
دخلت هدنة عيد الفصح التي أعلنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيز التنفيذ منذ ساعة تقريبا اليوم السبت 11 إبريل (نيسان) 2026، وهي تقضي بوقف مؤقت لإطلاق النار خلال فترة عيد الفصح الأرثوذكسي، والتي تمتد حتى منتصف ليلة الغد الأحد 12 إبريل (نيسان)، ما يعني أنها لن تتجاوز ثلاثين ساعة، مع الإبقاء في الوقت نفسه على جاهزية كاملة للقوات للرد على أي اختراقات تأتي من الطرف الآخر.
مما لا شك فيه أن هذا القرار ذو طابع ديني وإنساني في المقام الأول، ومع ذلك، ونحن نقرأه في سياق الحرب الروسية الأوكرانية الممتدة لأكثر من أربع سنوات، لا يمكننا فصله عن نمط روسي متكرر من الهدن القصيرة الرمزية التي لا تهدف بحال إلى إنهاء القتال، ولكنها تخبرنا بشيء عن جوهر وطبيعة المرحلة التي دخلها هذا الصراع.
هدنة الفصح الطوعية التي أُعلنت حتى دون تنسيق بين الأطراف وبلا وساطات لا تشير من قريب أو من بعيد إلى اقتراب تسوية، بل على العكس، وكأنها تقول لنا بصوت عال إن الحرب لم تعد قابلة للحسم السريع.
ما دفعني لكتابة هذا المقال هو سؤال طرحه علي صديق، يبدو السؤال بسيطا في صياغته، لكنه معقد في جوهره، وهو: لماذا بعد أكثر من أربع سنوات، وفي ضوء ما رأيناه من تدمير هائل قامت به إسرائيل في قطاع غزة ولبنان، وإسرائيل وأمريكا مشتركتين قامتا خلال أسابيع بتدمير هائل في إيران، لماذا لم تحسم موسكو، أو بصيغة أدق، بوتين، الحرب في أوكرانيا؟
الإجابة التي قدمتها، والتي قد تبدو غير مقبولة أو مفهومة لقارئ عربي لا يدرك تشابكات العلاقات الروسية الأوكرانية الثقافية والدينية والقومية، انطلقت في ردي من أن موسكو أو بوتين لم يحسم، ليس بسبب العجز عن الحسم، ولكن بسبب طبيعة الصراع نفسه.
فالصراع الحالي، بحسب فهمي له، لا يمكن النظر إليه باعتباره مواجهة تقليدية بين دولتين، وإنما أوكرانيا بالنسبة لبوتين وللكرملين، بل وحتى الآن بالنسبة للعقل الجمعي الروسي، ما هي إلا ساحة اشتباك مباشرة مع الغرب، استغلها هذا الغرب ليضرب شعبين شقيقين، والهدف هو إضعاف وتفكيك الشقيق الأكبر والأقوى وصاحب القدرة الفعلية، عسكرية وسياسية، وربما إلى درجة ما الاقتصادية، على تحدي الغرب والتنافس معه على الهيمنة وعلى تشكيل النظام الدولي وصياغة قواعده ومبادئه، ليس على مقاس الرؤى الغربية.
وبالطبع، الرد المختصر لا يكشف الجوهر والحقيقة في هذه الحالة، فوجدتني أحتاج مجددا لتقديم بعض التوضيح والتفسير. فمنذ بداية الحرب، بل من قبل لحظة البداية بثماني سنوات، بدأ سيل الموارد العسكرية والاستخباراتية الغربية يتدفق على أوكرانيا بشكل مستمر، لكنه أصبح سيلا عرما بعد الأشهر الثلاثة الأولى من بداية الحرب الواسعة، فأدى ذلك إلى أن أي تقدم ميداني روسي منذ شهر يونيو 2022 أصبح عرضة لإعادة التوازن سريعا من الطرف المقابل، الذي لم يعد بحال أوكرانيا خالصا من الناحية العسكرية، سواء قتاليا أو تخطيطا أو توجيها للمعارك.
ولذلك أصبحت مسألة الحسم العسكري الكامل ليست مسألة قدرة، بل مسألة كلفة، وفي المقام الأول كلفة بشرية من لحم الشقيق، فضلا عن الكلفة المالية بالحاجة إلى مسح مدن من على وجه الأرض بكل مقدراتها وبنيتها، ثم إعادة بنائها وإعمارها من لحم الحي فيما بعد انتهاء الصراع، وهو حتما سوف ينتهي.
أضف إلى ذلك أن أوكرانيا نفسها تحولت إلى ساحة رسمت فيها خطوط تماس، وإن كانت غير معلنة بشكل رسمي، بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، وهذا ما فهمه الخصمان بشكل واضح بعد أشهر الحرب الأولى.
ومع الوقت شهدت العقيدة العملياتية الروسية تحولا تدريجيا، خصوصا خلال العامين الأخيرين من عمر الحرب، حيث تراجعت فكرة الحسم السريع لصالح منطق أكثر براغماتية يقوم على إدارة الاستنزاف طويل الأمد، في ظل تغيرات كثيرة في طبيعة المعارك، ودخول عنصر جديد، وهو عنصر المسيرات، الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من الحروب الحديثة بفضل حرب أوكرانيا.
لم يعد الكرملين يسعى إلى تحقيق اختراق حاسم قد يكلفه آلاف الأرواح في صفوف جنوده دفعة واحدة، ويؤدي بالتالي إلى قلاقل داخلية وهز أركان الدولة، وهذا كان من أهداف الخصم التي فهمها بوتين سريعا.
كما أنه لم يعد يعول على انهيار مفاجئ للنظام الأوكراني، لأنه فهم أنه ليس نظاما أوكرانيا بالمعنى المباشر للكلمة، ولكنه في الحقيقة هو النظام الغربي كله، يرتدي زي النظام الأوكراني الضعيف والمثير للشفقة في كييف.
فأصبحت موسكو تسعى منذ تلك اللحظة إلى استنزاف قدرات هذا النظام الجمعي الكبير، مع التعويل على أن الزمن قد يعمل لصالحها، أي موسكو، عبر إنهاك الاقتصاد الأوكراني، أي الغربي، وبالتالي تراجع الحماس الغربي المبني على تخيلات رغائبية في سرعة سقوط روسيا.
ومع ذلك أقول إن هذا التحول، رغم واقعيته، يضع روسيا في معادلة معقدة، فالحرب تحولت بذلك من مجرد عملية عسكرية خاصة محددة الهدف أو الأهداف، إلى مسار مفتوح زمنيا بلا سقف، تتراكم فيه الكلفة بشكل مستمر.
نعم، في الداخل الروسي، حسب متابعتي الموضوعية، لا تظهر مؤشرات على أزمة سياسية مباشرة، لكن المعطيات الصادرة مؤخرا عن مراكز استطلاع الرأي التي أتابعها باستمرار، وعلى رأسها المركز الروسي لدراسة الرأي العام لعموم روسيا، ومركز ليفادا، ومؤسسة الرأي العام، تكشف عن تحول تدريجي في المزاج العام.
بمعنى أنه بينما النظام السياسي لا يزال مستقرا، وتحتفظ السلطة بقدرتها على التحكم في المجال العام، إلا أن المجتمع لم يعد في حالة التعبئة التي سادت في المراحل الأولى للحرب.
وتظهر بدلا من ذلك حالة من الإرهاق تتجلى مثلا في تراجع الاستجابة للخطاب التعبوي، الذي تعمل على بثه وسائل الإعلام المحلية ليل نهار. كما أن هناك ارتفاعا في مستوى الحساسية تجاه القيود، وتزايدا في الطلب على الاستقرار المعيشي.
وفي هذا السياق، وبما أننا في عام الانتخابات البرلمانية التي ستجري بعد عدة أشهر، يكتسب صعود نجم حزب “الناس الجدد”، وفقا لاستطلاعات الرأي التي أجرتها المراكز التي ذكرتها أعلاه، دلالة مهمة في رأيي، فهو على الرغم من كونه حزبا من قلب المنظومة، إلا أن ذلك يعكس تعبيرا جماهيريا عن التحول نحو خطاب أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطا بالحياة اليومية.
وفي السياق ذاته، يعكس التحسن المحدود الذي تم تسجيله في شعبية الحزب الشيوعي الروسي، وهو الحزب المعارض الحقيقي إلى درجة ما داخل المنظومة السياسية الداخلية في روسيا، عودة بطيئة للطلب الاجتماعي المرتبط بالعدالة الاجتماعية، لكن دون أن يتحول ذلك إلى ضغط سياسي مباشر.
هذه التحولات لا تهدد النظام الحاكم، لكنها مع ذلك تفرض عليه قيودا غير معلنة، وبوتين، حسبما أعرف، يستمع جيدا ويصغي لما تقوله استطلاعات الرأي العام في روسيا، وهنا يصبح الحسم العسكري الشامل خيارا ذا كلفة داخلية مرتفعة، ليس فقط اقتصاديا، بل أيضا اجتماعيا.
وهنا، في رأيي، تكمن المفارقة الأساسية، وما أقصده هو أن روسيا تمتلك بالفعل كل أدوات التصعيد، لكنها لا تستخدمها بالكامل، ليس بسبب عجز، بل بسبب حسابات تتعلق بالحفاظ على التوازن الداخلي في المقام الأول، وتجنب انتقال الحرب إلى مستوى قد يصعب التحكم في تداعياته.
وفي هذا الإطار، وعودة إلى عنوان المقال وموضوعه، وهو هدنة عيد الفصح، فأرى أنها تكتسب دلالة عميقة، فهي لا تمثل بأي حال خروجا عن مسار الحرب، ولكنها تشكل تجسيدا لطبيعة إدارتها الواعية.
والهدنة بهذا الشكل، سواء نجحت أو لم تنجح، صمدت أم لم تصمد، تؤدي وظائف متعددة في آن واحد. فهي أولا تسمح بمواجهة الضغوط الأمريكية باعتبارها قرارا سياسيا حكيما، خاصة في ظل تصاعد التوتر حول إيران، كما أنها توفر فرصة لإعادة تقديم روسيا كطرف منفتح على التهدئة في حرب الروايات، كما أنها في الوقت نفسه تتيح اختبار سلوك الطرف الأوكراني على الأرض ورصد تحركاته خلال فترة زمنية، وإن كانت محدودة.
وكما نرى، يزداد المشهد الأوكراني تعقيدا مع تطورات ما يحدث في البيئة الدولية، خاصة منذ مطلع العام الجاري المليء بالأحداث، ونرى أن الصراع في أوكرانيا يتقاطع مع التصعيد في الشرق الأوسط والعدوان على إيران وتبعاته الإقليمية.
ومع أن هذا التداخل يمنح موسكو هامشا للحركة في بعض الملفات، إلا أنه في الوقت نفسه يرفع من مستوى المخاطر، ويجعل بذلك من الصعب الإقدام على خطوات حاسمة قد تؤدي إلى فقدان السيطرة على المسار بأكمله.
وفي ظل هذه البيئة تصبح إدارة المخاطر أولوية تتقدم على تحقيق مكاسب سريعة، وهكذا أفهم أنا ما يدور في رأس بوتين، من واقع متابعة ممتدة لأكثر من عقد لسلوكه في الحكم.
لكل ما ذكرته أعلاه أقول إن غياب الحسم في الحرب الأوكرانية، من وجهة نظري الشخصية البحتة طبعا، لا يعكس فشلا روسيا بحال، وإنما هو انعكاس واضح لطبيعة هذه الحرب نفسها، فقد تحولت إلى ما يمكن وصفه بالاختبار الطويل للقدرة على الاستمرار، أكثر من كونها معركة لتحقيق انتصار سريع.
وهدنة الفصح في هذا السياق لا تخفي شيئا بقدر ما تكشف الكثير، فهي تقول لنا إن موسكو لا تتحرك، أو لنكن أكثر دقة في التعبير، لم تعد تتحرك، على الأقل في اللحظة الراهنة من عمر الحرب، وفق منطق الحسم، ولكن وفق منطق من يقود العملية ويوجهها دون أن يخسر في الخارج أو يربك الداخل.
لذلك، عندما تنظر من داخل موسكو، ومن على بعد مئات قليلة من الأمتار من الكرملين، تبدو الصورة مختلفة عما تقدم في كثير من التحليلات الخارجية، خصوصا الغربية والأوروبية.
بوتين لا يسعى إلى إنهاء الحرب، بل، انطلاقا من كل معطيات واعتبارات وظروف اللحظة، يسعى إلى إدارتها بشروط تمنع خسارتها، وتؤجل حسمها، لكن لا تلغيه، إلى لحظة قد تكون أكثر ملاءمة.
وفي هذا النوع من الصراعات لا يكون السؤال الحاسم هو من ينتصر أولا، بل من يستطيع البقاء لمدة أطول داخل المعادلة دون أن ينهار من الداخل.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير