
استيقظت موسكو فجر الأحد، 17 مايو (أيار) 2026، على واحدة من أوسع موجات الهجمات بالطائرات المسيّرة منذ بداية الحرب. فقد أعلنت السلطات الروسية أن الدفاعات الجوية أسقطت عشرات وعشرات المسيّرات التي كانت تتجه نحو العاصمة، فيما تحدثت وزارة الدفاع الروسية عن إسقاط 556 مسيّرة فوق أكثر من 15 مقاطعة روسية، من بينها شبه جزيرة القرم والبحران الأسود وآزوف، خلال الليل وحتى السابعة صباحا، قبل أن ترفع وزارة الدفاع الروسية هذا الرقم لاحقا، في بيانها الرسمي، إلى 1054، إضافة إلى 8 قنابل جوية موجهة، وقذائف من راجمات “هيمارس”، وصاروخ كروز بعيد المدى من طراز “فلامينغو” الأوكراني (البريطاني في الواقع)، وصاروخ آخر موجه بعيد المدى من طراز “نبتون-إم دي”. وهكذا، يُعد هذا الرقم من بين الأعلى منذ اندلاع الحرب عام 2022.
المعطيات الأولية، حتى لحظة كتابة هذه السطور، تشير إلى إصابة 12 مدنيا جراء الهجمات أو سقوط الحطام، بينما قُتل ثلاثة أشخاص على الأقل في ضواحي العاصمة. وهذا، بلا شك، تطور جديد يعكس انتقال الحرب من مرحلة الضغط العسكري على الأطراف الحدودية إلى مرحلة استهداف المجال المدني واللوجستي المحيط بموسكو نفسها بشكل متكرر.
ما يثير الانتباه بالطبع لم يكن الرقم وحده، على الرغم من ارتفاعه، بل تغير طبيعة الأهداف التي طالتها الهجمات. فالتقارير الروسية المحلية تتحدث عن سقوط مسيّرة قرب بوابة “مصفاة موسكو للنفط”، وهي المصفاة التي تزود العاصمة والضواحي بالوقود ومشتقات النفط الأخرى. وقد أدى هذا الاستهداف إلى إصابة مجموعة من العمال في موقع بناء داخل المنشأة، رغم تأكيد السلطات الرسمية أن العمليات التكنولوجية للمصفاة لم تتعطل.
وبالطبع، فإن استهداف منشأة نفطية بهذا الحجم قرب العاصمة يحمل دلالة خطيرة. فهذا يعني، إذا ترجمناه إلى لغة مباشرة، أن أوكرانيا لم تعد تستهدف فقط البنية العسكرية التقليدية، بل تحاول ضرب اقتصاد الحرب الروسي، بما يشمل الطاقة والنقل والإمداد.
وفي منطقة خيمكي شمال موسكو، أعلن محافظ مقاطعة موسكو، أندريه فوروبيوف، مقتل امرأة بعد إصابة منزلها الخاص بطائرة مسيّرة، مع بقاء شخص آخر تحت الأنقاض في الساعات الأولى للهجوم. وفي قرية بوغوريلكي التابعة لمدينة ميتيشي، وهي مدينة تقع في الضاحية الشمالية الشرقية للعاصمة، قُتل رجل وامرأة بعد إصابة منزل قيد الإنشاء بمسيّرة، بينما تعرضت منازل أخرى لأضرار مباشرة نتيجة استهدافات المسيّرات.
أما في كراسنوغورسك الواقعة شمال غربي موسكو، والتي تتبع إداريا لمقاطعة موسكو وليس للعاصمة، فقد أصابت مسيّرة مبنى سكنيا متعدد الطوابق، وهو المبنى الذي تتناقل وسائل الإعلام صوره، ما أدى إلى تضرر عدة شقق من دون وقوع ضحايا بين السكان. وفي منطقة إيسترا، أصابت المسيّرات مبنى سكنيا في ديدوفسك، وستة منازل خاصة في بلدة أغروغورودوك، مع إصابة ثلاثة رجال وامرأة، وفق البيانات الأولية، فضلا عن عدد من الإصابات والخسائر الأخرى في عدة قرى وبلدات في الضواحي القريبة.
ومع كل ما أوردته أعلاه، يظل التأثير الأكبر في استهدافات الأمس ما حدث في قطاع النقل الجوي. فمطارات موسكو الرئيسية، وعلى رأسها شيريميتيفو وفنوكوفو، اضطرت إلى تعليق العمل مؤقتا خلال الليل.
والأخطر، في رأيي، كان إعلان إدارة مطار “شيريميتيفو” الدولي سقوط حطام مسيّرة داخل أراضي المطار. وعلى الرغم من تأكيدها عدم وقوع إصابات أو أضرار مباشرة، فإن الحادث أدى إلى اضطرابات واسعة في حركة الطيران. أضف إلى ذلك ما قد يشكله من ضغط نفسي على الركاب الذين يتنقلون داخليا في أنحاء روسيا الشاسعة عبر الرحلات الداخلية من هذا المطار تحديدا. كما أشارت البيانات الأولية لسلطات المطار إلى تأجيل أو إلغاء أكثر من 200 رحلة في شيريميتيفو وحده، وأكثر من 75 رحلة في مطار فنوكوفو.
وبالتالي، يصبح هذا الهجوم الأوكراني هو الأكبر منذ فترة طويلة من حيث الكثافة، والامتداد الجغرافي، والأثر المدني. والمعنى الذي أقصده هنا أن أوكرانيا لم تكتف بمحاولة الوصول إلى أهداف عسكرية، بل دفعت الحرب إلى المجال اللوجستي والمدني المحيط بالعاصمة الروسية، فشملت هجماتها مطارات، ومنازل سكنية خاصة، ومنشآت بنية تحتية شديدة الأهمية، كمصفاة موسكو التي ذكرتها أعلاه.
كما أن الدلالة المهمة في هذا الصدد أيضا هي أن الهجوم لم يتركز على موسكو وحدها. ففي مقاطعة روستوف، أعلن الحاكم يوري سلوسر أن الدفاعات الروسية تصدت لهجوم بالمسيّرات فوق مناطق تاغانروغ وأزوف ونيكلينوفسكي، وأن حطام مسيّرة سقط على سقف أحد مباني مجمع الأطفال الصحي “سبوتنيك” في قرية ناتالييفكا، وهو معسكر صيفي للأطفال، من دون اندلاع حريق أو وقوع إصابات.
ورغم تأكيد الحاكم عدم تسجيل ضحايا هناك، فإن استهداف أو سقوط حطام قرب منشأة للأطفال سوف تستخدمه السلطات الروسية والإعلام الروسي، بلا شك، باعتباره دليلا إضافيا على أن الحرب الأوكرانية بالمسيّرات لم تعد تميز بين العمق العسكري والمجال المدني.
وإذا انتقلنا إلى تقييم الوضع على الأرض داخل مناطق القتال، نجد أن وزارة الدفاع الروسية أعلنت أيضا أن القوات الروسية استهدفت، خلال اليوم، مراكز تجميع الطائرات المسيّرة الأوكرانية ونقاط الانتشار المؤقتة للقوات الأوكرانية والمرتزقة الأجانب في 164 منطقة.
كما أعلنت تحييد نحو 1115 عسكريا أوكرانيا خلال أربع وعشرين ساعة، موزعين على محاور القتال المختلفة في الشمال والغرب والجنوب والمركز والشرق ودنيبر. وبالطبع، وكما أشرنا سابقا أكثر من مرة، لا يمكن التحقق من دقة هذه الأرقام، لكن ما يهمنا في التحليل هنا أنها تأتي في سياق محاولة روسية واضحة للربط بين هجوم المسيّرات على العمق الروسي واستمرار المبادرة الميدانية الروسية على الجبهة، بمعنى أن هذا الربط أساسي بالنسبة للجانب الروسي.
فقبل يوم واحد فقط، قام رئيس هيئة الأركان العامة، فاليري غيراسيموف، بجولة تفقدية داخل مواقع مجموعة قوات “الغرب”، وتحدثت البيانات والتقارير التي استمع إليها من القادة الميدانيين، والتي جرى بثها على القنوات الروسية الرسمية، عن عمليات هجومية نشطة على امتداد نحو 350 كيلومترا، وعن تقدم روسي في عدد من المحاور، أهمها السيطرة على 85% من ليمان.
وفي هذا الربط يمكننا أيضا قراءة رسالة روسية مفادها أن الهجمات الأوكرانية على موسكو والعمق الروسي لا توقف الضغط الروسي على الأرض في ميادين المعارك والقتال المباشر. بيد أن الرسالة الأوكرانية تبدو مختلفة، فإذا كانت روسيا تريد تثبيت المبادرة على الجبهة، فإن كييف قادرة على جعل العمق الروسي نفسه جزءا من الحرب، وبالتالي رفع التكلفة المعنوية والمادية على الكرملين.
ومن الواضح أن الهجمات الأوكرانية الواسعة ركزت على ثلاثة اتجاهات. أولها الأرقام، التي خرج زيلينسكي، في تصريحات أدلى بها قبل ساعات، ليتباهى بها ويؤكدها، مع تفاخره باتساع جغرافيا الاستهداف، التي شملت، حسب البيانات الروسية الرسمية، موسكو، والقرم، وكراسنودار، وروستوف، وبيلغورود، وبريانسك، وكالوغا، وسمولينسك، وبسكوف، والبحرين الأسود وآزوف، ومناطق أخرى.
أما الاتجاه الثاني لهذه الهجمات، فهو أثرها المباشر على النقل، والمطارات، والبنية المدنية، خصوصا عندما تتأثر حركة الطيران في المطارات الرئيسية، مثل “شيريميتيفو”.
والاتجاه الثالث، الذي يمكن استشفافه من تحليلات الخبراء العسكريين، هو أن هذا الهجوم يمثل انتقالا أوكرانيا إلى نمط “الإغراق الجوي”، أي إرسال عدد ضخم من المسيّرات والصواريخ المحدودة لإرباك طبقات الدفاع الجوي الروسية المتعددة، وبالتالي استنزافها.
ومع ذلك، لا يعني هذا النمط بالضرورة أن أوكرانيا تستطيع تدمير البنية الدفاعية الروسية حول موسكو، لكنه يعني أنها تستطيع رفع كلفة الحماية.
فإسقاط أكثر من ألف مسيّرة خلال يوم واحد، بحسب الرواية الروسية حتى لحظة كتابة هذه السطور (14:38 بتوقيت موسكو)، يعني أن الدفاعات الجوية عملت بكثافة عالية جدا، وأن مراكز القيادة والرصد والمطارات والسلطات المحلية دخلت جميعها في وضع استنفار ممتد.
وفي الحروب الطويلة، حسبما يقول الخبراء العسكريون، فإن هذا النوع من الضغط لا ينبغي قراءته من زاوية قياس ما يتم تدميره من وسائل هجوم العدو فحسب، وإنما من زاوية ما يفرضه من استنزاف يومي على الدولة ومنشآتها المدنية والصناعية ووسائلها الدفاعية.
كما أن هناك مستجدا موازيا تجدر الإشارة إليه، لأنه يزيد صورة حرب أوكرانيا تعقيدا، وهو ما يتعلق برصد متكرر لامتداد حرب المسيّرات إلى المجال الأوروبي. وما أقصده هنا هو إعلان القوات المسلحة اللاتفية رصد طائرة مسيّرة، وصفتها بالمجهولة، في مجالها الجوي اليوم الأحد، 17 مايو (أيار) 2026، قبل خروجها من البلاد، مع تفعيل إنذارات في مناطق شرقية، ونشر مقاتلات تابعة لمهمة الشرطة الجوية التابعة للناتو في البلطيق. والمثير في هذا الإعلان أنه جاء بعد يوم واحد فقط من استقالة رئيسة وزراء لاتفيا بسبب حادث مشابه ومرتبط بالحرب أيضا.
والحادث الذي أعنيه وقع يوم 7 مايو (أيار) الجاري، عندما سقطت مسيّرات على منشأة نفطية في ريزكنه شرقي البلاد، ما أدى إلى تضرر أربعة خزانات، وأثار أزمة سياسية داخلية انتهت باستقالة وزير الدفاع اللاتفي، أندريس سبرودس، في 10 مايو (أيار).
كما تحدثت مصادر لاتفية وروسية حينها عن أن التقديرات الأولية تشير إلى أن الطائرات المسيّرة كانت قد أُطلقت من الجانب الأوكراني باتجاه روسيا، ودخلت الأجواء اللاتفية، ولم تتصد لها الدفاعات اللاتفية لأسباب غير مفهومة، رغم انتهاكها المجال الجوي للبلاد. وهذا التفصيل مهم، لأنه يوضح أن حرب المسيّرات لم تعد محصورة في روسيا وأوكرانيا، بل بدأت تلامس أجواء دول الناتو، حتى لو قيل إن ذلك حدث من باب الخطأ أو الانحراف أو بسبب التشويش.
وبالطبع، يمكن النظر إلى موجة الهجوم الأوكراني الكبيرة هذه على أنها محاولة من زيلينسكي وكييف لتعويض عجزهما عن وقف التقدم الروسي الميداني عبر تحويل الحرب إلى صداع يومي في العمق الروسي، وإنهاك منظومة الدفاع الجوي، وقدرة الكرملين على إدارة الأزمات المدنية.
لكن يطرح سؤال نفسه هنا: كيف سيتعامل الأوروبيون مع هذه الهجمات، في وقت بدأوا فيه يتحدثون عن ضرورة الجلوس مع بوتين لإيجاد حل للصراع؟
والجواب الذي أراه، من واقع متابعة ردود الفعل، هو أن الغرب الأوروبي يبدو متقبلا لهذه الهجمات، وإن لم يصرح بذلك علنا، لأنه يرى فيها وسيلة لاستنزاف روسيا طالما أنها لا تؤدي إلى صدام مباشر مع الناتو.
لكن حادثة لاتفيا تكشف أن هامش الخطأ يتسع، وقد يؤدي إلى عواقب غير سارة على الأقل لبعض الأطراف. بمعنى أن دخول مسيّرة إلى مجال دولة عضو في الناتو، ثم تحليق مقاتلات في سماء البلطيق، وتفعيل الإنذارات، واندلاع الجدل السياسي حول المسؤولية، ثم استقالات سياسية كبيرة، كلها مؤشرات على اتساع رقعة المخاطر.
زيلينسكي، في تعليقه الذي أشرت إليه أعلاه على وصول الضربات إلى منطقة موسكو، وصف هذه الهجمات بأنها “عقوبات بعيدة المدى”. وهذه اللغة ليست عسكرية، بل سياسية بامتياز. فالرئيس الأوكراني يريد القول إن استمرار الحرب الروسية يعني أن المدن الروسية، ومصافيها، ومطاراتها، ومنشآتها اللوجستية، لن تبقى بمنأى عن الاستهداف.
وهو يحاول بذلك إخبارنا بأن ما يحدث يمثل جزءا من محاولة لتعديل ميزان الإحساس بالحرب داخل روسيا، وليس فقط تعديل ميزان القوة على الجبهة عبر الرد على التقدم الروسي الميداني بضرب عمق المدن الروسية، وخاصة العاصمة وضواحيها.
لكن ذلك يمنح موسكو والكرملين أيضا ورقة إعلامية ودعائية مهمة، لأنهما، بلا شك، سيستخدمان حصيلة هذا اليوم في الاتجاه المعاكس.
ما أرمي إليه هو أن سقوط حطام على منشأة للأطفال في روستوف، ومقتل مدنيين في ضواحي موسكو، وتضرر منازل خاصة، وسقوط حطام في مطار مدني، وهو “شيريميتيفو” الدولي، كلها عناصر ستدخل في خطاب روسي متصاعد عن “استهداف المدنيين” و”الإرهاب الأوكراني”.
وبناء عليه، سوف يمنح ذلك بوتين مبررا أخلاقيا وقانونيا لتوسيع الضربات الروسية في عمق الأراضي الأوكرانية.
إن تطورات يوم 17 مايو (أيار) لا تمثل فقط ذروة رقمية في حرب المسيّرات، بل تعكس أيضا تحولا في طبيعة الضغط المتبادل.
فموسكو تقول إنها أسقطت 1054 مسيّرات خلال 24 ساعة، وهذا رقم سيقدمه الإعلام الروسي باعتباره دليلا على كفاءة الدفاعات الجوية.
لكن هذا الرقم نفسه يمكن قراءته من زاوية أخرى، فهو يعني أيضا أن أوكرانيا باتت قادرة على إنتاج وإطلاق وإدارة موجات ضخمة من المسيّرات وأسرابها، بما يكفي لإجبار روسيا على تشغيل منظومتها الدفاعية بأعلى كثافة.
فالنجاح الدفاعي الروسي لا يلغي النجاح الضاغط الأوكراني. وكلما وسع الكرملين ضغطه على الجبهة، وسعت كييف ضغطها على العمق الروسي، وبين الجبهتين تتحول حرب المسيّرات إلى امتحان يومي لقدرة الدولة، بكل أجهزتها، وليس الجيوش فقط، على الصمود والاستمرار.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير