تقدير موقف

ثلاثة أشهر من الحرب على إيران.. فماذا حقق ترمب فعلاً؟


  • 29 مايو 2026

شارك الموضوع

تدخل الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران غدًا الخميس، 28 مايو (أيار) 2026، شهرها الثالث، بينما تبدو واشنطن أبعد ما تكون عن النصر السريع الذي بنى عليه ترمب ما أسماه عمليته العسكرية منذ بدايتها في فجر 28 فبراير (شباط) 2026، بإيعاز من نتنياهو ورئيس الموساد، وتأييد من روبيو وهيغست وغيرهما من صهاينة واشنطن.

وفي هذه الأثناء، تخرج علينا اليوم الأربعاء، 27 مايو (أيار) الجاري، شبكة “إن بي سي” الأمريكية لتخبرنا أن البنتاغون أعد بالفعل قائمة جديدة بالأهداف الإيرانية التي يمكن ضربها إذا قررت إدارة دونالد ترمب استئناف العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران.

وتقول الشبكة في تقريرها إن هذه الأهداف أكثر تعقيدًا وأشد تحصينًا من تلك التي تعرضت للقصف خلال الأسابيع الماضية. وفي الوقت نفسه، نفذت القوات الأمريكية ضربات جديدة ضد زوارق ومنصات صاروخية تابعة للحرس الثوري الإيراني قرب بندر عباس، تحت عنوان مثير للسخرية أسمته “الدفاع عن النفس”.

وبدورها، ردت طهران على هذه الضربات بالتهديد الصريح بإفشال أي اتفاق ورفع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل إذا استمرت الهجمات الأمريكية.

وفي هذا السياق، نطرح السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه الآن في كل مكان في العالم، حسبما أعتقد، وهو ليس: هل ستعود الحرب؟

بل: ماذا حقق ترمب، وماذا حققت الولايات المتحدة أصلًا بعد ثلاثة أشهر من القصف والعقوبات والضغط على إيران؟

الجواب شبه الموحد في كل ما اطلعت عليه من تحليلات روسية وغربية وعربية موضوعية بات واضحًا: نعم، حققت واشنطن نجاحات تكتيكية يمكن وصفها بالكبيرة والواسعة.. لكنها.. لكنها فشلت حتى الآن في تحقيق انتصار استراتيجي، ولم تحقق ولا هدفًا واحدًا من أهدافها الرئيسية الاستراتيجية للحرب، سواء تلك التي أعلنها ترمب في لحظة إطلاقه العملية، أو تلك الخفية التي يعرفها من يدركون بواطن الأمور العميقة، ومنها مثلًا السيطرة على ممرات الطاقة الرئيسية والتحكم في منابع النفط الخليجية والشرق أوسطية كلها، واستخدام النفط سلاحًا فتاكًا ضد الصين وروسيا وتجمعاتهما ومنظماتهما الصاعدة عالميًا.

المثير لدوران الرأس في هذه التطورات أنها تأتي بينما كانت وسائل إعلام أمريكية وغربية تتحدث عن اقتراب اتفاق مؤقت بين واشنطن وطهران يشمل تمديد التهدئة، وفتح مضيق هرمز، واستئناف التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني.

فقد أعادت الضربات الأمريكية الأخيرة المشهد إلى نقطة أكثر خطورة، ودفعت غالبية التحليلات الموضوعية، ودفعتني معها، إلى استنتاج واضح، وهو أن طرفًا له مصلحة في ألّا تنتهي الحرب الآن، ولديه المقدرة على تحريك الآلة العسكرية والسياسية الأمريكية في هذا الاتجاه. فضلًا عن ذلك، يتضح أن الحرب لم تعد أزمة تفاوض فحسب، وإنما أصبحت أزمة عجز أمريكي حقيقي عن الحسم.

فمن الناحية العسكرية البحتة، لا أحد ينطلق في حكمه أو تحليله من مبدأ الواقعية الموضوعية ينكر، أو يمكنه أن ينكر، أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية ألحقت أضرارًا ضخمة بالبنية العسكرية الإيرانية وبقيادات الحرس الثوري، وكذلك بشبكات الصواريخ والدفاعات الجوية.

بل ولا نكون مبالغين إذا تحدثنا عن استنزاف حقيقي وقع لقدرات إيران التقليدية، وذلك استنادًا إلى تقارير عسكرية تتحدث بالأرقام والبيانات المحققة عن العمليات. لكن، في مقابل ذلك، لا بد من الإقرار مجددًا بأن الأهداف السياسية الأساسية للحرب لم تتحقق.

بمعنى أن النظام الإيراني لم يسقط، والبرنامج النووي لم يتم القضاء عليه تمامًا، أو حتى بدرجة شبه كاملة، والقدرة الإيرانية على تهديد هرمز لم تُكسر ولم تُلغَ تمامًا. بل والأدهى من ذلك كله هو أن شبكات النفوذ الإقليمية المرتبطة بطهران ما زالت تعمل بدرجات متفاوتة، وهي من الأهداف الأساسية للمستفيد الرئيسي من الحرب ومؤجج نارها الفعلي، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

بل إن وكالة “رويترز” نقلت، قبل أيام قليلة، عن مسؤولين إيرانيين كبار، أن المرشد الإيراني، مجتبى خامنئي، أصدر توجيهات بعدم إخراج اليورانيوم المخصب من البلاد، في إشارة إلى رفض طهران تقديم التنازل المركزي الذي كانت إدارة ترمب تسعى إليه منذ البداية.

وهنا بالتحديد تبدأ المشكلة الأمريكية الكبرى، في اعتقادي، مشكلة ترمب نفسه، وذلك أن الرئيس الأمريكي منذ البداية أعلن أنه دخل الحرب على أساس فرضية بسيطة، وهي أن الضغط العسكري والاقتصادي سيؤديان إما إلى انهيار النظام أو إلى خضوعه الكامل لأوامر وإملاءات ورغبات سيد البيت الأبيض.

لكن ما لدينا اليوم، بعد ثلاثة أشهر من إطلاقه هذه الحرب العبثية تمامًا بالنسبة للمصالح الأمريكية الحقيقية، أن إيران تبدو أقرب إلى استراتيجية الصمود الطويل منها إلى الاستسلام.

ومن الواضح تمامًا، على الأقل بالنسبة لي، أن طهران استفادت من عدة عوامل لم تكن واشنطن تتوقعها بالكامل. العامل الأول هو أن إيران تعاملت مع الحرب باعتبارها “حرب بقاء”، وهذا ما يبدو أن الأمريكيين لا يدركونه، ومن أين لهم ذلك؟ فأنّى لهم فهم العقيدة الشيعية في الحرب والبقاء ورمزية التضحية والفداء…؟؟؟!

إن هذا النوع من الحروب يمنح الأنظمة العقائدية المتعلقة بالسماء ـ سواء كنا نتفق أو نختلف مع هذه الاعتقادات، فليس مرادي أن أقيم أو أفسر العقائد الدينية المجردة هنا ـ قدرة أعلى على تحمل الخسائر مقارنة بما نسميه الديمقراطيات الغربية الحساسة تجاه الأمور الدنيوية البحتة مثل الاقتصاد والرأي العام.

والعامل الثاني أن إيران نجحت في نقل المعركة من خانة القصف والقصف المتبادل التقليدي في الحروب إلى معركة على أمن الطاقة العالمي نفسه، ويا لها من حركة ذكية. وأنا لا أمتدحهما من منطق الموافقة عليها، وإنما من منطق التقدير التحليلي لتصرف طرف في حرب وجودية ينجح بدهاء في استخدام كل الأوراق التي تمثل بالنسبة له طوق النجاة، خاصة أمام عالم منافق يطالبه باحترام القوانين والحقوق فقط عندما تمس مصالح الأقوياء.

وهذه نقطة أعتبرها مركزية للغاية، وما أرمي إليه أن الحرب أثبتت، بعد ثلاثة أشهر من استمرارها، أن السيطرة على هرمز لم تعد تحتاج إلى أسطول بحري ضخم، وإنما فقط إلى مزيج من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة والألغام والضغط النفسي على شركات الشحن والتأمين.

ولهذا، فإن أخطر ما فعلته إيران، ونجح في تنفيذه الحرس الثوري، في رأيي، ليس فقط ضرب القواعد الأمريكية، على الرغم من رمزية ذلك غير المسبوقة عالميًا. فقولوا: من تجرأ منذ نصف قرن أو أكثر على ضرب قواعد أمريكا بهذا الشكل المهين؟؟! وليس فقط تعطيل الملاحة مؤقتًا.

وإنما أخطر ما فعله الحرس الثوري هو إثبات أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على ضمان حرية الطاقة العالمية كما كانت منذ التسعينيات، وليس فقط ليست قادرة على حماية حلفائها.

وهذا ـ لو تعلمون ـ تطور استراتيجي ضخم يا سادة.

وأراني لا أبالغ إن قلت اليوم، بعد الصمود الإيراني العجيب، بقدرات إيرانية خالصة، وبدعم بسيط من حلفاء، أقول: أراني لا أبالغ إن وصفت ما جرى من إيران المحاصرة والمعاقبة منذ 47 عامًا بأنه بداية نهاية الاحتكار الأمريكي لأمن الخليج.

وإذا انتقلت إلى روسيا وموقفها، باعتبار أني أراقب من داخلها، فالموضوعية تقتضي مني الإقرار بأن هذه الحرب، وفي هذا التوقيت، منحت موسكو مكاسب مهمة. أولها ارتفاع أسعار النفط الذي انعكس مباشرة على الأوضاع الاقتصادية الداخلية، وسعر صرف الروبل هذه الأيام خير دليل.

كما أن الحرب فرضت على الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، ضرورة تخفيف الضغوط على الطاقة الروسية، نفطًا وغازًا.

كما أنها ـ وهذا من الأمور بالغة الأهمية بالنسبة للكرملين وبوتين في الظروف الراهنة ـ أدت إلى تحويل جزء ليس بالصغير ولا البسيط من الاهتمام الأمريكي بعيدًا عن أوكرانيا، إضافة إلى استنزاف المخزون العسكري الأمريكي، وهو ما نرى تبعاته ماثلة أمام أعيننا في الضربات الروسية القوية ونفاذها إلى قلب كييف هذه الأيام أيضًا.

وهذه كلها عناصر تراها النخبة الروسية فوائد مباشرة للحرب الحالية، بل إن بعض التحليلات الغربية نفسها اعترفت بأن “الرابح الأكبر اقتصاديًا حتى الآن هو روسيا”.

لكن هنا ينبغي علينا التدقيق جيدًا، بمعنى أن القراءة الواقعية تخبرنا أن روسيا لا تريد انهيار إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد انتصارًا إيرانيًا ساحقًا.

وهذه هي النقطة التي تؤكدها تقريبًا كل مدارس التحليل الروسية الجادة التي أقرأ بشكل مستمر ما تنشره من تحليلات عن العلاقة بين موسكو وطهران، وعن أبعاد ومحددات التقارب الروسي–الإيراني الحالي. وكلها تجمع، حسب فهمي الشخصي بالطبع، على أن التقارب الحاصل بين البلدين لا يجوز أن ننظر إليه ولا نتعامل معه باعتباره تحالفًا عقائديًا مغلقًا، وإنما هو، في جوهره، شراكة مصالح متقاطعة، وهي شراكة حقيقية بكل معنى الكلمة، لكنها تقوم في الأساس على الاستفادة المشتركة من استنزاف النفوذ الأمريكي، مع بقاء حسابات مستقلة لكل طرف.

وهذه العلاقة، بالمناسبة، يمكننا أن نسقطها بالنص والصورة على العلاقة الروسية–الصينية الحالية، وإن مع اختلافات طفيفة، وهذا مجددًا رأيي الشخصي الذي لا أفرضه.

وأستند في رأيي هذا إلى الواقع المشاهد، والذي يقول إن موسكو حافظت طوال الحرب على سياسة مزدوجة؛ فهي نعم قدمت دعمًا سياسيًا واضحًا لإيران، لكنها لم تنخرط عسكريًا بشكل مباشر، بل ولم تتبنَّ في العلن الخطاب الإيراني الأكثر تصعيدًا بالكامل.

والكرملين، في رأيي، يدرك أن الحرب المفتوحة الطويلة قد تتحول لاحقًا إلى فوضى إقليمية تضر حتى بالمصالح الروسية نفسها، ولهذا السبب تكرر موسكو باستمرار استخدام لغة الحلول السياسية، والحق الإيراني في التخصيب السلمي، وضرورة التسويات التفاوضية، والخ…

لكن، في الوقت نفسه، هناك قراءة روسية أكثر قسوة للمشهد الأمريكي. ففي تقدير دوائر قريبة من مجلس الأمن الروسي، أصبحت إدارة ترمب أسيرة ثلاث أزمات متداخلة: أولها أزمة الصورة، وثانيها أزمة الوقت، وثالثها أزمة الخيارات.

أزمة الصورة لأن ترمب قدم هذه الحرب باعتبارها عملية سريعة ستفرض “شرق أوسط جديدًا” وتعيد الردع الأمريكي. أما اليوم، فحتى الصحافة الأمريكية نفسها بدأت تتحدث عن حرب لم تحقق أهدافها الأساسية. بل وبلغ الأمر ببعض التحليلات الغربية إلى الذهاب أبعد من ذلك، معتبرة أن واشنطن تواجه خطر الخروج من الحرب أضعف بكثير مما دخلتها.

أما أزمة الوقت، فهي تكمن في أن استمرار الحرب يضغط بقوة على الاقتصاد الأمريكي، وعلى أسعار الطاقة، وعلى الأسواق العالمية، بينما تقترب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، ويزداد الانقسام داخل الحزب الجمهوري نفسه حول جدوى الحرب.

أما أزمة الخيارات، فهي الأخطر، وذلك لأن واشنطن، وفقًا لكل المؤشرات والمعطيات التي أمامنا اليوم، لا تملك مسارًا واضحًا للحسم. ما أقصده هو أن الضربات الجوية وحدها لم تُسقط نظام طهران، ولن تسقطه، حسبما يؤكد كل خبراء الحروب وتغيير الأنظمة بالقوة.

والحرب البرية شبه مستحيلة سياسيًا وعسكريًا، وإلا ستكون انتحارًا سياسيًا وعسكريًا، على الأقل مع كل معطيات وبيانات واعتبارات الوضع العسكري الحالي في المنطقة والوضع السياسي في واشنطن نفسها.

والاتفاق التفاوضي بشروط ترمب يبدو الآن بعيدًا، بل وشبه مستحيل، إذ لا أعتقد أن أحدًا في طهران يريد أن يلعب دور المختل الذي يوافق عليه. ولهذا بدأت تظهر داخل الإدارة الأمريكية حالة تذبذب واضحة؛ فهي يومًا توجه تهديدات بالحرب، وفي اليوم التالي تتحدث عن اتفاق، ثم ها هي تعود اليوم من جديد للتلويح بضربات جديدة.

ونقطة أخرى مهمة أعتقد أنها تستحق لفت الانتباه إليها، وهي الدور الصيني في كل ما يحدث في ملف حرب إيران في اللحظة الراهنة.

إن مما لا شك فيه بالنسبة لي أن بكين أصبحت أحد العوامل الأساسية في صمود إيران. فالصين لم تنضم إلى العقوبات الأمريكية بالشكل الذي أرادته واشنطن، بل والأهم من ذلك أنها استمرت في شراء النفط الإيراني، وإن بطرق مختلفة وعبر الالتفاف الذكي على كل محاولات إعاقة ذلك. كما أنها رفضت، حسبما لدينا من معلومات، استخدام نفوذها للضغط الحاسم على طهران خلال زيارة ترمب الأخيرة إلى بكين.

وهذا كله له معنى واحد: الصين لا تريد حربًا شاملة، لكنها أيضًا لا تريد انتصارًا أمريكيًا يعيد تثبيت الهيمنة الأمريكية في الخليج وآسيا معًا في الوقت نفسه.

لذلك تشير كل المؤشرات إلى أن الحرب الحالية أصبحت جزءًا من الصراع العالمي الأكبر بين الولايات المتحدة من جهة، وما يجوز لنا تسميته محور روسيا والصين من جهة أخرى.

أما إيران نفسها، فإنها تبدو، في وجهة نظري، وكأنها انتقلت من مرحلة الدفاع عن النظام إلى مرحلة فرض قواعد تفاوض جديدة.

وختامًا أقول إن أخطر ما كشفته الحرب خلال ثلاثة أشهر ليس قوة إيران وحدها، وإنما كشفها حدود القوة الأمريكية نفسها في عالم أثبتت فيه هذه الحرب، وحروب أخرى جارية بالتوازي، أن القصف وحده لا يكفي.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع