
يطرح المشروع التركي التاريخي، تحت مسمى “الوطن الأزرق”، عدة تساؤلات قد تجعله أحد أكثر الملفات الجيوسياسية تأثيراً في تشكيل النفوذ البحري خلال المرحلة الراهنة، في ظل تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران. ولعل أبرز تلك التساؤلات: هل يمثل المشروع التركي عقيدة بحرية دفاعية تهدف إلى حماية المصالح التركية في البحار المحيطة، أم أنه يعكس تحولاً أعمق في الإدراك التركي تجاه مفهوم المجال الحيوي وإعادة توزيع النفوذ في شرق المتوسط والبحر الأسود؟ وإلى أي مدى تسعى أنقرة، عبر هذا المشروع، إلى إعادة صياغة معادلات القوة والطاقة والأمن البحري في المنطقة؟ وهل يرتبط المشروع بصراعات ترسيم الحدود وموارد الغاز، أم أنه يشكل جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تموضع تركيا كقوة إقليمية مركزية داخل النظامين الإقليمي والدولي؟ وكيف يمكن أن تؤثر التحولات المرتبطة بـ”الوطن الأزرق” على توازنات الأمن القومي لدول المنطقة، خاصة مصر واليونان وقبرص وإسرائيل؟ وأخيراً، ما السيناريوهات المستقبلية للمشروع التركي؟ وهل يقود إلى تعزيز فرص الردع والتفاوض أم أنه يفتح المجال أمام موجة جديدة من الاستقطاب وعسكرة شرق المتوسط؟
تمتد جذور مشروع “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan) إلى أكثر من عقدين من الزمن، حيث ظهر هذا المفهوم بشكل أوضح في الأوساط العسكرية والأكاديمية التركية عام 2006 على يد ضباط وخبراء في البحرية التركية، كان أبرزهم الأدميرال التركي جهاد يايجي، قبل أن يتحول إلى إطار استراتيجي تتبناه مؤسسات الدولة. ويرتكز المفهوم على حماية حقوق تركيا في الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وضمان حرية الحركة البحرية، إلى جانب مواجهة ما تعتبره أنقرة محاولات لتقييدها جغرافياً، خاصة في بحر إيجه وشرق المتوسط.
وفي جوهر هذه العقيدة، يرى المفهوم أن المجال البحري التركي ليس هامشاً جغرافياً، بل امتداداً للأمن القومي والاقتصاد والطاقة. غير أن هذا المفهوم انتقل من النطاق الأكاديمي إلى الخطاب الرئاسي الرسمي حين ظهرت خريطة “الوطن الأزرق” خلفيةً لخطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام طلاب المدرسة الحربية عام 2019، والتي أشارت إلى المناطق التي تعتبرها تركيا ضمن نطاق مصالحها البحرية في بحار إيجه والمتوسط والأسود.
ووصلت هذه العقيدة إلى مرحلة نضجها التشريعي في 14 مايو (أيار) الجاري، حين أصدرت وزارة الدفاع التركية بياناً حول مشروع قانون مناطق الصلاحية البحرية – المعروف إعلامياً بـ”الوطن الأزرق” – والذي شاركت في صياغته، ومن شأنه تحديد المسؤوليات في مناطق الصلاحيات البحرية في البحار الثلاثة الكبرى: البحر الأسود شمالاً، وبحر إيجه غرباً، والبحر المتوسط جنوباً، لسد الثغرات في التشريعات القانونية المحلية. كما يتضمن صلاحية إعلان منطقة بحرية ذات وضع خاص تخضع لجهة واحدة، وإنشاء مناطق بحرية ذات طابع بيئي واستراتيجي للحماية.
وفي هذا السياق، يستعد حزب العدالة والتنمية الحاكم لتقديم مسودة مشروع القانون إلى البرلمان لإقراره مع بداية شهر يونيو (حزيران) المقبل، بهدف توفير حماية قانونية للجرف القاري التركي وتعزيز حسابات تركيا في المياه الإقليمية. وقد يتم إقرار المشروع قبل انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي في يوليو (تموز) المقبل.
يأتي هذا المشروع في سياق جيوسياسي بالغ التعقيد، فقد غذّت اكتشافات الغاز البحري في بلاد الشام وحوض قبرص، وإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط، وخطط الربط بين إسرائيل وقبرص واليونان وأوروبا، تخوف أنقرة من وجود تحالف إقليمي مصمم لاستبعاد تركيا، خاصة في ظل الخلافات المستمرة مع اليونان وحملاتها لنشر خرائط تثبت أحقيتها في بحر إيجه. لذا يؤسس المشروع لهندسة أمنية محورها البحر، وما يرتبط به من أمن الطاقة وخطوط النقل البحري وطرق التجارة البحرية، ويُعد بمثابة بيان استراتيجي للدولة ينقل مبدأ “الوطن الأزرق” إلى أرضية قانونية وعتبة تاريخية توحد الأطر العديدة للوائح والاتفاقيات في قانون واحد.
تسعى تركيا، من خلال مشروع الوطن الأزرق، إلى تحقيق مجموعة متشابكة من الأهداف الاستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية، التي تتجاوز البعد البحري التقليدي نحو إعادة صياغة موقعها الإقليمي والدولي، ولعل أبرزها ما يلي:
يُقدم المشروع باعتباره تجسيداً لعودة تركيا كقوة إقليمية مستقلة قادرة على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية في مواجهة ما تصفه أنقرة بمحاولات الاحتواء والتقييد الإقليمي والدولي. كما يسهم الخطاب المرتبط بـ”الوطن الأزرق” في تعزيز النزعة القومية داخل الرأي العام التركي، عبر تصوير الصراعات البحرية في شرق المتوسط باعتبارها امتداداً لمعركة تاريخية تتعلق بحماية السيادة الوطنية والحقوق الاستراتيجية للدولة التركية. ومن ثم، يتحول المشروع إلى أداة سياسية لتدعيم التماسك الداخلي وتوسيع قاعدة الدعم الشعبي للسياسات الخارجية والأمنية التركية، خاصة في ظل تصاعد التحديات الاقتصادية والضغوط الإقليمية والدولية التي تواجهها أنقرة.
يستهدف المشروع إعادة ترسيخ المكانة الجيوسياسية لتركيا بوصفها قوة بحرية إقليمية قادرة على التأثير في توازنات الأمن والطاقة في كل من شرق المتوسط والبحر الأسود، وذلك عبر توسيع نطاق الحضور والنفوذ البحري التركي داخل المجالات البحرية المحيطة بها. وتسعى أنقرة إلى إعادة تعريف مجالها الحيوي البحري بما يحد من آثار ما تعتبره “تطويقاً جيوسياسياً” ناتجاً عن ترتيبات ترسيم الحدود البحرية والتحالفات الإقليمية بين اليونان وقبرص ومصر.
يمثل مشروع القانون محاولة تركية لإضفاء طابع قانوني ومؤسسي على المطالب البحرية التي تتبناها أنقرة في شرق المتوسط وبحر إيجه والبحر الأسود، بما يحول هذه المطالب من مجرد توجهات سياسية أو عقائد عسكرية إلى إطار تشريعي منظم طويل المدى. وتسعى تركيا، من خلال هذا التقنين، إلى ترسيخ رؤيتها الخاصة المتعلقة بالمياه الإقليمية والجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة، بصورة تمنحها أدوات قانونية وسيادية أوسع في مواجهة الترتيبات البحرية القائمة في الإقليم.
كما يهدف المشروع إلى تكريس مفهوم الحقوق البحرية التركية داخل البنية التشريعية للدولة، بما يعزز قدرة أنقرة على توظيف القانون كأداة موازية للقوة العسكرية والدبلوماسية في إدارة الصراعات البحرية.
يمثل المشروع أداة استراتيجية لتعزيز الموقف التفاوضي التركي في الملفات الإقليمية المرتبطة بشرق المتوسط والبحر الأسود، إذ يمنح أنقرة قدرة أكبر على فرض نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في معادلات ترسيم الحدود البحرية والطاقة والأمن البحري.
فمن خلال توسيع نطاق المطالب البحرية التركية وإضفاء طابع قانوني ومؤسسي عليها، تسعى أنقرة إلى خلق واقع تفاوضي جديد يرفع سقف أوراق الضغط التي تمتلكها في مواجهة اليونان وقبرص، ويمنحها مساحة أوسع للمساومة بشأن المناطق الاقتصادية الخالصة وحقوق التنقيب ومسارات الطاقة. كما يوظف المشروع في تعزيز قدرة تركيا على التفاوض مع القوى الدولية، خاصة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، عبر ربط موقعها البحري الحيوي بقضايا أمن الطاقة والأمن الأطلسي وحرية الملاحة، ما يحول المشروع إلى أداة لإعادة هندسة التوازنات التفاوضية في شرق المتوسط بما يخدم المصالح الاستراتيجية التركية طويلة المدى.
من شأن مشروع القانون أن يمنح أردوغان صلاحية تأكيد الحقوق التركية في مجالات الصيد والتعدين والتنقيب وإقامة المتنزهات البحرية، بما في ذلك في المناطق المتنازع عليها في بحر إيجه وشرق البحر المتوسط، حيث تتداخل المطالبات مع كل من اليونان وقبرص، العضوين في الاتحاد الأوروبي.
كما أن البحار تشكل مورداً محورياً للاقتصاد الأزرق بفضل الموارد الطبيعية الموجودة في قاعها. ويهدف المشروع إلى حماية الطموحات التركية في التحول إلى مركز إقليمي لعبور وتوزيع الطاقة نحو الأسواق الأوروبية، عبر تأمين الممرات البحرية وخطوط الأنابيب المحتملة في شرق المتوسط والبحر الأسود.
يرمي المشروع إلى تعزيز قدرة أنقرة على فرض معادلات ردع بحرية تحول دون تقييد حركتها الجيوسياسية في البحار المحيطة بها. فمن خلال تكثيف الانتشار البحري وتطوير القدرات العسكرية البحرية، خاصة في مجالات الغواصات والطائرات المسيّرة والسفن الهجومية، تسعى تركيا إلى بناء قوة ردع قادرة على حماية مصالحها الاستراتيجية ومنع خصومها الإقليميين من فرض ترتيبات بحرية تتعارض مع رؤيتها.
كما يمنح المشروع أنقرة قدرة أكبر على إظهار الجاهزية العسكرية وفرض الحضور الميداني في مناطق النزاع البحري، ما يرفع كلفة أي تحركات معادية محتملة من جانب اليونان أو قبرص أو القوى الدولية الأخرى.
يُوظف مشروع القانون في إطار ما يمكن تسميته “حرب المتنزهات البحرية”، والتي تعكس انتقال التنافس التركي–اليوناني من المجال العسكري التقليدي إلى أدوات السيادة البيئية والقانونية ذات الطابع الجيوسياسي.
ففي خطوة اعتبرتها أنقرة محاولة لفرض أمر واقع بحري جديد، أعلنت اليونان في أبريل (نيسان) 2024 خطة موسعة بقيمة 780 مليون يورو لإنشاء متنزهات بحرية في البحر الأيوني وجنوب بحر إيجه، إلى جانب فرض قيود على الصيد بشباك الجر القاعية منذ بداية هذا العام.
ورغم الطابع البيئي المعلن للخطة، تنظر تركيا إليها باعتبارها آلية غير مباشرة لتكريس النفوذ البحري اليوناني وتعزيز السيطرة القانونية على مناطق متنازع عليها. وفي المقابل، يسعى مشروع الوطن الأزرق إلى ترسيخ حد الستة أميال بحرية كخط دفاع استراتيجي موازن للمساعي اليونانية الرامية إلى توسيع مياهها الإقليمية في بحر إيجه إلى اثني عشر ميلاً بحرياً، وهو ما تعتبره أنقرة تهديداً مباشراً لحرية حركتها البحرية ومصالحها الجيوسياسية.
يسعى المشروع إلى تأمين مصالح تركيا المرتبطة بكابلات الطاقة والبنية التحتية البحرية الحيوية في شرق المتوسط، في ظل تصاعد أهمية شبكات نقل الكهرباء والاتصالات والطاقة العابرة للبحار كجزء من معادلات النفوذ الجيواقتصادي الإقليمي.
ويكتسب المشروع أهمية خاصة في مواجهة مشروعات الربط الكهربائي بين اليونان وقبرص وإسرائيل وأوروبا، خاصة مشروع “الربط البحري الكبير”، وهو كابل الطاقة المزمع لربط اليونان وقبرص وإسرائيل، حيث يمثل موضع توتر دائم مع تركيا التي تصر على أن المسار المخطط له يمر عبر مناطق تقع تحت ولايتها القضائية.
تعد اليونان الطرف الأكثر تأثراً من مشروع الوطن الأزرق، إذ يطعن القانون في صميم مرتكزات الموقف اليوناني. لذا انتقدت أثينا المشروع بشدة، حيث وصف وزير الخارجية اليوناني جورجوس غيرابيتريتيس الخطوة بأنها محاولة أحادية تتعارض مع القانون الدولي، محذراً من تداعياتها على الاستقرار الإقليمي.
ويتركز الخلاف بين الجانبين حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، في وقت تؤكد فيه تركيا أنها ستعتبر أي توسع يوناني في المياه الإقليمية ببحر إيجه إلى أكثر من ستة أميال بحرية سبباً للحرب.
وعلى صعيد المنطق القانوني الذي تتذرع به أنقرة، تؤكد تركيا أن التوسع اليوناني سيحول بحر إيجه إلى بحيرة يونانية خالصة، وسيخنق الموانئ التركية ويمنع خروج أسطولها إلى المياه الدولية والمحيطات، وهو ما تراه أنقرة أمراً يتنافى مع مبدأ الإنصاف في القانون الدولي بسبب الطبيعة الجغرافية الخاصة وشبه المغلقة لبحر إيجه.
وفي المقابل، ترى أنقرة أن أثينا ونيقوسيا تطالبان بمساحات بحرية مطلقة، وأن الجزر الواقعة قبالة الساحل التركي، مثل كاستيلوريزو، لا يمكنها إحداث تأثيرات بحرية كاملة تضاهي تلك التي يحدثها البر الرئيسي للأناضول.
بينما تُعد قبرص نقطة اشتعال خطرة في هذا المشروع، فتركيا هي الدولة الوحيدة التي تعترف بما يسمى “جمهورية شمال قبرص التركية”، وتحتفظ بعشرات الآلاف من الجنود في الجزيرة منذ غزوها عام 1974. ومن ثم، يمثل المشروع تحولاً استراتيجياً عميقاً في البيئة الجيوسياسية المحيطة بقبرص، إذ لا تقتصر تداعياته على النزاع البحري أو التنافس حول موارد الطاقة، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل موقع الجزيرة داخل معادلات الأمن الإقليمي في شرق المتوسط.
فالمشروع التركي يعكس سعياً لإعادة تقويض الأساس القانوني والسيادي الذي تستند إليه قبرص في إدارة مناطقها الاقتصادية الخالصة، بما يضعف قدرتها على الانفراد بتوظيف موارد الغاز والطاقة كأداة لتعزيز استقلالها الجيوسياسي والاقتصادي.
كما أن تكريس الوجود البحري والعسكري التركي حول الجزيرة يمنح أنقرة قدرة متزايدة على ممارسة ضغوط استراتيجية طويلة المدى، سواء عبر تعطيل بعض مشروعات الطاقة أو فرض معادلات ردع تحول دون تحول قبرص إلى منصة إقليمية مضادة للمصالح التركية.
وبنفس المنطق، يمثل مشروع الوطن الأزرق تحدياً استراتيجياً لإسرائيل، خاصة في ظل التنافس المتزايد على موارد الغاز وخطوط الطاقة في شرق المتوسط. فالتوسع البحري التركي يثير مخاوف إسرائيلية من احتمالات إعادة تشكيل التوازنات البحرية بصورة تؤثر على مشاريع تصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا، كما قد يحد من حرية الحركة الاستراتيجية الإسرائيلية في شرق المتوسط.
لذا قد تدفع هذه التحولات تل أبيب إلى تعزيز شراكاتها الإقليمية مع اليونان وقبرص، وتوسيع التنسيق الأمني وقطاع الطاقة مع مصر، بما يشكل إطاراً مضاداً لمحاولات التمدد التركي. كما أن تصاعد الحضور البحري التركي قد يشجع إسرائيل على زيادة استثماراتها في القدرات البحرية ومنظومات حماية منشآت الطاقة البحرية.
وفي هذا الإطار، تحتل مصر موقعاً فريداً في هذه المعادلة، إذ تجمعها اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع اليونان لعام 2020، التي تتناقض جوهرياً مع الاتفاقية التركية–الليبية لعام 2019.
وقد رأت اليونان وقبرص ومصر أن الاتفاق مع ليبيا يمزق الجغرافيا البحرية ويقوض القانون الدولي للبحار. ومثلت هذه الاتفاقية حجر زاوية في تشكيل محور مصر–اليونان–قبرص، الذي توسع لاحقاً في إطار منتدى غاز شرق المتوسط.
لذا تنعكس تداعيات المشروع التركي على المصالح الاستراتيجية المصرية من زوايا متعددة؛ فاتفاقيات شركات الطاقة الدولية في المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية تستند إلى تعريفات تتعارض مع المطالب التركية المقننة.
كما يسهم المشروع في تعزيز الحضور البحري التركي في شرق المتوسط، بالتوازي مع توسيع نطاق الصناعات الدفاعية والمناورات العسكرية التركية، الأمر الذي يؤدي إلى تصاعد مظاهر عسكرة المتوسط ورفع مستوى التنافس البحري الإقليمي.
وتزداد حساسية هذا التوجه بالنسبة لمصر في ظل الارتباط بين العقيدة البحرية التركية والتحركات التركية في ليبيا، حيث تمثل الساحة الليبية امتداداً مباشراً للأمن القومي المصري.
كما يحمل المشروع تداعيات غير مباشرة على الأمن القومي المصري عبر محاولات تركيا توظيف نفوذها البحري لتعزيز حضورها في البحر الأحمر وشرق أفريقيا، وهو ما قد يؤثر على البيئة الاستراتيجية المرتبطة بأمن قناة السويس وخطوط الملاحة الدولية.
ويندرج ذلك ضمن رؤية تركية أشمل تستهدف بناء نطاق نفوذ بحري متصل يمتد من البحر الأسود إلى المتوسط، وصولاً إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وفي سياق إعادة تشكيل أنماط التحالفات الإقليمية، قد يدفع المشروع مصر إلى تعزيز شراكاتها الاستراتيجية مع اليونان وقبرص وفرنسا، وتكثيف التعاون في مجالات الطاقة والأمن البحري، بما يعكس تحول شرق المتوسط إلى ساحة توازنات وتحالفات متشابكة تتجاوز الخلافات البحرية التقليدية.
وبالتالي، فإن خطورة مشروع الوطن الأزرق بالنسبة لمصر لا تكمن فقط في أبعاده العسكرية أو الاقتصادية المباشرة، وإنما في كونه مشروعاً لإعادة هندسة المجال الجيوسياسي للمتوسط بصورة قد تؤثر على مكانة مصر الإقليمية وقدرتها على الحفاظ على توازنات الأمن القومي في محيطها البحري والاستراتيجي.
السيناريو الأول – التصعيد المحدود والاحتواء التفاوضي:
يفترض هذا السيناريو أن يقر البرلمان التركي مشروع القانون بصيغته الراهنة، مما يطلق موجة من ردود الفعل الإقليمية والدولية تدفع، في نهاية المطاف، إلى جلسات تفاوضية متعددة الأطراف.
وفي إطاره، تفضي الضغوط الأوروبية المتصاعدة – لا سيما من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كاليونان وقبرص وفرنسا – إلى صياغة حزمة من الآليات الدبلوماسية، دون أن تصل إلى تسوية قانونية شاملة.
ويستند هذا السيناريو إلى التجارب السابقة التي أظهرت أن تركيا واليونان قادرتان على إدارة خلافاتهما بشكل يتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، مع الإبقاء على مستوى من التوتر الوظيفي الذي يخدم الحسابات الداخلية لكلا الطرفين.
وتعزز احتمالية هذا السيناريو حسابات الضرورة الاقتصادية؛ فتركيا تحتاج إلى مناخ استثماري مستقر لتمويل مشاريعها التنموية، فيما لا تستطيع دول المنطقة الاستغناء عن قدر أدنى من التعاون في ملفات الطاقة والهجرة والأمن.
بيد أن هذا السيناريو يفضي، في أحسن أحواله، إلى تجميد النزاع لا حله.
السيناريو الثاني – التأجيل التشريعي وإعادة الصياغة:
يتضمن هذا السيناريو أن تقرر الحكومة التركية، في ضوء الضغوط الخارجية والاعتبارات الداخلية، تأجيل عرض المشروع أو إعادة صياغة بعض أحكامه الأكثر إثارة للجدل قبل تقديمه إلى البرلمان.
وقد يكون الدافع لذلك حرص أنقرة على عدم إضافة عبء جديد إلى ملف عضويتها في حلف الناتو خلال مرحلة بالغة الحساسية، أو سعيها إلى إحراز تقدم في مسار التطبيع مع الاتحاد الأوروبي.
غير أن هذا السيناريو لا يعني التخلي عن العقيدة، بل تأجيلاً تكتيكياً لبلوغ اللحظة المثلى للتشريع، إذ يرجح أن الاتفاقيات الثنائية المبرمة وتحركات البحرية التركية ستستمر استناداً إلى المنطق الاستراتيجي ذاته.
السيناريو الثالث – التصعيد الحاد وتفاقم الأزمات الإقليمية:
يجسد هذا السيناريو المسار الأكثر خطورة، إذ يقوم على أن إقرار القانون يشكل ذريعة قانونية لتحركات بحرية تصعيدية، كمحاولة عرقلة مشاريع التنقيب القبرصية–اليونانية أو إعاقة مد كابلات الطاقة والاتصالات.
وفي وقت يحتاج فيه شرق المتوسط إلى خفض التصعيد والتنسيق في مجال الطاقة والتعاون الأمني، تبدو أنقرة مصممة على إشعال أزمة جديدة.
وتجدر الإشارة إلى أن الحوادث البحرية غير المقصودة في المياه المتنازع عليها لم تعد مستبعدة في ضوء كثافة الوجود العسكري لمختلف الأطراف.
ويستلزم هذا السيناريو تدخلاً أمريكياً وأوروبياً فاعلاً لاحتواء التصعيد، غير أن ضعف منظومة الردع الدولي في المرحلة الراهنة يجعل هذا التدخل غير محسوم.
وبوصفه السيناريو الأعلى كلفة على جميع الأطراف، فإنه يبقى مثبطاً بالحسابات الاقتصادية المشتركة التي تجعل كلفة التصادم المفتوح باهظة على أنقرة ذاتها.
السيناريو الرابع – إعادة الرسم التفاوضي الشامل:
يمثل هذا السيناريو الأقل احتمالاً على المدى القريب، والأكثر استدامة على المدى البعيد.
وجوهره أن مشروع القانون يوفر ضغطاً كافياً يدفع إلى انطلاق مسار تفاوضي حقيقي متعدد الأطراف لإعادة رسم الحدود البحرية في شرق المتوسط ضمن إطار قانوني دولي شامل.
ويفترض هذا السيناريو إدراك الأطراف كافة أن الوضع الراهن، الذي يتسم بتناثر الاتفاقيات الثنائية وتراكم المطالبات المتضاربة، غير قابل للاستمرار، وأن التنمية المشتركة لموارد الطاقة تخدم الجميع أكثر مما تفعل حروب الخرائط المتبادلة.
لكن يشترط هذا السيناريو وجود وساطة دولية فاعلة قادرة على جمع الأطراف تحت مظلة واحدة، وتشجيع التسويات التي تقوم على مبدأ الإنصاف المعترف به في القانون الدولي.
خلاصة القول، يمثل مشروع قانون الوطن الأزرق التركي لحظة تحول نوعي في مسار التنافس البحري في شرق المتوسط؛ فهو يسرع الانتقال من مرحلة التنافس عبر الخرائط والخطاب السياسي إلى مرحلة الصراع عبر المنظومات القانونية والتشريعية.
وتكمن الخطورة الجوهرية لهذا التحول في أنه يضيق هامش المناورة الدبلوماسية ويعسر تسويات النوايا الحسنة، لأن التراجع عن حكم قانوني ملزم يكلف الحكومات أثماناً سياسية داخلية باهظة تتجاوز تكاليف التراجع عن تصريح أو خطاب شعبوي.
ومن ثم، تبقى ثلاثة متغيرات محورية تحدد مستقبل المشروع على المدى المنظور:
وفي غياب هذه المتغيرات الموازنة، يبقى شرق المتوسط أمام مرحلة حرجة من الاستقرار الهش، الذي يرتكز على موازين قوى متغيرة في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد والتشابك.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير