
شهدت روسيا يوم الجمعة 15 مايو (أيار) 2026 حدثين اقتصاديين مهمين؛ الأول كان اجتماعًا عقده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الحكومة بحضور رئيس الوزراء ونوابه ووزراء الكتلة الاقتصادية، أما الحدث الثاني فكان الجلسة العامة لمنتدى قازان الاقتصادي الدولي تحت عنوان جذاب: “روسيا والعالم الإسلامي: من نقاط على الخريطة إلى نقاط نمو.. توحيد المبادرات التكنولوجية والمالية”، وقد كنت بين حضورها.
خلال الاجتماع الحكومي المخصص للملف الاقتصادي، قال الرئيس الروسي إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الروسية خلال الأشهر الأخيرة بدأت تعطي نتائج إيجابية، واستند في هذا التقييم إلى بيانات شهر مارس (آذار) التي أظهرت نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.8%، وارتفاع تجارة الجملة بنسبة 8%، وتجارة التجزئة بنسبة 6.2%، والإنتاج الصناعي بنسبة 2.3%، والصناعات التحويلية بنسبة 3%.
المثير في تصريحات بوتين هذه أنها جاءت بعد أسابيع فقط من لهجة مختلفة تمامًا استخدمها بوتين نفسه يوم 15 أبريل (نيسان) 2026، أي قبل شهر بالتمام والكمال من تقييماته الجديدة، حين أقر علنًا خلال اجتماع أبريل (نيسان) بأن مسار المؤشرات الاقتصادية جاء دون توقعات الحكومة والبنك المركزي، وطالب بإجراءات إضافية لإعادة الاقتصاد إلى مسار النمو، وذلك بعد موجة من النقاش الحاد على مستوى دوائر خبراء الاقتصاد والفئات المهتمة في الشارع الروسي، تسببت فيها تصريحات الأكاديمي الروسي روبرت نيغماتولين، عضو الأكاديمية الروسية للعلوم، عن “كارثة اقتصادية” بسبب عدم كفاءة المسؤولين الاقتصاديين في الحكومة، وذلك في كلمته أمام “منتدى موسكو الاقتصادي” في أبريل (نيسان).
وبين تصريحي بوتين، الأول في منتصف أبريل (نيسان)، والثاني في منتصف مايو (أيار)، يبدو الكرملين وكأنه في حيرة بين الانتقال من مرحلة القلق الاقتصادي إلى مرحلة احتواء التباطؤ، لكن الأرقام الكلية، وما تقوله الصحف والمنصات الاقتصادية الروسية الموضوعية، تشير إلى أن الصورة ما تزال أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد تعاف اقتصادي أو “انتصار اقتصادي”، وهو ما حاول بعض الإعلام الروسي القريب من السلطة تصويره.
وبالعودة إلى الحدثين اللذين انطلقت منهما في هذا المقال، فإنني حاولت، عن طريق الربط بينهما، الكشف عن صورة أوسع للوضع. وما أقصده أنني لا أعتزم الخوض في أرقام كثيرة شهرية أو ربع سنوية، فلست خبيرًا في الاقتصاد، كما أنني لا أنوي تبني خطاب تفاؤلي للحكومة.
فبينما حاول الكرملين، خلال الاجتماع الحكومي، تقديم إشارات تهدئة للأسواق وللداخل الروسي، كانت جلسات منتدى قازان، التي حرصت على حضور أهمها، تكشف أمام عيني شيئًا أكثر عمقًا. ما أعنيه أنني خرجت باستنتاج، شخصي طبعًا، مفاده أن روسيا لم تعد تتحدث عن “الصمود أمام العقوبات”، وإنما تتحدث بصوت واضح وعال عن محاولة إعادة بناء النموذج الاقتصادي الروسي بالكامل على أسس جيوسياسية جديدة.
الوثائق والنقاشات الرسمية التي طُرحت خلال الجلسة العامة للمنتدى تحدثت بصراحة عن أن أولويات التنمية الروسية اليوم تتمثل في التحول شرقًا، أي نحو الصين وآسيا والعالم الإسلامي.
كما تحدثت كذلك عن ضرورة إعادة تشكيل الممرات اللوجستية والبنية التحتية، وحتى التوزع الاقتصادي الداخلي لروسيا نفسها. وقد عرضت الحكومة الروسية، ممثلة في نائب رئيس الوزراء مارات خوسنولين، مشاريع ضخمة مرتبطة بالممرات الدولية، مثل “شمال-جنوب” و”غرب-شرق”، فضلًا عن برامج البنية التحتية والإسكان والرقمنة، وقدّمتها كلها باعتبارها أساس المرحلة المقبلة، لا مجرد مشروعات تنموية تقليدية.
والمعنى هنا له أهمية كبيرة. وما أرمي إليه أن موسكو تنظر إلى الصعوبات الاقتصادية الحالية ليس بوصفها أزمة يمكن تجاوزها عبر إجراءات نقدية أو أدوات مالية، كما كان الحال في الفترة الأولى، أي فترة الصدمة.
وما أفهمه أنا من الاستراتيجية الاقتصادية الروسية، التي يرغب الكرملين ويسعى بوتين إلى تنفيذها مستغلًا هذا الوضع، هو إحداث انتقال استراتيجي في النموذج الروسي، انتقال طويل يُعاد خلاله توجيه الاقتصاد الروسي بالكامل بعيدًا عن النموذج الأوروبي الذي فرض نفسه على اقتصاد روسيا منذ لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي، فأصبح مرهونًا لأدواته، ولكن في الوقت نفسه من دون العودة إلى نموذج الاقتصاد السوفيتي الموجّه، الذي أثبت فشله هو الآخر، خصوصًا على المستوى الاجتماعي.
وبالعودة إلى الخطاب الرسمي، أي خطاب بوتين في اجتماع الحكومة، الذي بدا أكثر هدوءًا هذه المرة، تقتضي منا الموضوعية القول إن الأرقام الحقيقية لا تزال أكثر تعقيدًا من ذلك. نعم، صحيح أن بيانات مارس (آذار) المؤكدة أظهرت تحسنًا نسبيًا، بحسب ما تخبرنا الإحصائيات المنشورة رسميًا، لكن الصورة الكلية تخبرنا أن الاقتصاد الروسي سجل في الربع الأول من عام 2026 انكماشًا بنسبة 0.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
كما خفضت وزارة التنمية الاقتصادية الروسية توقعاتها لنمو الاقتصاد هذا العام من 1.3% إلى 0.4% فقط. وبلغ عجز الميزانية الفيدرالية خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام نحو 5.9 تريليون روبل، أي أعلى بكثير من العجز المخطط له أصلًا.
لذلك، من الصعب التعامل مع تصريحات بوتين الجديدة، التي قالها أمس الجمعة 15 مايو (أيار) خلال اجتماع الحكومة، على أنها إعلان نصر اقتصادي، بعد أسبوع فقط من الاحتفال بذكرى النصر العسكري المجيد والخالد على النازية.
ويشرح لنا خبراء الاقتصاد المحترمون هذه التصريحات البوتينية على أنها محاولة مهمة وجادة لاحتواء التباطؤ، والأهم منع تحوله إلى أزمة ثقة داخلية، وهي مساعٍ محمودة في رأيي.
والصحافة الاقتصادية التي راجعتها عند الإعداد لكتابة هذه السطور، فهمت مما كتبته أن تحسن مارس (آذار) لا يلغي حقيقة أن الاقتصاد الروسي دخل عام 2026 بزخم أضعف بكثير من العامين اللذين سبقاه، وكان السبب في ذلك تراجع إيرادات النفط والغاز، مع ارتفاع الإنفاق العسكري.
الحكومة الروسية نفسها، وتحديدًا كتلتها الاقتصادية، باتت أكثر تحفظًا في توقعاتها، وهذا الموقف يعكس، من وجهة نظري، إدراكًا داخل دوائر صنع القرار بأن اقتصاد الحرب وصل إلى مرحلة أكثر حساسية. بمعنى أن الحفاظ على الاستقرار المالي أصبح أكثر صعوبة من مجرد تحقيق النمو العددي.
ومما لفت انتباهي أيضًا إشارات إلى تناقض واضح بين تحسن بعض مؤشرات شهر مارس (آذار)، وبين استمرار ما يصفه خبراء الاقتصاد بالضغوط البنيوية، مثل أسعار الفائدة المرتفعة، ونقص العمالة، وتباطؤ الاستثمار في المجال المدني، فضلًا عن ضغط الإنفاق الدفاعي المرتفع على الميزانية.
وهنا تتجلى أمام ناظرنا المعضلة الجوهرية الحقيقية. فالاقتصاد الروسي، بلا شك، لم ينهَر، وليس قريبًا أبدًا من الانهيار الذي كانت تبشر به التقديرات الغربية “الرغائبية” و”التمنياتية” في بدايات الحرب، بل إن بعضها لا يزال يسير على المنوال نفسه، بما يؤدي إلى قرارات سياسية أوروبية أقل ما يقال عنها إنها غير حكيمة. لكن، في الوقت نفسه، لم يعد الاقتصاد الروسي، على الأقل في الوقت الراهن، يحقق ذلك النمو السريع، المبهر في حقيقة الأمر بالنسبة إلى أوضاع دولة كروسيا، خلال عامي 2023 و2024.
إذن، وكما يقول رجال الاقتصاد، يعيش اقتصاد روسيا اليوم مرحلة يمكن وصفها بمرحلة “الاستقرار المكلف”.
وما أقصده بهذا الوصف أن الواقع الموضوعي يخبرنا بأن الدولة الروسية، بالرغم من كل ما واجهته وتواجهه من تحديات الحرب والعقوبات، ما تزال قادرة على تمويل الحرب، بل وزيادة هذا التمويل، كما أنها ما تزال قادرة على ضبط القطاع المالي جيدًا والحفاظ على تماسكه، وفي الوقت نفسه تحافظ على معدلات البطالة عند مستويات منخفضة مقارنة بالأرقام الدولية.
وفي الوقت ذاته، توسّع تجارتها مع آسيا والعالم الإسلامي، وهذا هو البديل المنقذ والناجح.
لكن، مما لا شك فيه، أن كل هذا لا يأتي مجانًا، بل بتكلفة متزايدة؛ فالعجز المالي يرتفع، وتباطؤ نمو الدخول الحقيقية للمواطنين حقيقة لا يمكن إنكارها، والضغوط التضخمية تتزايد، وهذا كله يضطر الدولة إلى استنزاف متواصل للاحتياطيات، وزيادة الإنفاق العام.
ومن هنا تبدو أهمية منتدى قازان أكبر مما تبدو عليه ظاهريًا. فهذا المنتدى، في رأيي الشخصي طبعًا، لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه، فهو، على الأقل هذا العام، ظهر لي بحلة جديدة. بمعنى أنه لم يعد يلعب دور المنصة الاقتصادية للتعاون ومدّ الجسور مع دول العالم الإسلامي، كما جرت العادة على تصويره، بل بات محاولة روسية جيوسياسية وجيواقتصادية لإظهار أن موسكو تمتلك “خيارًا حضاريًا” و”اقتصاديًا” بديلًا عن الغرب.
وتحتاج روسيا اليوم، من وجهة نظري، إلى إعادة توجيه اقتصادها بسرعة، لأن النموذج القديم القائم على السوق الأوروبية، والطاقة الرخيصة، والعلاقات الاقتصادية مع الغرب، لم يعد قائمًا فعليًا في الواقع، والأحاديث عن إمكانية العودة إلى ما كان ليست سوى تمنيات غير قابلة للتحقيق، على الأقل في أفق عقدين أو ثلاثة من الزمن.
لذلك، يصبح السؤال الواقعي اليوم ليس: هل صمد الاقتصاد الروسي وحقق انتصارًا؟
ولكن: إلى أي مدى يستطيع الحفاظ على هذا الصمود إذا استمرت الحرب والعقوبات، ومعهما الاستنزاف المالي، بالوتيرة الحالية؟
ولو كنت قريبًا من بوتين، لقلت له: دعنا لا نفكر ولا نتحدث عن اقتصاد ما بعد الحرب، فهي سوف تنتهي عاجلًا أم آجلًا، ولكن لنفكر في اقتصاد إعادة التموضع الجيوسياسي.
تحول من الغرب إلى الشرق بخطوات أسرع، ودعك من أوروبا، فكم خدعتك. نعم، أرى أنك تتحرك بخطى ثابتة نحو آسيا، لكن حتى لا تتحول آسيا إلى “أوروبا جديدة”، اذهب أيضًا إلى العالم الإسلامي، فهو يعاني من التشرذم والتوهان، ويُمثل ساحة مناسبة جدًا الآن.
تخلص من نموذج العولمة الأوروبية، وطلّقه طلاقًا كاثوليكيًا، واصنع نموذجك الخاص للسيادة الاقتصادية، فكل شيء يُبنى فوق الاقتصاد. اربطه بقوة بالدولة، وبالبنية التحتية المتطورة والعصرية والقوية والمكتفية ذاتيًا، واربطه بالطاقة الهائلة التي تمتلكها، وبالممرات اللوجستية الجديدة التي تمر عبر أراضيك الشاسعة المثقلة بالثروات.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير