجه اليوم ضغوطًا اقتصادية متزايدة، لأن الهجمات الأوكرانية على المصافي، ومنها الضربة الأخيرة التي استهدفت مصفاة أومسك بشكل كاشف وخطير، كشفت أن حرب المسيّرات بدأت تضرب بقوة أهم عناصر قطاع الطاقة الروسي، ونقصد بالطبع منشآت التكرير والنقل والتوزيع.

وقد أشرت أعلاه إلى اعتراف بوتين وكبار مسؤوليه بوجود الأزمة، غير أن الاعتراف بوجود الأزمة لا يعني تلقائيًا، وقد ذكرت هذا الكلام في مقال سابق عن الموضوع نفسه، أن روسيا تقف على أعتاب انهيار اقتصادي، ناهيك عن أن تكون على وشك انهيار سياسي.

وسوف أشرح أسباب ذلك من واقع فهمي للواقع الاقتصادي والسياسي الروسي الحالي، فالاقتصاد الروسي اليوم ليس، بحال من الأحوال، اقتصاد عام 1991، ومن التضليل المهني التشبيه بينهما.

كما أن روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفيتي، فضلًا عن أنها لا تتحرك في بيئة دولية مشابهة.

أضف إلى ذلك أنها، بلا جدال، ما تزال من أكبر منتجي النفط والغاز في العالم، وقد أعادت توجيه جزء كبير من تجارتها نحو آسيا، ولا سيما الصين، التي يشهد اقتصادها طفرات متسارعة، وهو ما أشاهده بعيني هذه الأيام وأنا أتنقل بين عواصمها السياسية والثقافية والاقتصادية.

كما ضاعفت صادراتها إلى الهند، وفي الوقت ذاته راكمت خبرة واضحة في إدارة اقتصاد الحرب، على الرغم من الكلفة الباهظة لذلك.

ألكسندر تيتوف، في مقاله الذي بدأت منه كتابة هذه السطور، يستدعي تجربة انهيار الاتحاد السوفيتي، لكنه يتجاهل الفوارق الجوهرية بين المرحلتين.

ففي أواخر الثمانينيات كانت موسكو تواجه أزمة نظام شاملة، بين اقتصاد مركزي موجه عاجز، وسباق تسلح أرهقها وأرهق اقتصادها، وبالتالي مجتمعها، ثم دخلت في دوامة البيريسترويكا والغلاسنوست، اللتين كانتا، في مجملهما، خطوات متعثرة أدت إلى انهيار أيديولوجي، فضلًا عن أنها صاحبتها حركات انفصالية داخل الجمهوريات السوفيتية.

أما روسيا اليوم، فهي نعم تواجه حربًا طويلة واستنزافًا اقتصاديًا مؤلمًا، لكنها لا تواجه، بأي حال من الأحوال، أو على الأقل حتى الآن، وفق ما نراه من الواقع الموضوعي على الأرض، انهيارًا مؤسسيًا مماثلًا أو نظيرًا لما واجهه الاتحاد السوفيتي وهو في النزع الأخير.

وما يثير الاهتمام، بالنسبة لي شخصيًا، أن بعض أبرز منظري المدرسة الواقعية في الولايات المتحدة، مثل البروفيسور جون ميرشايمر والدكتور ستيفن والت، كانوا أكثر حذرًا من هذه الفرضية.

وكلاهما حذر مرارًا، وبموضوعية شديدة، من أن الرهان على انهيار روسيا من الداخل قد يكون رهانًا خاطئًا، وأن الدول الكبرى كثيرًا ما تُظهر قدرة عالية على التكيف مع الضغوط الخارجية.

ومن المعروف تاريخيًا أن الدول الكبيرة، وذات الحضارات العريقة، كثيرًا ما تؤدي مثل هذه الضغوط إلى تعزيز التماسك الداخلي بدلًا من تقويضه.

ما أؤمن به وأفهمه جيدًا هو أن الغرب أخطأ منذ البداية في تقدير طبيعة الدولة الروسية وقدرتها على إعادة توجيه الاقتصاد.

والآن أيضًا يخطئ الغرب، وبالدرجة نفسها من سوء التقدير، إذا اعتقد أن الهجمات على المصافي، التي رفعت فعلًا، وبلا جدال، ولا سيما خلال الأسابيع الأخيرة، الكلفة الاقتصادية للحرب بالنسبة إلى روسيا، وبالتالي الكلفة السياسية للكرملين ولبوتين شخصيًا، سوف تغير، إلى الحد الحرج، الميزان الاستراتيجي داخل الاقتصاد الروسي، ما دامت القدرة الإنتاجية الأساسية والدعم الحكومي مستمرين.

ومما لا شك فيه أن موسكو تواجه اليوم تحديًا حقيقيًا في توفير الحماية الكافية للبنية التحتية على مساحة جغرافية هائلة، فمساحة روسيا الآن تتجاوز 18 مليون كيلومتر مربع. لكن، مع ذلك، من الخطأ، في رأيي الشخصي، أن نرى في ذلك مؤشرًا على انهيار وشيك للدولة الروسية وانفراط عقدها، كما حدث مع الاتحاد السوفيتي.

ما يجري من استهداف للمصافي الروسية، والضربات الروسية العنيفة التي تغيرت، بلا شك، طبيعتها ووتيرتها ضد أوكرانيا، مؤشر واضح على دخول الحرب مرحلة جديدة تجعل حلها سلميًا أشد تعقيدًا مما كان عليه الأمر سابقًا.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية في أغلب القراءات الغربية، فهي تعيش على الأمنيات فيما يتعلق بسقوط بوتين، أو، لأكون أكثر دبلوماسية في التعبير، أقول إنها تميل إلى إسقاط الأمنيات السياسية على التحليل العلمي.

ذلك أن القول بأن اضطرابات الوقود ستؤدي إلى احتجاجات، ثم إلى أزمة سياسية، ثم إلى انهيار النظام البوتيني المتجذر بقوة في مفاصل الدولة الروسية، لا يمكن التعامل معه، في رأيي، الذي أبنيه على معاينة مباشرة امتدت لأكثر من خمسة عشر عامًا من قلب موسكو، على أنه استنتاج يستند إلى الوقائع عمومًا، أو إلى الوقائع الحالية بشكل خاص.

إن هذا ليس إلا سيناريو افتراضيًا قائمًا على سلسلة طويلة من الاحتمالات غير المضمونة.

وهذا الكلام، وهذا الاستنتاج، وهذا التحليل الذي ذكرته أعلاه، لا يعني أنني أقول إن روسيا بمنأى عن المخاطر.

بالطبع لا، وألف لا، لأنني أفهم جيدًا، وبوعي شديد، أن استمرار استهداف المصافي، مع اتساع رقعة الحرب إلى داخل العمق الروسي يومًا بعد يوم، فضلًا عن ارتفاع الإنفاق العسكري، وتفاقم نقص اليد العاملة في القطاع المدني، والتضخم الحقيقي الذي يزداد يومًا بعد يوم، كلها عوامل تفرض ضغوطًا حقيقية على الدولة الروسية وعلى الكرملين.

لكن تحويل هذه الضغوط إلى دليل على قرب انهيار النظام يبقى، في رأيي، ليًّا لعنق الحقيقة، وقفزة تحليلية فوق الواقع لا تدعمها المعطيات الموضوعية التي أراها بعيني، ويراها غيري أيضًا، حتى من كبار منظري المدرسة الواقعية في الغرب، مثل البروفيسور جون ميرشايمر والدكتور ستيفن والت.

وما يغيب عن كثير من التحليلات القائمة على الأمنيات، بقصد أو من دون قصد، هو أن الحرب الجارية لم تستنزف روسيا وحدها، بل إنها استنزفت أيضًا قدرات أوروبا الاقتصادية والصناعية، وسببت تصدعات اجتماعية وسياسية في أوروبا أكثر مما فعلت في روسيا نفسها.

وما النقاشات المتزايدة في أوروبا، والمناوشات السياسية التي نشهدها حول كلفة الحرب مع روسيا، ورفع الإنفاق الدفاعي إلى 5%، وأمن الطاقة، والقدرة على تمويل صراع طويل الأمد، إلا خير دليل على ذلك.

وزد على ما ذكرته أعلاه أن أوكرانيا نفسها تعتمد بصورة شبه كاملة على استمرار الدعم الغربي المالي والعسكري.

لذلك، فإن السؤال الأكثر واقعية ليس: هل ستنهار روسيا؟ وإنما: أي الطرفين سوف يستسلم أولًا تحت ضغط حرب استنزاف طويلة تنتج كلفة اقتصادية واجتماعية وسياسية متصاعدة؟

حتى اليوم، حسبما أراه بعين المراقب والمحلل الذي يحاول تحري الموضوعية وركن العواطف جانبًا، لا يبدو لي، بأي حال، أن موسكو تنهار.

وما يكرره الغربيون، والأوروبيون تحديدًا، عن أن كييف باتت قادرة على حسم الحرب عسكريًا، ليس سوى أمنيات بعيدة كل البعد عن الواقع. وسوف تؤدي، للأسف، إلى إطالة عمر الصراع، إن لم تقُد إلى تحوله إلى ما لا تُحمد عقباه، بحرب شاملة بين روسيا وأوروبا، لن يكون أمام بوتين فيها خيار سوى اللجوء إلى السلاح النووي، إذا رأى أن ذلك هو السبيل إلى حماية وجود روسيا كدولة، وحماية بقائه السياسي.

وبين هذين الواقعين؛ الواقع الموضوعي الذي لا يرغب كثير من الغربيين في رؤيته على حقيقته، والواقع المتخيل القائم على توقع انهيار روسيا وسقوط بوتين، تستمر الحرب الأوكرانية في إنتاج سرديات متناقضة، يقترب بعضها من التحليل، بينما لا يغادر بعضها الآخر حدود الرغبة، أو، إن شئت، حدود الخيال السياسي.

في تقديري، فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الباحث أو الصحفي هو أن يخلط بين ما يتمنى أن يحدث، وما تنطق به الوقائع فعلًا. وصعوبة الابتعاد عن التمنيات وإقصاء العواطف أمر مفهوم، لكنه ليس مبررًا؛ فالتاريخ لا يُكتب بالأمنيات، كما أن الحروب لا تُحسم بالتوقعات. ويظل الفيصل هو موازين القوة، والقدرة على الصمود، وإدارة الوقت، والصبر على امتحانات الزمن.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع