
أعلن العراق عن اكتشاف نفطي جديد وكبير في جنوب غرب البلاد قرب الحدود السعودية، في تطور يأتي في لحظة حساسة يواجه فيها العراق واحدة من أشد أزمات الطاقة والاقتصاد في تاريخه الحديث، نتيجة الصراعات الإقليمية وتعطل مسارات التصدير في الخليج.
تم اكتشاف الحقل الجديد في محافظة النجف بمحاذاة الحدود العراقية–السعودية من قبل شركة “زينهوا” الصينية، وقدّرت السلطات العراقية الاحتياطي المحتمل بنحو 8.835 مليارات برميل من النفط، مع قدرة إنتاج أولية تبلغ 3248 برميلاً يومياً من النفط الخام الخفيف.
وأعلن نائب رئيس الوزراء ووزير النفط العراقي، حيان عبد الغني، هذا الاكتشاف خلال اجتماع مع ممثلي الشركة الصينية، واصفاً الحقل بأنه إضافة استراتيجية طويلة الأمد للبنية التحتية لقطاع الطاقة العراقي.
وجرى الاكتشاف ضمن رقعة الاستكشاف “القرنين”، التي مُنحت للشركة الصينية خلال جولتي التراخيص الخامسة التكميلية والسادسة. وتمتد الرقعة على مساحة تقارب 8773 كيلومتراً مربعاً في جنوب غرب العراق، وتُعد منذ فترة طويلة إحدى أكثر مناطق الاستكشاف الواعدة غير المطورة في البلاد. وقد جرى التوقيع الرسمي على عقد تطوير الرقعة في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2024.
يأتي الإعلان في وقت يكثف فيه العراق جهوده لتنويع بنيته التحتية الخاصة بتصدير النفط، وسط تصاعد الاضطرابات في منطقة الخليج والتهديدات المتزايدة لإمدادات الطاقة العالمية.
وبحسب المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، صاحب البزون، فإن بغداد تعمل على تنفيذ خطط طوارئ للحفاظ على صادراتها النفطية في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على خطوط الشحن البحرية التقليدية.
ومع اعتماد أكثر من 90% من الاقتصاد العراقي على عائدات النفط، اضطرت الحكومة إلى البحث عن بدائل استراتيجية تقلل الاعتماد على المسارات الخليجية المعرضة للمخاطر، وخاصة مضيق هرمز.
ومن أبرز المقترحات المطروحة حالياً إعادة إحياء خط أنابيب النفط التاريخي بين العراق والسعودية، والذي يربط مدينة الزبير جنوب العراق بميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر.
يمتد خط الأنابيب لمسافة تقارب 1568 كيلومتراً، وقد أُنشئ خلال ثمانينيات القرن الماضي على مرحلتين. وكان ينقل ما يصل إلى 1.6 مليون برميل يومياً، ما جعله أحد أهم ممرات الطاقة في المنطقة.
وتوقفت عملياته في أغسطس (آب) 1990 بعد أزمة الخليج، ثم قامت السعودية بتأميمه عام 2001، ليبقى خارج الخدمة لأكثر من ثلاثة عقود، رغم محاولات عراقية متكررة لإعادته.
وبلغت التكلفة الأصلية للمشروع نحو 2.6 مليار دولار، وشمل بنية تحتية واسعة تضم مرافق تخزين ومحطات تحميل، ما يجعله مرشحاً جذاباً لإعادة التأهيل.
وفي حال استعادته للعمل، فسيوفر للعراق منفذاً مباشراً إلى البحر الأحمر، ما يقلل بشكل كبير من الاعتماد على مضيق هرمز، ويعزز مرونة الصادرات خلال الأزمات الإقليمية.
ويرى محللون أن المشروع قد يعزز العلاقات الاقتصادية بين العراق والسعودية، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون في مجال الطاقة.
رغم أهميته الاستراتيجية، لا تزال هناك عقبات عديدة تعرقل إعادة تشغيل الخط. فالمخاوف الفنية كبيرة بعد عقود من التوقف، إضافة إلى النزاعات القانونية غير المحسومة بشأن الملكية وحقوق التشغيل، والتي تتطلب مفاوضات حساسة بين بغداد والرياض.
كما تمثل التحديات الأمنية عاملاً رئيسياً، إذ إن تأمين هذا الممر الممتد عبر مساحات صحراوية واسعة يتطلب استثمارات ضخمة وترتيبات أمنية مشتركة.
وفي الوقت ذاته، يسعى العراق إلى بدائل إضافية تشمل زيادة استخدام خط جيهان التركي، وشبكات النقل الداخلية، وصادرات الوقود الثقيل عبر الموانئ السورية.
وتدرس بغداد أيضاً مشاريع مستقبلية باتجاه الأردن، وإمكانية إحياء خطوط قديمة مثل خط كركوك–بانياس.
ألقت الأزمة الإقليمية بظلالها على مستويات إنتاج تحالف أوبك (بلس). وبحسب التقرير الشهري للمنظمة لشهر أبريل (نيسان) 2026، انخفض إجمالي إنتاج أوبك (بلس) بمقدار 7.702 ملايين برميل يومياً في مارس (آذار) 2026 مقارنة بالشهر السابق.
ويرجع هذا التراجع بشكل رئيسي إلى انخفاضات حادة في إنتاج العراق والسعودية والإمارات، في ظل استمرار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران وتعطل مضيق هرمز.
وتراجع الإنتاج الإجمالي إلى 35.055 مليون برميل يومياً مقارنة بـ42.757 مليون برميل يومياً في فبراير (شباط).
وسجل العراق أكبر انخفاض داخل التحالف، حيث تراجع إنتاجه بنحو 2.563 مليون برميل يومياً، ليصل إلى 1.625 مليون برميل يومياً فقط.
كما انخفض إنتاج السعودية بمقدار 2.314 مليون برميل يومياً، ليبلغ 7.799 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ يونيو (حزيران) 2020.
كشفت الأزمة الحالية عن هشاشة بنية التصدير العراقية واعتمادها المفرط على ممر بحري واحد. ورغم سعي بغداد الحثيث لتطوير خطوط أنابيب بديلة، وشراكات إقليمية، وآليات تسعير طارئة، يبقى الاستقرار الاقتصادي العراقي مرتبطاً بدرجة كبيرة بتطورات الخليج ومستقبل مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، قد يشكل الاكتشاف النفطي الجديد قرب الحدود السعودية رصيداً استراتيجياً مهماً للعراق مستقبلاً، خصوصاً إذا ترافق مع توسعة البنية التحتية للتصدير بطرق تتجاوز المسارات البحرية المعرضة للمخاطر.
لكن في الوقت الراهن، يجد العراق نفسه عالقاً بين إمكانات طاقة هائلة وإحدى أخطر الأزمات الجيوسياسية التي واجهتها أسواق النفط العالمية منذ عقود.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير