
تحاول الصين، في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية (اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، والتي شملت ضربات مشتركة أمريكية-إسرائيلية على منشآت نووية وعسكرية إيرانية، مما أدى إلى مقتل قائد إيران الأعلى علي خامنئي وتصعيد الرد الإيراني عبر صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت قواعد أمريكية وإسرائيلية ومنشآت نفطية، مع تعطيل مرور مضيق هرمز الذي يعد شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية)، ترسيخ مكانتها كصانع سلام وقوة استقرار إقليمي وعالمي. وفي الشرق الأوسط، تكشف المؤشرات الدبلوماسية عن تحول نوعي في دور الصين من مراقب إلى فاعل نشط في حل النزاعات، ولكن في الوقت نفسه ما زال هذا الدور يواجه تحديات بنيوية عديدة.
بعد اندلاع الحرب في فبراير (شباط) 2026، أصدرت بكين بيانات رسمية تدين الضربات الأمريكية-الإسرائيلية وتدعو إلى وقف إطلاق النار الفوري، مع التركيز على “الفرصة للسلام” من خلال الحوار. وفي مارس (آذار) 2026، قدمت الصين بالشراكة مع باكستان خطة سلام خماسية النقاط تهدف إلى استعادة الاستقرار في الخليج، تشمل وقف التصعيد، وضمان مرور آمن في مضيق هرمز، وإعادة فتح قنوات الحوار بين الأطراف المعنية. وهذا التدخل الصيني مدفوع بتجربة سابقة عام 2023 عندما توسطت بكين في اتفاق المصالحة بين السعودية وإيران، الذي حافظ على تماسكه نسبيًا رغم التوترات اللاحقة، وأعاد فتح السفارات وتعزيز التعاون الاقتصادي. كما أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ في أبريل (نيسان) 2026 على “الدور البناء” لبكين في استعادة السلام في الخليج، مدعومًا بزيارات دبلوماسية رفيعة المستوى ودعم لجهود الوساطة الباكستانية. وتحاول بكين استخدام قدرتها على التواصل مع جميع الأطراف – بما في ذلك إيران كمورد رئيسي للنفط، والسعودية كشريك استراتيجي – دون التورط العسكري، مما يعزز صورتها كقوة محايدة تفضل “الأمن المشترك” على التحالفات العسكرية الحصرية.
على صعيد آخر، تحاول الصين حماية استثماراتها وشركاتها في المنطقة. وقد بلغت الاستثمارات والعقود الإنشائية في الشرق الأوسط 39.4 مليار دولار، وفق تقرير مبادرة الحزام والطريق لعام 2025، فالشرق الأوسط يحل في المرتبة الثانية عالميًا بعد أفريقيا في الاستثمارات الخارجية الصينية، وشملت هذه المشاريع بنى تحتية في الطاقة والنقل والخدمات العامة، مع تركيز كبير على السعودية (19.8 مليار دولار في العقود الإنشائية) والعراق. وبلغت التجارة الصينية مع شركاء الحزام والطريق (51.9%) من إجمالي تجارتها الخارجية في 2025، مع نمو في التبادل مع الشرق الأوسط وجنوب آسيا يفوق المتوسط العالمي. وأطلقت الصين برامج ثقافية واقتصادية مشتركة مع دول الخليج، مثل “عام الثقافة السعودية-الصينية 2025″، التي تعمق الروابط الشعبية وتدعم رؤية 2030 السعودية للتنويع الاقتصادي. كما استمرت الصين كأكبر مشترٍ للنفط الإيراني، مما يوفر لطهران مساحة اقتصادية حيوية في ظل العقوبات الأمريكية، ويعزز الاعتماد المتبادل الذي يقلل من احتمالات التصعيد.
أما في جنوب آسيا، فقد لعبت الصين دورًا في تهدئة التوترات الحدودية والإقليمية، مستفيدة من الفراغ الناتج عن تراجع النفوذ الأمريكي. في مارس (آذار)–أبريل (نيسان) 2026، توسطت بكين في محادثات بين باكستان وأفغانستان في أورومتشي، مما أدى إلى وقف مؤقت لإطلاق النار عبر الحدود وتقليل الضربات الجوية والطائرات المسيرة. وأكدت المتحدثة ماو نينغ أن كلًا من إسلام آباد وكابول يرحبان بجهود الوساطة الصينية، مشيرة إلى “توافق” حول آليات عملية للحوار. كما عززت بكين الثقة السياسية مع دول جنوب آسيا خلال 2025، من خلال تمارين عسكرية مشتركة مثل “المحارب-9″ مع باكستان و”صداقة ساغارماثا” مع نيبال. ورغم تباطؤ بعض المشاريع الصينية في باكستان (مثل ممر الصين-باكستان الاقتصادي)، إلا أن الاستثمارات في جنوب آسيا ساهمت في ربط التنمية بالأمن، حيث تربط المشاريع التجارية والطاقوية بين الصين ودول المنطقة. وفي أفغانستان، قدمت الصين مساعدات إنسانية مشتركة مع الهند بعد زلزال 2025، مع تنامي صفقات ومفاوضات تجارية بشكل مستمر.
ترفض الصين “التدخل العسكري” وتدعو إلى حلول سياسية، كما في دعوتها لمؤتمر سلام دولي في الشرق الأوسط، ويتناقض هذا النهج مع التصور الأمريكي للقوة كأداة هيمنة، لكنه يسمح للصين بملء الفراغ الدبلوماسي الناتج عن التركيز الأمريكي على الضربات العسكرية. وقد أكد الرئيس شي جين بينغ في قمم منظمة شنغهاي ومنتدى التعاون الصيني-العربي على استراتيجية صينية تعتمد على ما أسماه “المجتمع ذو المستقبل المشترك للبشرية”، لذا في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، تحاول الصين طرح نفسها كقناة دبلوماسية تركز على الحوار والتنمية غير المشروطة سياسيًا.
ومع ذلك، تواجه هذه الجهود تحديات، إذ أظهرت الحرب الإيرانية حدود الوساطة الصينية في غياب ضغط عسكري مباشر، كما أن الاعتماد على باكستان كوسيط يعكس قيودًا جيوسياسية. وفي جوهر الأمر، يكمن أحد أبرز التحديات في غياب القدرة العسكرية للصين في منطقة الشرق الأوسط. على عكس الولايات المتحدة التي تمتلك قواعد عسكرية وأساطيل بحرية قادرة على فرض وقف إطلاق نار من خلال الردع أو الضغط المباشر، تفتقر بكين إلى وجود عسكري مؤثر في الخليج.
ولم تنشر الصين قوات أو تقدم أسلحة جديدة لأي طرف في النزاع، مفضلة الوساطة الدبلوماسية عبر مبعوثين خاصين ومكالمات هاتفية مكثفة، مثل 26 مكالمة أجراها وزير الخارجية وانغ يي مع نظرائه (حتى لحظة كتابة المقال، ولكن رقم الاتصالات مرشح للزيادة). وهذا النهج الحذر، الذي يعتمد على “الأمن المشترك” والحوار السياسي، يثبت فعاليته في النزاعات ذات الطابع الاقتصادي أو الدبلوماسي البحت، كما حدث في اتفاق المصالحة السعودية-الإيرانية عام 2023، لكنه يواجه صعوبة بالغة أمام تصعيد عسكري مباشر يعتمد على القوة الجوية والصاروخية. نتيجة لذلك، بدت الجهود الصينية أكثر رمزية منها عملية، مما أثار تساؤلات حول مصداقية بكين كقوة قادرة على لعب دور أمام السياسة الأمريكية.
كما أبرزت الحرب الإيرانية حدود نفوذ الصين على إيران نفسها. رغم أن الصين تعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وتوفر لها مساحة اقتصادية تحت العقوبات الأمريكية، إلا أن هذا الارتباط الاقتصادي لم يترجم إلى تأثير سياسي حاسم يدفع إيران نحو التهدئة الفورية. ورفضت طهران في البداية بعض جوانب الوساطة، واستمرت في إطلاق الصواريخ والمسيرات كرد على الضربات، مما يشير إلى أن الاعتماد الاقتصادي الصيني لا يمنح بكين نفوذًا يشبه “الضمان الأمني” الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل. في الوقت نفسه، أدى التصعيد إلى تعقيد مصالح الصين الاقتصادية، إذ أدى تعطيل هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، مما أثر سلبًا على نموها الاقتصادي. لكن الرغبة الصينية في تجنب الضغط المباشر “رغم تسريب أن بكين طلبت من طهران التفاوض مع واشنطن” بدت أقوى من رغبتها في الاشتراك الفعلي كوسيط في منطقة الخليج العربي.
أما الاعتماد على باكستان كوسيط رئيسي، فيعكس قيودًا جيوسياسية أعمق تتجاوز القدرات الصينية الذاتية. رغم أن إسلام آباد قدمت نفسها كجسر محايد بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها التاريخية مع الولايات المتحدة وتحالفها الاستراتيجي مع الصين، إلا أن هذا الاعتماد يحمل مخاطر عديدة يجب تلخيصها في التالي:
يضاف إلى ذلك أن الاعتماد على باكستان يعكس محدودية الشبكة الدبلوماسية الصينية في المنطقة. فبينما تحافظ بكين على علاقات ودية مع جميع دول الخليج والشرق الأوسط، إلا أنها تفتقر إلى تحالفات أمنية عميقة تشبه الناتو أو الشراكات الأمريكية. وهذا يجعل وساطتها عرضة للتشكيك في حيادها، خاصة مع استمرار شراء النفط الإيراني رغم العقوبات، الأمر الذي يفسر أحيانًا كدعم غير مباشر لطهران. وفي جنوب آسيا أيضًا، يمتد هذا النمط، حيث يعيق التنافس مع الهند جهود الوساطة الصينية في النزاعات الحدودية، مما يحد من قدرة بكين على تقديم نفسها كقوة استقرار شاملة، ما يبقي الجهود الدبلوماسية تعتمد فقط على “قوى ناعمة” مثل الاقتصاد والحوار، لكنها غير قادرة على فرض حلول في مواجهة قوى تمتلك خيارات عسكرية مباشرة.
وتكشف هذه التحديات عن تناقض داخلي في الاستراتيجية الصينية طويلة الأمد. فبكين تعتمد على التنمية غير المشروطة والحلول السياسية، رافضة “التدخل العسكري” كما في النهج الأمريكي. لكن في سياق حرب حقيقية تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية، يبدو هذا المبدأ قيدًا ذاتيًا يحد من فعاليتها. ومن منظور أضيق، يبدو هذا النهج الحذر يحمي الصين من تورط مكلف، خاصة مع تركيزها على المنافسة في المحيط الهادئ، لكنه يضعف صورتها كقوة عظمى ناشئة أمام الدول النامية التي تتوقع دعمًا أكبر. كما أن المنافسة مع روسيا، التي تمتلك نفوذًا عسكريًا أكبر في بعض السياقات، تضيف طبقة أخرى من التعقيد للمشهد.
لا يعني ذلك عدم جدوى الجهود الصينية، فقد ساهمت الوساطة المشتركة مع باكستان في خلق “نافذة” للحوار أدت إلى وقف إطلاق نار مؤقت في أبريل (نيسان) 2026، وأعادت فتح قنوات الاتصال بين الأطراف. هذا النجاح النسبي يعزز صورة بكين كلاعب دبلوماسي مسؤول، لكن الاستمرار في هذا الدور يتطلب تطوير قدرات جديدة، مثل تعزيز الوجود البحري في المحيط الهندي أو بناء شراكات أمنية أكثر مرونة، دون التخلي عن مبدأ عدم التدخل. وإذا استمرت الحروب الإقليمية (جنوب وغرب آسيا) في التصاعد، قد يدفع هذا الصين نحو مراجعة استراتيجيتها، لتجنب أن يبقى دورها محصورًا في الدبلوماسية اللفظية والاقتصادية دون تأثير حاسم.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير