مقالات المركز

مستقبل ليبيا بين الوساطة الأمريكية وخارطة الطريق المحلية


  • 29 يونيو 2026

شارك الموضوع

تشهد ليبيا واحدة من أهم المحطات السياسية منذ الإطاحة بالعقيد معمر القذافي عام 2011، في ظل تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لإنهاء سنوات الانقسام المؤسسي، وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات الوطنية المؤجلة منذ سنوات.

وتتمحور هذه الجهود حول مبادرة مدعومة من الولايات المتحدة يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والشرق أوسطية والأفريقية، وتهدف إلى توحيد الحكومتين المتنافستين ومؤسسات الدولة الليبية.

دعم إقليمي لتوحيد ليبيا

في 20 يونيو (حزيران)، استضافت القاهرة اجتماعًا رباعيًا رفيع المستوى ضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا، إلى جانب المستشار الأمريكي مسعد بولس.

وأكد المشاركون أهمية مواصلة العمل على توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية الليبية، معتبرين أن قيام مؤسسات موحدة يمثل شرطًا أساسيًا لإجراء انتخابات وطنية شاملة وتحقيق الاستقرار الدائم.

كما شدد الاجتماع على ضرورة البناء على الجهود السابقة لخفض التوتر وتعزيز الأمن في ليبيا والمنطقة، مع التأكيد على دعم سيادة ليبيا ووحدتها واستقرارها.

المبادرة الأمريكية

كشف بولس أن واشنطن تعمل على التوسط للتوصل إلى صيغة لتقاسم السلطة بين الإدارتين المتنافستين في شرق وغرب ليبيا.

وأوضح أن الخطة تقوم على تشكيل حكومة موحدة، وتوحيد جميع مؤسسات الدولة.

وتشير تقارير إلى أن المقترح يتضمن دمج حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مع الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد.

كما تتحدث بعض التقارير عن إمكانية استمرار الدبيبة رئيسًا للحكومة الموحدة، مع إعادة هيكلة المجلس الرئاسي ليضم ممثلين عن الشرق والغرب، بينما قد يتولى صدام حفتر دورًا قياديًا ضمن الهيكل الرئاسي الجديد، رغم عدم وجود اتفاق رسمي يؤكد ذلك.

انقسام المواقف داخل ليبيا

أثارت المبادرة الأمريكية ردود فعل متباينة.

فقد أعلنت القيادة العسكرية في شرق ليبيا استعدادها للدخول في مفاوضات مباشرة بشأن المقترح، معتبرة أنه قد يشكل مدخلًا لإنهاء الأزمة السياسية وتسريع إجراء الانتخابات.

كما أعلن أكثر من 104 أعضاء في مجلس النواب دعمهم للمبادرة، معتبرين أنها قد تنهي الانقسام المؤسسي.

وأيدت المبادرة أيضًا مجالس بلدية عديدة في شرق ليبيا ووسطها وجنوبها، داعية إلى المصالحة الوطنية.

في المقابل، رفض كل من رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، المبادرة، مؤكدين أن مستقبل ليبيا يجب أن يحدده الليبيون أنفسهم عبر توافق داخلي، وليس من خلال ترتيبات خارجية.

خارطة طريق منافسة

يتزامن الجدل حول المبادرة الأمريكية مع مبادرة سياسية محلية اتفق عليها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ومحمد تكالة، ومحمد المنفي.

وتقترح هذه الخارطة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل فبراير (شباط) 2027، وإنشاء لجنة عليا للإشراف على العملية الانتخابية.

كما تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهودها لتقريب وجهات النظر، والوصول إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الانقسام المؤسسي.

لقاء الدبيبة مع رئيس المخابرات المصرية

التقى رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة برئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، حيث ناقش الجانبان تطورات الأزمة الليبية وسبل تعزيز التعاون الثنائي، وأكدا أهمية الحفاظ على التنسيق لدعم الأمن ووحدة البلاد، وتوحيد مؤسسات الدولة عبر الوسائل السياسية السلمية.

الانقسام السياسي مستمر

لا تزال ليبيا منقسمة بين حكومتين متنافستين؛ إذ تسيطر حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة على غرب البلاد وتحظى باعتراف دولي، بينما تدير الحكومة المكلفة برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من مجلس النواب وقوات المشير خليفة حفتر، شرق ليبيا ومعظم الجنوب.

ويعود أصل هذا الانقسام إلى تعثر العملية الانتخابية التي كان من المقرر أن تعقب تشكيل حكومة الدبيبة عام 2021، نتيجة الخلافات حول القاعدة الدستورية، وشروط الترشح، وصلاحيات المؤسسات.

ارتفاع إنتاج النفط

رغم استمرار الانقسام السياسي، سجل قطاع النفط الليبي تقدمًا ملحوظًا.

فقد أعلن رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان أن إنتاج النفط الخام بلغ 1.44 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013، مقتربًا من الهدف الاستراتيجي البالغ 1.5 مليون برميل يوميًا.

كما شهد القطاع توقيع اتفاقيات جديدة مع شركات طاقة دولية كبرى، إضافة إلى نجاح عمليات تطوير حقول جديدة، فيما تقدر احتياطيات ليبيا من الغاز الطبيعي بنحو 80 تريليون قدم مكعبة.

تصريحات نائب الرئيس الأمريكي

أثارت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس جدلًا واسعًا بعدما استخدم ليبيا مثالًا على فشل الدول وعدم الاستقرار، خلال حديثه عن السياسة الأمريكية تجاه إيران.

واعتبرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الليبي هذه التصريحات مسيئة وغير منصفة، مؤكدة أن أزمات ليبيا لا يمكن فصلها عن التدخلات الدولية التي أعقبت أحداث عام 2011.

إرث عام 2011

بعد مرور خمسة عشر عامًا على التدخل العسكري الذي أطاح بنظام معمر القذافي، لا تزال ليبيا تعاني من تداعيات تلك المرحلة.

ويرى منتقدو التدخل أن القوى الغربية أسقطت مؤسسات الدولة دون توفير إطار سياسي مستدام، الأمر الذي أدى إلى الانقسام السياسي، وانتشار الميليشيات، وتأجيل الانتخابات، وصعود جماعات متطرفة في بعض المناطق.

المصالحة الوطنية والطريق إلى المستقبل

تقف ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فمن جهة، توجد جهود دولية وإقليمية تقودها الولايات المتحدة لتوحيد المؤسسات عبر اتفاقات لتقاسم السلطة. ومن جهة أخرى، تدفع قوى ليبية نحو مسار سياسي داخلي يقود إلى انتخابات بإدارة ليبية.

وفي الوقت نفسه، يوفر ارتفاع إنتاج النفط والاستثمارات الجديدة فرصة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي. ويبقى نجاح المصالحة الوطنية مرهونًا بقدرة القيادات الليبية والشركاء الإقليميين والدوليين على تجاوز الانقسامات، وبناء مؤسسات موحدة قادرة على تنظيم انتخابات نزيهة وتحقيق الأمن والاستقرار الدائم.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع