إستراتيجيات عسكريةمقالات المركز

من حرب التحرير إلى حرب الاستنزاف.. ماذا تكشف مقابلة سيرسكي الأخيرة عن الاستراتيجية الأوكرانية؟

سيرسكي يراهن على كسر قدرة روسيا البشرية لا على استعادة الأرض


  • 29 يونيو 2026

شارك الموضوع

في واحد من أهم التصريحات الصادرة عن القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية منذ أشهر، كشف الجنرال ألكسندر سيرسكي، في مقابلة مطولة مع صحيفة التايمز البريطانية، عن العقيدة العملياتية التي يتبناها الجيش الأوكراني في المرحلة الحالية من الحرب ضد روسيا.

وفي المقابلة، التي نشرت يوم الجمعة 26 يونيو (حزيران) 2026، واطلعت عليها اليوم، الأحد 28 يونيو (حزيران)، أكد سيرسكي أن استراتيجية كييف الحالية تقوم على خوض حرب استنزاف، لا حرب تحرير سريعة.

وقدم القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية ما يمكن اعتباره أوضح توصيف رسمي حتى الآن للاستراتيجية العسكرية التي تتبعها كييف منذ فشل الهجوم المضاد في صيف عام 2023، والذي بدأ، بحسب الرواية الروسية، في الأسبوع الأول من يونيو (حزيران)، بينما أكد الجانب الأوكراني انطلاقه في منتصف الشهر.

ومن بين التصريحات المهمة التي أدلى بها سيرسكي أيضا اعتقاده بأن القيادة الروسية “لم تتخل عن خططها للسيطرة على مزيد من الأراضي الأوكرانية”، مؤكدا أن موسكو لا تزال تعتبر التقدم البري هدفها الرئيسي، وأن عملياتها العسكرية تتركز على استكمال السيطرة على دونباس والتقدم على عدد من المحاور الشرقية.

وأنا أتفق معه في هذا التقدير، لكنني أختلف معه في تفسير أسبابه، وكذلك في كيفية التعامل معه. ومع ذلك، يبقى، في تقديري، أن أهم ما جاء في حديثه ليس توصيفه للنوايا الروسية، من وجهة نظره بطبيعة الحال، وإنما شرحه لطبيعة الاستراتيجية الأوكرانية نفسها.

ومن هنا، لا يبدو أن هدف سيرسكي من هذا الظهور الإعلامي، وفي هذا التوقيت تحديدا، كان تقديم تقييم للوضع العسكري على الجبهات، رغم أنه المسؤول الأول عنه بصفته القائد العام للقوات المسلحة، بل كان واضحا أنه أراد توجيه رسالة عبر وسيلة إعلام دولية واسعة الانتشار، يكشف فيها، وللمرة الأولى بهذا القدر من الوضوح، عن العقيدة التي باتت تحكم التفكير الاستراتيجي لكييف.

فالقائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية يعلن صراحة أن قواته لم تعد تقاتل من أجل استعادة الأراضي بسرعة، وإنما تركز على خوض حرب استنزاف طويلة تهدف إلى كسر القدرة الروسية على مواصلة القتال، حتى وإن استغرق ذلك سنوات.

ويعني هذا أن الحرب تحولت، من وجهة النظر الأوكرانية، إلى حرب استنزاف بشرية، لا تقوم على تحقيق اختراقات ميدانية واسعة، وإنما على إلحاق خسائر بالقوات الروسية بمعدل يفوق قدرة موسكو على تعويضها عبر التجنيد.

ويقول سيرسكي إن القوات الأوكرانية قتلت أو أصابت بجروح خطيرة نحو 183500 جندي وضابط روسي منذ بداية عام 2026، مدعيا أن هذا الرقم يتجاوز عدد من تمكنت روسيا من تجنيدهم خلال الفترة نفسها، والمقدر بنحو 180500 شخص.

وبطبيعة الحال، لا يمكن التعامل مع هذه الأرقام بوصفها حقائق نهائية أو مدققة؛ فهي صادرة عن القيادة العسكرية الأوكرانية، وتمثل جزءا من الحرب الإعلامية والنفسية التي يخوضها طرفا الصراع، والتي لا تقل ضراوة عن المعارك الميدانية.

كما أن موسكو لا تنشر بيانات رسمية مقابلة عن خسائرها البشرية، فضلا عن أن التحقق المستقل من أعداد القتلى والجرحى لدى الجانبين يكاد يكون مستحيلا في حرب تعتمد، إلى حد كبير، على الإخفاء والتضخيم المتبادل.

وبالنسبة إلي، فإن أهمية تصريحات سيرسكي لا تكمن في الأرقام التي أعلنها، سواء كانت دقيقة أم مبالغا فيها، وإنما في ما تكشفه هذه الأرقام عن طبيعة التفكير الاستراتيجي السائد في كييف خلال المرحلة الراهنة.

فالقائد العسكري الأوكراني الأبرز يقول، بصورة غير مباشرة، إن أوكرانيا لم تعد تراهن على اختراق سريع أو هجوم مضاد واسع، كما كان الحال عام 2023، وإنما باتت تراهن على معادلة الاستنزاف.

وبمعنى آخر، إذا تمكنت كييف من إخراج أكثر من ألف جندي روسي يوميا من ساحة القتال، سواء بالقتل أو الإصابة، فإنها تأمل في الوصول إلى لحظة تعجز فيها موسكو عن تعويض خسائرها إلا من خلال تعبئة جديدة قد تحمل كلفة سياسية واجتماعية مرتفعة.

وهنا، في تقديري، تكمن جوهر الاستراتيجية الأوكرانية؛ إذ إنها، إذا نجحت، لا تستهدف فقط إنهاك القوات الروسية، وإنما أيضا زيادة الضغوط الداخلية داخل روسيا، بما قد يفرض كلفة سياسية لا يمكن التنبؤ بتداعياتها على الكرملين والرئيس فلاديمير بوتين.

لكن هذه الفرضية، رغم أهميتها، لا تزال تظل فرضية، وليست نتيجة مضمونة التحقق، وهو ما يدفعني إلى توضيح أسباب ذلك من وجهة نظري.

فروسيا، بحسب ما أتابعه، تراهن على معادلة مختلفة تماما. فهي لا تنظر إلى الحرب من زاوية الخسائر البشرية اليومية فحسب، بل تركز على تحقيق مكاسب ميدانية متراكمة عبر السيطرة على مزيد من الأراضي، ولو بوتيرة بطيئة.

وتشير البيانات الروسية الأخيرة، التي لا يمكن الجزم بدقتها الكاملة، وإن كانت غالبا ما تجد تأكيدا جزئيا من الجانب الأوكراني أو من مراكز التحليل العسكرية الغربية، إلى استمرار القوات الروسية في الضغط على محاور كونستانتينوفكا وكراسني ليمان وبقية المحاور الرئيسية في دونيتسك. كما تنشر وزارة الدفاع الروسية بصورة دورية أرقاما عن الخسائر الأوكرانية وتدمير المسيّرات والأسلحة الغربية، إلى جانب بياناتها اليومية.

وبذلك نجد أنفسنا أمام صراع بين منطقين مختلفين؛ فمنطق كييف، الذي شرحه سيرسكي في مقابلته مع التايمز، يقوم على استنزاف القدرة الروسية على تعويض خسائرها البشرية، إلى جانب رفع الكلفة الاقتصادية عبر ضرب العمق الروسي.

أما المنطق الروسي، فيقوم على فرض وقائع ميدانية جديدة تجعل الخسائر جزءا من ثمن التقدم العسكري. وفي تقديري، فإن هذه هي الصورة الحقيقية للحرب التي سنشهدها خلال صيف عام 2026.

وقد بحثت عن ردود الفعل الروسية الرسمية وشبه الرسمية على مقابلة سيرسكي، حتى لحظة كتابة هذه السطور مساء الأحد 28 يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة 23:14 بتوقيت موسكو، فلم أجد أي تعليق رسمي مباشر.

في المقابل، اعتبرت مواقع روسية مقربة من المؤسستين العسكرية والأمنية أن الاستراتيجية الأوكرانية تمثل اعترافا ضمنيا بعدم قدرة كييف على تحقيق نصر عسكري، ودليلا على عدم رغبتها في التوصل إلى تسوية سلمية، وأنها تحاول تعويض التراجع الميداني عبر استنزاف العمق الروسي واستهداف الدفاعات الجوية والمصافي وشبكات السكك الحديدية والمطارات.

وقد أتفق جزئيا مع هذا التقييم؛ فتصريحات سيرسكي لا تعكس فقط محاولة لإظهار قدرة أوكرانيا على مواصلة القتال، وإنما تمثل أيضا إقرارا ضمنيا بأن كييف لم تعد تفكر بمنطق الهجوم المضاد الواسع الذي ساد خلال عام 2023.

ومع ذلك، ينبغي الإقرار بأن الحرب، بعد أكثر من أربع سنوات، تغيرت طبيعتها بصورة جذرية. فلم تعد المسيّرات الأوكرانية مجرد وسيلة تكتيكية، كما كانت في بدايات الحرب، بل تحولت إلى أداة استراتيجية تؤثر في مجريات الصراع.

لقد أصبحت المسيّرات الأوكرانية وسيلة لإجبار روسيا على توزيع مواردها بين الجبهات والداخل والقرم وموسكو ومنشآت الطاقة. وتبرز القرم مثالا واضحا على ذلك؛ إذ إن الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة والوقود لم تؤد إلى تقويض السيطرة الروسية على شبه الجزيرة، لكنها دفعت السلطات إلى إعلان حالة طوارئ إقليمية لإدارة الأضرار وتعويض الخسائر وضمان استمرار الخدمات.

ومن المبالغة، بطبيعة الحال، الادعاء بأن هذه التطورات تعني اقتراب سقوط القرم، كما تذهب بعض التحليلات الغربية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن شبه الجزيرة لم تعد بمنأى عن آثار الحرب كما كانت قبل عامين.

ومن ثم، يمكن النظر إلى تصريحات سيرسكي باعتبارها جزءا من استراتيجية أوكرانية متكاملة تستهدف، في آن واحد، استنزاف القوة البشرية الروسية على الجبهة، واستنزاف البنية التحتية الحيوية في العمق، ولا سيما منشآت الطاقة.

وقد لمست شخصيا بعض آثار هذه الاستراتيجية خلال وجودي في موسكو، عندما اضطررت، للمرة الأولى منذ أكثر من خمسة عشر عاما من القيادة داخل العاصمة الروسية ومختلف أقاليم البلاد، إلى الوقوف في طابور طويل للتزود بالوقود، بالتزامن مع ارتفاع أسعار البنزين بأكثر من 25%.

وفي تقديري، تستهدف هذه الاستراتيجية أيضا استنزاف الثقة السياسية في قدرة الرئيس فلاديمير بوتين والكرملين على مواصلة إدارة الحرب بالكلفة نفسها التي كانت سائدة قبل أشهر قليلة.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل تمتلك أوكرانيا القدرة على تحمل تبعات حرب الاستنزاف التي تسعى إلى فرضها على روسيا؟

فكييف نفسها تواجه أزمة متفاقمة في التعبئة العسكرية، وهو أمر بات يحظى باعتراف واسع داخل أوكرانيا وأوروبا. كما تعاني نقصا واضحا في القوة البشرية، فيما أصبحت مشاهد ملاحقة الرجال والشباب في شوارع المدن الأوكرانية بهدف تجنيدهم قسرا متداولة على نطاق واسع.

ويضاف إلى ذلك أن اعتماد أوكرانيا على الدعم الغربي لا يتراجع، بل يزداد، في وقت يتعرض فيه جيشها لضغط متواصل على امتداد الجبهة الشرقية.

وبالتالي، إذا كانت الاستراتيجية الأوكرانية تقوم على افتراض أن روسيا ستصل، عاجلا أم آجلا، إلى مرحلة تعجز فيها عن تعويض خسائرها البشرية، أو تضطر إلى تعبئة جديدة ذات كلفة سياسية مرتفعة، فإن موسكو تراهن، في المقابل، على أن أوكرانيا ستستنزف قبلها، سواء في الجنود أو الذخائر أو الدعم السياسي الغربي.

وهنا تكمن، في تقديري، معضلة المنطقين الروسي والأوكراني. فحروب الاستنزاف لا يحسمها الطرف الذي يوقع خسائر أكبر بخصمه فحسب، بل الطرف القادر على تحمل خسائره الذاتية والاستمرار فترة أطول من خصمه.

فروسيا تمتلك عمقا سكانيا واقتصاديا أكبر، وهذه حقيقة يعترف بها كثير من المحللين الغربيين قبل الروس، لكنها في المقابل تتحمل كلفة متزايدة على مستوى الإنفاق العسكري، والدفاع الجوي، وسوق العمل، وأسعار الطاقة.

أما أوكرانيا، فقد طورت قدرة لافتة على الابتكار في مجال المسيّرات، وأثبتت قدرتها على تنفيذ ضربات غير متكافئة داخل العمق الروسي، لكنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل والتسليح الغربيين، كما تحتاج إلى الحفاظ على تماسكها الداخلي في ظل حرب طويلة الأمد.

ولهذا، فإن الأرقام التي طرحها سيرسكي، حتى إذا تعاملنا معها بتحفظ، تكشف تحولا مهما في طريقة فهم كييف للحرب. فهي لم تعد تقدم نفسها بوصفها قوة قادرة على استعادة الأراضي بسرعة، بل بوصفها قوة تستطيع جعل استمرار الحرب أكثر كلفة وأقل قابلية للتحمل بالنسبة إلى روسيا بمرور الوقت.

غير أن مكمن الخطورة في هذا التصور، من وجهة نظري، أنه قد يدفع موسكو إلى تبني نهج معاكس تماما.

فكلما اتسعت الضربات الأوكرانية داخل العمق الروسي، ولا سيما في المدن الكبرى وشبه جزيرة القرم، قد لا يؤدي ذلك إلى إضعاف موقع الرئيس فلاديمير بوتين داخليا، كما يتوقع بعض المحللين الغربيين، بل ربما يعزز مطالب الأوساط الأمنية والإعلامية الروسية بتوجيه رد أكثر شدة واتساعا.

وهذا، في الواقع، ما يطالب به بالفعل قطاع من الشارع الروسي، الذي يدعو إلى توجيه ضربة حاسمة تنهي قدرة أوكرانيا على مواصلة القتال، مع تصاعد الخطاب المتشدد في الأوساط القومية والإعلامية.

ومن هذا المنطلق، تبدو تصريحات سيرسكي سلاحا ذا حدين؛ فهي تقدم للغرب رواية مفادها أن أوكرانيا تمتلك استراتيجية واضحة لاستنزاف روسيا، لكنها تمنح موسكو، في الوقت نفسه، دليلا إضافيا على أن كييف، بدعم غربي، لا تتجه نحو تسوية سياسية قريبة، بل تستعد لحرب طويلة تستهدف إنهاك روسيا استراتيجيا.

وهذا، في جوهره، ما سمعته بصورة مباشرة خلال الأيام الأخيرة من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ومساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، والمتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، إذ كرروا، وإن بصيغ مختلفة، فكرة واحدة مفادها أن الغرب لا يستخدم التفاوض لإنهاء الحرب، بل لإدارتها وإطالة أمدها، بالتوازي مع مواصلة الدعم العسكري والعقوبات الاقتصادية.

لذلك، لا أرى أن مقابلة سيرسكي مع صحيفة التايمز البريطانية تكشف عن اقتراب نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب، بقدر ما تؤكد أن الصراع دخل أكثر مراحله برودة وقسوة.

إنها مرحلة الحسابات الرقمية؛ كم جنديا تستطيع روسيا أن تخسر ثم تعوض؟ وكم جنديا تستطيع أوكرانيا أن تخسر ثم تعوض؟ وكم مسيّرة تستطيع أوكرانيا، بالتعاون مع صناعاتها والصناعات الأوروبية، إنتاجها؟ وكم صاروخ دفاع جوي تستطيع روسيا تخصيصه لمواجهة استراتيجية الضربات العميقة؟

لم تعد الحرب اليوم حرب اندفاعات كبرى أو مناورات واسعة، بل أصبحت حرب ميزانيات، وقدرات صناعية، وقوة بشرية، ومسيّرات، وإرادات سياسية.

وفي مثل هذه الحروب، كما تؤكد الأدبيات العسكرية وتجارب الصراعات الطويلة، لا يكون السؤال الأساسي: من سيربح المعركة المقبلة؟ بل: من يستطيع الصمود مدة أطول من خصمه، ومن ينجح في تجنب الانهيار قبل الطرف الآخر؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع