تقدير موقف

قرار ترمب الذي كسر الهيبة الأمريكية

هل خسرت واشنطن النظام الدولي؟ قراءة في أطروحات ما بعد مفاوضات إسلام آباد؟


  • 13 أبريل 2026

شارك الموضوع

وكما كان متوقعا، انتهت جولة المفاوضات المباشرة الأولى بين نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والوفد الإيراني في إسلام آباد دون أن تنتج تسوية أو اتفاقات واضحة.

تشير البيانات الرسمية الصادرة عن طرفيها المباشرين إلى أنها اكتفت بتثبيت الهدنة المؤقتة، وهو الأمر الذي يعكس في جوهره عجزهما عن الحسم، سواء بالترغيب أو الترهيب لبعضهما البعض، مع غياب واضح في قدرتهما على الاتفاق.

غير أن المشهد لا يقف عند هذا الحد، فتصريحات ترمب المتخبطة وعودته مجددا للتهديد بورقة القوة والحصار البحري تشير إلى ضعف الموقف الأمريكي أكثر من متانته، كما أن التطورات المتزامنة تكشف عن تحرك مواز على مستوى القوى الكبرى، حيث أعلن الكرملين في بيان رسمي ظهر الأحد، 12 أبريل (نيسان) 2026، أن فلاديمير بوتين اتصل هاتفيا بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان ليتعرف منه على مجريات المحادثات بين طهران وواشنطن.

الكرملين أكد في البيان أن موسكو تواصل اتصالاتها المكثفة والنشطة مع مختلف الأطراف في الشرق الأوسط بهدف الدفع نحو سلام عادل ودائم، وهذه إشارة مهمة، فالأطراف المقصودة هنا قد تكون إسرائيل المسبب الحقيقي للحرب، والتي ستكون فرحة بفشل المفاوضات وعودة التصعيد العسكري، وقد تكون أيضا دول الخليج التي تميل تحت الإغراءات الإسرائيلية والإغواءات الأمريكية للدخول المباشر في الحرب، والتي يحاول الكرملين إبداء النصح لها من مغبة الانخداع بمعسول الكلام الأمريكي والإسرائيلي.

التحرك من جانب بوتين في هذا التوقيت، أي بعد الإشارات المختلفة بأن مفاوضات إسلام آباد فشلت في تحقيق أي تقدم، يعكس إدراك موسكو أن هذه المفاوضات لم تنه الأزمة ولم تساعد الإيرانيين على كسر حاجز فقدان الثقة في الأمريكيين.

ما لا شك فيه بالنسبة لي أن موسكو، على الرغم من كونها ليست طرفا في جهود الوساطة، تابعت مسار التفاوض عن قرب من موقف المراقب القريب، وأنها كانت تتوقع فشله، وهي الآن تحاول، أي موسكو، تثبيت حضورها كطرف ضامن للتوازن، وليس كوسيط تقليدي، وهذا فارق جوهري حتى نستطيع فهم السلوك الروسي اللاحق.

وبعد هذا التقديم يمكننا، استنادا إلى تقييمات موضوعية ومحترمة من داخل الولايات المتحدة وأوروبا، وبعدهما روسيا، أن نقول بالفم المليان إن الولايات المتحدة خسرت هذه الحرب ضد إيران فعليا، أو على الأقل خسرت الجولتين الأولى والثانية منها.

هذا بالطبع حكم ذاتي، لكنه يستند كما قلت إلى تقييمات موضوعية، فإذا عدنا للأهداف الأمريكية التي أعلنها ترمب وهو يرتدي كاب “أمريكا العظيمة” لحظة إعلانه الحرب على إيران، نرى أنه لم يحقق منها شيئا، ولا هدف واحد من أهدافه المعلنة تحقق، وهذا في حكم علوم السياسة والعلاقات الدولية والعلوم العسكرية يساوي الفشل.

وأنا هنا لا أقول أبدا إن الطرف الآخر، وهو إيران، انتصر، أو لأكون أدق لا أقول إنها حققت انتصارا بالمعنى الحاسم للكلمة. ما حدث هو نجاح إيراني، وإن كان نسبيا، في صد القوة العسكرية الأكبر في العالم بكل غشمها، فضلا عن نجاحها في فرض قيود على خصمها.

لكن مع ذلك تقتضي الموضوعية الواقعية أن نقول إننا الآن أمام فشل متبادل لكلا الطرفين في تحقيق الأهداف القصوى.

ومع ذلك، فإن فشل واشنطن يجب أن نقيمه ونحسبه مضروبا في عنجهية وعنترية سقف التصعيد الذي رفعه ترمب إلى مستوى غير قابل أصلا للاستدامة، ثم اضطر أمام الصمود الإيراني إلى التراجع تحت ضغط الواقع. وهذا التوصيف لا يكتفي بوصف نتيجة هذه الجولة من المواجهة، ولكنه يكشف أيضا عن خلل في منهج فهم الحرب وإدارتها من جانب ترمب وإدارته.

وأحد أبرز أوجه ومظاهر هذا الخلل كان التناقض الحاد في السلوك الأمريكي، فالخطاب الترمباوي انتقل خلال أيام قليلة، بل ساعات قليلة، من لغة التهديد الشامل بالتدمير الشامل إلى القبول بإطار تفاوضي قريب من الطرح الإيراني. ضع تحت كلمة “قريب من الطرح الإيراني” ما تشاء من الخطوط.

فهذا التحول يصرخ في وجوهنا ويقول لنا إن مجمل ملابسات ومعطيات هذا القرار الترمباوي تظهر أنه كان مناورة أمريكية جديدة، لكنها أيضا، مثلها مثل قرار شن الحرب، لم تكن مدروسة لا سياسيا ولا عسكريا، وإنما كانت استجابة لضغط اقتصادي مرتبط بأسواق الطاقة، وضغط عسكري مرتبط بمحدودية الخيارات التي يمكن تبنيها ضد إيران في هذه المرحلة بعد صمودها، وضغط سياسي داخلي تشير إليه تداعيات الحرب على الداخل الأمريكي وانخفاض شعبية ترمب بشكل غير مسبوق.

لقد نجحت إيران، في رأيي، في استثمار هذه الضغوط دون أن تدعي في الوقت نفسه أنها حققت نصرا شاملا. لقد استطاعت طهران والحرس الثوري استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط فعالة جدا أثبتت نجاعتها، على الرغم من عدم إغلاقه الكامل. الشروط الذكية التي فرضها الحرس الثوري لتنظيم المرور عبر المضيق كانت تطورا غير متوقع، وحتى لو كان تطورا مؤقتا، إلا أنه بلا شك يثبت لنا كمراقبين، بمثال عملي على الأرض، أن الجغرافيا يمكن تحويلها إلى عنصر تأثير سياسي مباشر، خاصة إذا كانت جغرافيا مضائق تتحكم في جزء معتبر من حركة التجارة العالمية.

ومع ذلك أقول إن هذه القدرة الإيرانية ليست مطلقة، بل تبقى محدودة بسقف واضح، بمعنى أن طهران قادرة بالطبع على تعطيل الملاحة في هذا الممر بالغ الأهمية، وبالتالي رفع الكلفة على الاقتصاد العالمي، لكنها مع ذلك غير قادرة على فرض حسم استراتيجي على كل خصومها، والذين سوف تزداد أعدادهم بالتبعية كلما طال أمد الأزمة.

ومن هنا يكتسب التحرك الروسي الجديد، وأقصد به اتصال بوتين مع بزشكيان، بعدا إضافيا. ما أرمي إليه هو أن الاتصال بالتأكيد لم يكن يهدف إلى متابعة التطورات، بل هو محاولة لإقناع أو إفهام الجانب الإيراني بأن هناك حاجة لإدخال عامل التوازن في اللحظة المناسبة، والتي يتسم فيها المشهد بعدم الاستقرار.

موسكو في تأكيداتها في بياناتها الرسمية تدعو إلى سلام عادل ودائم، وبالتالي هي لا تطرح نفسها في الواقع كطرف محايد بالكامل، بل هي تحاول القول بوضوح إنها قوة تسعى إلى منع إعادة تشكيل المنطقة بالشكل الذي يضر بمصالحها.

وهذا الدور الروسي، من واقع متابعتي وفهمي للموقف الروسي، يقوم على مبدأ أساسي وهو منع الحسم الأحادي لأي طرف من الطرفين، وإن كان يميل إلى ترجيح كفة إيران، ويؤكد على ضرورة الحفاظ على توازن يسمح بإدارة الصراع، لأن حله بعيد المنال الآن، دون انفجاره.

وهذا الموقف الروسي ينسجم بوضوح مع نمط أوسع بات معروفا في زمننا المهبب في السياسة الدولية، حيث لم تعد القوى الكبرى تسعى إلى إنهاء الأزمات، بل إلى إدارتها وضبطها حتى لا تنفجر مؤدية إلى حروب عالمية شاملة.

وإذا انتقلت إلى تناول التطورات الأخيرة على مستوى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، فمن واقع ما قرأت من تحليلات، أستطيع القول إنها باتت تشير إلى تباين متزايد في الرؤى. فاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية بعمليات الجيش غير المبررة في لبنان، رغم مسار التهدئة، يعكس اختلافا في الحسابات بين الأمريكيين والإسرائيليين، على الرغم من ضغوط اللوبي الإسرائيلي الذي يتحكم، وفق ما يقوله تاكر كارلسون مثلا، في ثلثي أعضاء الكونغرس الأمريكي.

والمشكلة هنا ليست في أن هناك خلافا أو تباينا في الرؤى بين الأمريكيين والإسرائيليين، المشكلة في أنه قد يكون أحد العوامل التي تعيق تثبيت أي اتفاق مستقبلي. وهذا التباين، حتى لو ظل ضمن حدود السيطرة، فهو يضيف طبقة إضافية من التعقيد إلى المشهد.

لذلك، وعلى الرغم من كل محاولات احتواء الصراع، إلا إن احتمالات التصعيد الأقصى لا تزال قائمة، بما في ذلك السيناريوهات النووية، وهو ما يتحدث عنه خبراء كبار في الولايات المتحدة وخبراء عسكريون كبار وقريبون من دوائر صنع القرار هنا في موسكو. نعم، هي تبقى في إطار التحليل الافتراضي، لكن مع ذلك هي تعكس قلقا حقيقيا من فقدان السيطرة على مسار الأحداث.

وختاما أقول، لا يمكن قراءة ما جرى في إسلام آباد بمعزل عن السياق الأوسع، فالمفاوضات التي ذهب إليها ترمب مرغما ليست نهاية الأزمة، وإنما هي مرحلة ضمن مسار أطول يتسم بالتقلب وعدم اليقين.

وأؤكد ما قلته في مقال سابق، وهذا ليس رأيي وحدي، وهو أننا أمام توازن هش لا يقوم على اتفاق، بل على خوف متبادل أو إدراك متبادل لثمن وكلفة التصعيد. وتوازن الخوف هذا لا يبشر بتسوية قريبة، ولكنه أيضا لا يشير إلى حرب شاملة في المدى القريب، بل حالة مستمرة من إدارة الصراع، تفقد معها واشنطن المزيد من هيبتها أمام خصومها الكبار الحقيقيين.

إن الحرب على إيران لم تُحسم، لكنها كشفت بوضوح وجلاء حدود القوة الأمريكية، أو لأكون أدق في التعبير، حدود القدرة الأمريكية على فرض الإرادة السياسية بالقوة العسكرية وحدها، خاصة عندما تواجه خصما عنيدا معتدا بحضارته وتاريخه العريق، ومستعدا لأن يموت دفاعا عن كرامة مستقبل أبناء شعبه وأمته وحضارته.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع