مقالات المركز

سيرغي إيفانوف.. الرجل الذي صنع السلطة من خلف الستار


  • 29 يونيو 2026

شارك الموضوع

في السادس والعشرين من يونيو (حزيران) 2026، أُعلن رحيل سيرغي بوريسوفيتش إيفانوف عن عمر ناهز ثلاثة وسبعين عاما. ولم يكن الخبر، في ظاهره، أكثر من نبأ وفاة مسؤول سابق غادر واجهة الحكم منذ سنوات. غير أن من يقرأ التاريخ الروسي المعاصر بعين المؤرخ، لا بعين المتابع العابر، يدرك أن الرجل الذي غيّبه الموت لم يكن مجرد وزير دفاع أسبق أو رئيس سابق للإدارة الرئاسية، بل كان أحد آخر تجليات جيل كامل؛ جيل النخبة الأمنية الذي حمل روسيا من ركام تسعينيات القرن الماضي إلى مرحلة استعادة الدولة المركزية.

ولعل من دلالات المشهد أن أول من نعى إيفانوف لم تكن مؤسسة سيادية أو جهازا أمنيا، بل رابطة كرة السلة الروسية، التي كان يرأسها فخريا، وكأن القدر أراد أن يذكر بأن رجال الظل يرحلون كما عاشوا، بعيدا عن الأضواء.

ومع رحيله، يعود السؤال الأعمق الذي لازم الدولة الروسية طوال العقود الثلاثة الماضية: كيف صنعت أجهزة الأمن في الاتحاد السوفيتي، ثم في الاتحاد الروسي، رجال السلطة في روسيا ما بعد الانهيار؟

كان إيفانوف نموذجا متكاملا للإجابة عن هذا السؤال. فقد كان رجل دولة صامتا، هادئا، شديد الانضباط، لم يحتج يوما إلى منبر أو خطاب جماهيري كي يكون مؤثرا في صناعة القرار. لم تكن قوته في صوته، بل في موقعه، ولا في الشعبوية، بل في الثقة المؤسسية التي حظي بها. ومن هنا تنبع أهمية قراءة سيرته؛ فهي ليست سيرة رجل فحسب، بل سيرة منظومة كاملة تعلمت كيف تعيد إنتاج نفسها بعد أن كادت تتلاشى.

وُلد إيفانوف في لينينغراد عام 1953، وهذا المعطى وحده يحمل دلالات تتجاوز مكان الميلاد. فلينينغراد لم تكن مدينة كسائر المدن؛ بل كانت مدينة الحصار الذي استمر قرابة تسعمئة يوم خلال الحرب العالمية الثانية، ومدينة الجوع والصمود والانضباط، وحاملة الذاكرة الإمبراطورية منذ عهد بطرس الأكبر.

ومن رحم هذه المدينة خرج جزء مهم من النخبة الروسية الجديدة، وفي مقدمتها فلاديمير بوتين. وقد رأى أبناء هذا الجيل في انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 أكثر من مجرد تحول سياسي؛ فقد اعتبروه كارثة بنيوية، وانهيارا لدولة عظمى تحولت، بين عشية وضحاها، إلى فضاء من الفوضى والضعف والتبعية. وهذه القراءة للانهيار، بوصفه جرحا تاريخيا لا لحظة تحرر، هي التي صاغت البوصلة النفسية والسياسية لإيفانوف وأقرانه طوال العقود اللاحقة.

دخل إيفانوف عالم الاستخبارات السوفيتية مبكرا. فتخرج في قسم الترجمة بكلية اللغويات في جامعة لينينغراد، ثم التحق بجهاز «الكي جي بي»، ليجد نفسه في صلب المؤسسة التي مثلت العمود الفقري الخفي للدولة السوفيتية.

ومن خلال هذه المؤسسة، اكتسب السمات التي لازمته طوال مسيرته السياسية: الانضباط الصارم، والسرية، والحسابات الباردة، وفهم الغرب من الداخل، بعيدا عن الشعارات، والنظر إلى السياسة بوصفها صراعا طويل الأمد على النفوذ، لا مجرد منافسة انتخابية.

ولم يكن ضابطا عاديا؛ فقد تدرج في جهاز الاستخبارات الخارجية حتى أصبح من كبار ضباطه، وأتقن عدة لغات، وعرف كيف يتحرك في العواصم الغربية بثقة رجل يفهم خصومه قبل أن يواجههم.

وحين انهار الاتحاد السوفيتي، لم تتلاش شبكات الأجهزة الأمنية مع الدولة التي خدمت تحت رايتها، بل تحولت تدريجيا إلى أحد أعمدة الدولة الروسية الجديدة. ففي زمن الفراغ المؤسسي والانهيار الاقتصادي، بقي رجال الأمن يملكون ما افتقده كثيرون: الانضباط، والمعلومات، والولاء للدولة بوصفها فكرة، لا مجرد نظام سياسي.

ومن هذا الخزان البشري خرجت طبقة «السيلوفيكي»، أي رجال القوة، التي ستعيد لاحقا صياغة موازين السلطة في موسكو.

وهنا تتقاطع سيرة إيفانوف مع سيرة بوتين على نحو يصعب فصله عن السياق البنيوي للدولة الروسية. فقد التقى الرجلان في سبعينيات القرن الماضي داخل إدارة «الكي جي بي» في لينينغراد، حيث عملا معا لفترة وجيزة. ثم افترق مسارهما لبعض الوقت؛ إذ انتقل بوتين خلال تسعينيات القرن الماضي إلى العمل الإداري في بلدية سانت بطرسبورغ، بينما بقي إيفانوف داخل جهاز الاستخبارات الخارجية.

لكن الطريقين التقيا مجددا مع صعود بوتين إلى قمة السلطة الاتحادية. فعندما تولى قيادة جهاز الأمن الفيدرالي عام 1998، عيّن إيفانوف نائبا له، ثم أسند إليه منصب أمين مجلس الأمن الروسي بعد توليه رئاسة الوزراء عام 1999.

ولم تكن هذه مجرد علاقة شخصية بين صديقين قديمين، بل كانت تعبيرا عن ظاهرة أوسع تمثلت في صعود مجموعة سانت بطرسبورغ، القادمة من خلفيات أمنية وإدارية، إلى قلب السلطة الروسية، ودورها في إعادة بناء الدولة بعد سنوات الضعف.

وفي هذه المنظومة، لم يكن إيفانوف موظفا تابعا، بل أحد أكثر وجوهها ثقلا وتأثيرا؛ رجل ثقة، وصاحب ملفات حساسة، وقادر على الانتقال بين الأمن والدفاع والإدارة والسياسة الخارجية بسلاسة نادرة.

ثم جاءت المرحلة التي رسخت حضوره على المستوى الوطني، حين تولى وزارة الدفاع بين عامي 2001 و2007، ليصبح أول مدني يتولى هذا المنصب في تاريخ روسيا الحديثة.

ولم يكن السياق سهلا. فقد كانت الحرب الشيشانية الثانية لا تزال مشتعلة، فيما كان الجيش الروسي يرزح تحت إرث تسعينيات القرن الماضي، من ضعف التمويل، وتهالك العتاد، وتراجع المعنويات، في وقت كانت موسكو تخوض فيه أيضا مواجهة مع الإرهاب والتمرد في شمال القوقاز.

وفي هذه الظروف، مثل تعيين إيفانوف وزيرا للدفاع محاولة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية واستعادة هيبتها، إلى جانب ترسيخ السيطرة المدنية ـ السياسية عليها. وكانت تلك مرحلة مفصلية في تاريخ الدولة الروسية، تداخل فيها هاجس الأمن الداخلي مع مشروع إعادة بناء سلطة مركزية قوية.

ومن الإنصاف قراءة تلك المرحلة بعيدا عن منطق التمجيد أو الإدانة المسبقة، بوصفها مرحلة انتقالية معقدة. فروسيا الخارجة من تداعيات انهيار الاتحاد السوفيتي كانت تبحث عن طريق العودة إلى موقعها لاعباً دولياً مؤثراً، وكان الجيش، في نظر صانع القرار الروسي، إحدى الأدوات الرئيسة لتحقيق هذه العودة، وفي قلب هذا المشروع وقف إيفانوف، بهدوئه المعتاد وحساباته الدقيقة.

وبعد مغادرته وزارة الدفاع، انتقل إلى منصب نائب رئيس الوزراء، قبل أن يتولى عام 2011 أحد أكثر المواقع تأثيرا داخل النظام الروسي، وإن كان من أقلها حضورا في وسائل الإعلام، وهو رئاسة الإدارة الرئاسية.

ولا يقتصر هذا المنصب على المهام الإدارية التقليدية، بل يمثل مركز تنسيق عمل الدولة الروسية؛ إذ يدير العلاقات بين الرئيس، والنخب السياسية، والأقاليم، والإعلام، والبيروقراطية الاتحادية. ومن يشغله يمتلك القدرة على التأثير في توازنات لا تظهر للعلن، وعلى إدارة خيوط معقدة داخل منظومة الحكم.

وفي هذا الموقع بلغ إيفانوف ذروة نموذجه السياسي، نموذج “الرجل غير المرئي”. فلم يكن حضوره يقاس بعدد المقابلات الصحفية أو الخطب الجماهيرية، بل بقدرته على إدارة أكثر الملفات حساسية من خلف الكواليس.

وكان ينتمي إلى ذلك النمط من المسؤولين الذين يصنعون القرار بعيدا عن المنصات، داخل الغرف المغلقة التي ترسم فيها الاتجاهات الكبرى للدولة.

ولم يكن مستغربا، في ظل هذه المكانة، أن يطرح اسم إيفانوف خلال إحدى المراحل بوصفه أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة فلاديمير بوتين، قبل أن يتولى دميتري ميدفيديف الرئاسة عام 2008.

غير أن تفسير هذه المحطة بوصفها مجرد قصة طموح شخصي لم يكتمل يبقى تبسيطا للمشهد. والأقرب إلى الواقع أنها تكشف طبيعة آلية انتقال السلطة داخل النظام الروسي، حيث تتداخل اعتبارات الولاء والكفاءة، والصورة الخارجية، وإدارة توازنات النخبة، مع احتياجات كل مرحلة سياسية.

في ذلك التوقيت، مثل إيفانوف خيار المؤسسة الأمنية؛ رجل الاستخبارات والدفاع الذي يحظى بثقة جناح القوة داخل الدولة. وفي المقابل، قدم ميدفيديف وجها أكثر انفتاحا تجاه الغرب، بما انسجم مع المرحلة التي سعى فيها الكرملين إلى تخفيف صورته الأمنية وفتح قنوات للحوار مع العواصم الغربية.

ولذلك، لم يكن اختيار ميدفيديف حكما على إيفانوف أو تقليلا من مكانته داخل النظام، بقدر ما كان انعكاسا لأولويات المرحلة وحساباتها. وهكذا تعمل السلطة في روسيا؛ فهي لا تختار الأشخاص لذواتهم فحسب، وإنما لما يمثلونه من أدوار في توقيت سياسي محدد.

ثم بدأ مسار إيفانوف يتجه تدريجيا نحو الهامش الرمزي. ففي عام 2016، انتقل من رئاسة الإدارة الرئاسية إلى منصب أقل حضورا، هو الممثل الخاص للرئيس لشؤون حماية البيئة والإيكولوجيا والنقل. وفي مطلع عام 2026، غادر هذا المنصب بناء على طلبه، بعد أن تجاوز بسنوات السن المعتادة للتقاعد في الخدمة المدنية، ثم خرج من عضوية مجلس الأمن الروسي.

وجاء هذا الخروج هادئا ومتدرجا، لا صداميا. وفي ذلك دلالة على طبيعة النخبة الحاكمة في روسيا؛ فهي لا تغادر المشهد دائما عبر الإقصاء أو المواجهة، بل قد تنتقل بهدوء من مركز صناعة القرار إلى مواقع ذات طابع رمزي، مع احتفاظ أصحابها بمكانتهم في ذاكرة الدولة ورصيد النظام السياسي.

وهكذا، تبدلت الأجيال داخل مؤسسات الحكم الروسية، وصعدت شخصيات ارتبطت أكثر بمرحلة ما بعد عام 2014، ثم ما بعد عام 2022، بينما انسحب رجال الجيل المؤسس إلى الخلفية، محتفظين برمزيتهم، وإن فقدوا مواقعهم التنفيذية.

ومن الإجحاف اختزال سيرغي إيفانوف في المناصب التي شغلها أو في خلفيته الأمنية وحدها. فقد عُرف، في صورته العامة، بالهدوء والانضباط وقلة الانفعال، كما أتقن عدة لغات، وحمل ثقافة استخباراتية عميقة، وجمع بين عقلية رجل الأمن وكفاءة البيروقراطي المحترف.

ولم يسع يوما إلى مغازلة الرأي العام أو ركوب موجة الشعبوية؛ فلم تكن تلك أدواته، ولا مصدر نفوذه. فقد استندت قوته الحقيقية إلى الثقة المؤسسية التي حظي بها داخل النظام، وإلى قدرته على أن يكون، في كل مرحلة، الرجل الذي يُعتمد عليه عندما تتطلب الدولة يدا ثابتة وعقلا باردا.

رحيل سيرغي إيفانوف لا يعني فقط غياب مسؤول سابق طوته سنوات التقاعد، بل يمثل أيضا أفول أحد أبرز رموز الجيل الذي قاد روسيا من فوضى ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى استعادة الدولة المركزية وطموحها الدولي.

لقد كان واحدا من أولئك الذين أسهموا، بصمت وانضباط، في بناء المعمار الجديد للسلطة الروسية، من دون أن يسعوا إلى بريق الواجهة أو شعبية الخطاب.

ولعل سيرته تختزل حقيقة مهمة لفهم السياسة الروسية، وربما السياسة في كثير من الدول، وهي أن بعض الرجال لا يصنعون التاريخ من فوق المنابر، بل من داخل الغرف المغلقة، حيث تُصاغ، في هدوء، القرارات التي تغير مصير الدول.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع