تشير التحولات الراهنة في بنية التهديدات الأمنية الأوروبية إلى بروز أنماط تنظيمية غير تقليدية تتجاوز الأطر الكلاسيكية للتنظيمات الجهادية، حيث تتداخل الأبعاد الأيديولوجية مع الأدوات الرقمية وشبكات الوكلاء في تشكيل فاعلين جدد يصعب تصنيفهم ضمن القوالب المعروفة. وفي هذا السياق، تمثل ما يُعرف بـ”حركة أصحاب اليمين الإسلامية” مثالًا دالًا على أنماط التشكل السريع للفاعلين غير التقليديين، إذ تعكس الحركة، حديثة النشأة التي لم يمضِ على تأسيسها أكثر من شهر، طبيعة مركبة تجمع بين الغموض التنظيمي، والمرونة العملياتية، والقدرة على التوظيف الرمزي للدين في سياقات جيوسياسية متشابكة، لا سيما مع صعوبة فصل هذا النمط من الفاعلين عن السياق الاستراتيجي الأوسع المرتبط بتصاعد التوترات الإقليمية، وعلى رأسها الحرب الدائرة حاليًا على إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل. ففي ظل هذه البيئة التصادمية، تتجه بعض الأطراف إلى توظيف أدوات غير تقليدية بهدف تحقيق تأثيرات أمنية وسياسية خارج نطاق المواجهة المباشرة. ومن ثم، يمكن فهم هذه الحركة باعتبارها جزءًا من نمط أوسع لحروب المنطقة الرمادية، حيث يتم توظيف الخطاب الديني والرمزية الأيديولوجية كغطاء لعمليات منخفضة التكلفة وعالية التأثير في بيئات جغرافية بعيدة نسبيًا عن مسرح الصراع الرئيسي.
وفي ضوء ذلك، تبرز مجموعة من التساؤلات البحثية التي تسعى إلى تفكيك أبعاد هذه الظاهرة وتحديد موقعها ضمن التفاعلات الإقليمية والدولية الراهنة، لعل أبرزها: إلى أي مدى تمثل حركة أصحاب اليمين الإسلامية – المعلن عن تأسيسها في مارس (آذار) 2026 – فاعلًا مستقلًا، أم أنها واجهة ضمن شبكات أوسع لحروب الوكالة المرتبطة بالصراع الدائر على إيران؟ وهل يعكس نمطها العملياتي تحولًا نوعيًا في أدوات الرد غير المباشر التي قد تلجأ إليها أطراف مثل إيران في مواجهة الضغوط العسكرية من الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وما حدود تأثير هذه الحركات الهجينة على إعادة تشكيل بيئة التهديدات الأمنية في أوروبا والشرق الأوسط؟ وما الدلالات الاستراتيجية لهجمات الحركة المكثفة على أوروبا؟ وهل تمثل نموذجًا قابلًا للتكرار والتوسع في سياقات صراعية أخرى؟ وأخيرًا، ما هي التداعيات المحتملة لاستمرار هذا النمط من الفاعلين على بنية الأمن الإقليمي والدولي وقدرته على التكيف مع تهديدات غير تقليدية تتسم بالسيولة واللامركزية؟
الدلالات الاستراتيجية لهجمات الحركة على أوروبا
- دلالة الاسم: يكتسب اختيار تسمية الحركة بُعدًا عميقًا يتجاوز التسمية العشوائية إلى توظيف استراتيجي مقصود للموروث الرمزي الإسلامي، فاسم أصحاب اليمين لا يحمل دلالة اليمين السياسي بمفهومه الغربي المعاصر، بل يستدعي بُعدًا دينيًا إسلاميًا راسخًا مستمدًا من آيات قرآنية تُصور أهل اليمين بوصفهم الصالحين وأهل الحق والعدل. وعليه، يُقرأ الاسم على أنه حركة أهل الحق أو جماعة الصالحين، وهو توظيف دلالي يُسبغ على الحركات العنيفة إطارًا دينيًا يمنحها شرعية رمزية، خاصة في خطاب المحور الإيراني، على غرار أسماء مثل كتائب حزب الله، وحركة النجباء، والحشد الشعبي.
- دلالة التوقيت: لا يقل التوقيت أهمية عن العملية ذاتها في منطق الفعل المسلح، بل يكاد يكون رسالة مستقلة بذاتها، حيث جاءت هجمات أصحاب اليمين الإسلامية على أربع دول أوروبية في مارس (آذار) المنصرم، في خضم تصعيد غير مسبوق تشهده المنطقة، إذ كانت القوات الأمريكية والإسرائيلية تنفذ ضربات مكثفة على إيران، فيما كان الحرس الثوري الإيراني يشن هجمات صاروخية متتالية على إسرائيل ودول الخليج. ويكشف هذا التزامن عن منطق مدروس؛ فالهجمات في أوروبا وُظفت في سياق الحرب الشاملة كأداة للضغط على الغرب الداعم لإسرائيل، وإيصال رسالة مفادها أن ميادين المواجهة لا تقتصر على الشرق الأوسط، في حين اختارت الحركة في معظم هجماتها وقت الفجر، وهو ما يُحيل إلى منطق إرهابي يُعلي من قيمة الصدمة النفسية على حساب الخسائر البشرية المباشرة؛ فالفجر، في التراث الرمزي العسكري، زمن الغفلة والمباغتة، وتوظيفه يُضاعف من وقع الرعب الاجتماع.
- دلالة الميدان: تحمل المواقع الجغرافية في العمليات التي نفذتها الحركة، ذات الطابع الاستراتيجي، دلالة سياسية وقانونية تُقرأ في ضوء السياق الأشمل، حيث استهدفت الهجمات مؤسسات ومصالح يهودية في أربع دول أوروبية مختلفة: بلجيكا، وهولندا، واليونان، وبريطانيا. وهذا الاختيار الرباعي له أبعاد معقدة؛ فبلجيكا هي مقر الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وضربها رسالة موجهة للمؤسستين الدوليتين معًا، بينما هولندا بدورها دولة ذات حضور بارز في الدبلوماسية الدولية وفي المحاكم الدولية التي تنظر في ملفات المنطقة. أما اليونان، فتموضعها الجغرافي على أطراف الشرق الأوسط يجعلها جسرًا رمزيًا بين العالمين، فضلًا عن بريطانيا التي تدعم الحرب على إيران بشكل علني. ومن ثم، فإن هذا الاستهداف يرمي إلى زرع الخوف في الجاليات اليهودية الأوروبية في مسعى لتحويل أوروبا من حاضن آمن للجاليات اليهودية إلى ساحة مكشوفة للتهديد، مما يُكرس خطابًا إيرانيًا مفاده أن الأمن اليهودي لا تضمنه إلا تسوية الصراع مع إيران.
- دلالة الهدف: يكشف تحليل أهداف الهجمات عن غياب لافت للاتساق بين الإمكانية التدميرية المتاحة والهدف الفعلي المُنجز، وهو ما يُعيد تعريف طبيعة العملية، حيث لم تُسفر الهجمات الأربع عن إصابات بشرية. وهذا الاختيار المتعمد لتجنب سقوط ضحايا يحمل دلالة مزدوجة؛ فمن جهة، يريد منفذو الهجمات الإفلات من المظلة القانونية الدولية الثقيلة التي تُفضي إليها الجرائم الإرهابية الموقعة للقتلى، ومن جهة ثانية، تكفي الصدمة الرمزية في تحقيق الأثر المنشود لتذكير الحكومات الأوروبية بثمن انحيازها لإسرائيل في الصراع الدائر، ما يعني أن الهدف ليس إيقاع خسائر بشرية بقدر ما هو ترسيخ حالة من عدم الأمن البنيوي الذي يُكلف الدول تكاليف أمنية وسياسية باهظة.
- دلالة الهوية البصرية: يُصور شعار الحركة ذراعًا ممدودة تحمل بندقية موجهة نحو اليمين، وخلفها صورة للكرة الأرضية، وهو تصميم لا يكاد يختلف عن شعارات كتائب حزب الله في العراق، وحزب الله في لبنان، والحرس الثوري الإيراني. وهذا التشابه ليس مجرد مصادفة في عالم التنظيمات المسلحة، بل هو، في الغالب، انعكاس لانتماء مشترك أو توجيه مرجعي واحد في صياغة الهوية البصرية. وما يضيف أهمية إلى تلك الهوية البصرية أن الحركة اختارت نموذج بندقية دراغونوف السوفيتية في شعارها، وهي بندقية قنص نصف آلية حاضرة في بعض الجماعات المسلحة بالشرق الأوسط، لكنها نادرة الاستخدام في السياقات الأوروبية، وهو ما يُرسخ تفسير الهجمات بوصفها استمرارًا لمنظومة شرق أوسطية تعمل في الفضاء الأوروبي.
- دلالة السياق: تنخرط الهجمات في سياق استراتيجي أعمق يتعلق بالبنية التشغيلية لما يُعرف بمحور المقاومة وآليات توظيف الوكلاء، فما جرى في بلجيكا وهولندا واليونان وبريطانيا ليس هجمات دينية عشوائية، بل هو عملية مُدارة تحاكي النمط الإيراني المعتاد في توظيف الوكلاء. فالأنماط المتكررة في تاريخ العمليات الإيرانية بالوكالة تكشف أن طهران تلجأ إلى هذا الأسلوب حين يتضاءل هامش المناورة المباشرة، فتُبقي على مسافة إنكارية من العملية، بينما تُرسل رسالتها الجيوسياسية عبر أدوات مُبهمة الهوية.
- دلالة التسلسل العملياتي: لا يُشكل تتالي الهجمات الأربع في أيام قليلة تراكمًا كميًا، بل يعكس بنية سردية مقصودة بالغة الدلالة، حيث استهدفت الحركة، في غضون أسبوع واحد، مؤسسات يهودية في ثلاث دول أوروبية مختلفة، ثم نفذت هجومًا رابعًا بعد عدة أيام في موقف سيارات إسعاف بجوار معبد يهودي في لندن. وعقب كل هجوم، بادرت الجماعة بإصدار بيان يتبنى العملية، مصحوبًا بمقاطع فيديو التقطتها للهجوم. وهذا الإيقاع المتصاعد الذي يتخلله التوثيق الفوري يُعبر عن منطق عملياتي يستهدف بناء رواية إعلامية متراكمة الصدى، لا توصيل رسالة واحدة آنية؛ فالهجوم الأول يُحدث الصدمة، والثاني يُثبت الحضور، والثالث يُكرس اليقين بوجود تنظيم ممنهج قادر على الاستدامة، والرابع يُضاعف الأثر النفسي المقصود بصورة تفوق ما كان يمكن أن يُحدثه هجوم واحد ضخم مفرد.
- دلالة التوظيف السياسي الداخلي الأوروبي: تحمل هذه الهجمات مفارقة تكاد تبدو مُربكة للوهلة الأولى، وهي أنها، في السياق الأوروبي الراهن، ستُغذي بالضرورة التيار الذي تدعي معاداته، حيث تعيش أوروبا حاليًا موجة صعود غير مسبوقة لأحزاب اليمين المتطرف في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فيما تشهد بلجيكا وهولندا تزايدًا ملحوظًا في ظاهرة اليمين المتطرف والاعتداءات العنصرية، مما يُدشن حقبة جديدة في تاريخ الاتحاد الأوروبي، وهي حقبة يتصدر خطابها ملفات الأمن والهجرة والهوية الوطنية.
- دلالة الغياب الرقمي: يُشكل أسلوب الإعلان عن الهجمات وتوثيقها مفتاحًا جوهريًا لفهم الهوية الحقيقية للحركة وتشابك ارتباطاتها، حيث أعلنت الحركة مسؤوليتها عبر بيانات بالعربية مصحوبة بمقاطع فيديو ظهرت بسرعة لافتة على قنوات تيليغرام مرتبطة بحزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني، في حين لا يوجد للحركة أي حضور إلكتروني مستقل على وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا استثناء لافت في عالم التنظيمات المسلحة المعاصرة، حيث يُمثل الغياب الكامل لأي حضور إلكتروني مستقل للحركة أحد أبلغ الدلالات وأعمقها في فهم طبيعتها، إذ تحرص كل جماعة مسلحة على امتلاك قناتها الإلكترونية الخاصة فور إعلان وجودها، لضمان التواصل المباشر مع المتعاطفين وتوسيع دائرة التجنيد. وهذا التناقض بين الغياب الرقمي المستقل والحضور الفوري على القنوات الإيرانية يدفع إلى اعتبار أصحاب اليمين ليسوا تنظيمًا ذا بنية مؤسسية راسخة، بل واجهة إعلامية مُعدة مسبقًا لتأمين مسافة الإنكار الكافية للجهة الداعمة. وعلى غرار بعض الجماعات المرتبطة بإيران، قد تظهر فجأة لتنفيذ عمليات معينة ثم تختفي بعد ذلك، وهو نمط يتكرر في تاريخ الاستخبارات الإيرانية، ما قد يجعل من اسم أصحاب اليمين علامة تشغيلية مؤقتة لا هوية حركية دائمة.
- دلالة التغلغل الجغرافي: تطرح الهجمات الأربع ثغرة جديدة في الجغرافيا الأمنية الأوروبية، فالظهور المفاجئ لهذا التنظيم يفتح ملفًا شائكًا حول تغلغل خلايا الحرس الثوري الإيراني في قلب أوروبا، واستخدام جماعات الواجهة لتنفيذ أجندات سياسية وعسكرية بعيدة المدى. فالقدرة على تنفيذ عمليات متزامنة في أربع دول مختلفة، وتوثيقها، وإطلاق بياناتها بشكل منسق وفوري، لا تُشير إلى خلايا نائمة وليدة اللحظة، بل إلى بنية تحتية لوجستية وأمنية جاهزة سلفًا ومُختبرة. وهذا ما يجعل التحقيقات الأمنية الأوروبية أمام تحدٍ عميق يتخطى تتبع الفاعلين الميدانيين إلى الكشف عن شبكة استخبارية إيرانية ممتدة.
- دلالة الانعكاسات على المسلمين في أوروبا: تبقى هذه الدلالة الأقل حضورًا في التحليلات الإعلامية مع كونها الأكثر أهمية؛ فالجاليات المسلمة في أوروبا، ولا سيما في بلجيكا وهولندا اللتين تضمان جاليات عربية ومسلمة كبيرة، ستدفع بصورة شبه حتمية الثمن غير المباشر لهذه الهجمات؛ إذ ستُوظف لتغذية خطاب الإسلاموفوبيا وتصوير المسلمين جميعًا رهائن لمنطق الإرهاب، في حين أن الغالبية العظمى منهم ضحايا مزدوجون لسياسات الاستبعاد الأوروبي من جهة، ولتوظيف هويتهم الدينية ورقة في الحسابات الجيوسياسية الإيرانية من جهة أخرى. وهذا التوظيف الفئوي للمسلمين الأوروبيين بالوكالة، دون علمهم أو إرادتهم، يُشكل بُعدًا أخلاقيًا وسياسيًا بالغ الخطورة في قراءة هذه الهجمات.
تداعيات نشأة حركة أصحاب اليمين على مستقبل الحركات الجهادية الشيعية
- نجاح نموذج الوكالة العابرة للحدود: تكتسب هجمات أصحاب اليمين في أوروبا أهمية استثنائية في ضوء توقيتها المتزامن مع الحرب الدائرة على إيران؛ إذ تمثل، في الجوهر، اختبارًا حيًا لمدى قدرة نموذج الوكالة بعيدة المدى على الصمود في ظروف الانهيار البنيوي للراعي، حيث جاء ظهور هذه الجماعة في خضم تصعيد غير مسبوق، في حين كانت إيران تتلقى ضربات متواصلة على أراضيها وتتعرض منظومتها القيادية لإعادة هيكلة قسرية، ما يجعل الدلالة الأهم ليست في الهجمات ذاتها، بل في استمرارها رغم الانكشاف الاستراتيجي لإيران. وهذا يُثبت أن شبكات الوكلاء الإيرانيين قد بلغت درجة من الاستقلالية التشغيلية تمكنها من الاستمرار حتى حين تتصدع المنظومة القيادية المركزية. وهذه الحقيقة بالغة الخطورة، إذ تُسقط الافتراض الشائع في الأدبيات الاستراتيجية الغربية القائل بأن تفكيك الراعي سيُفضي بالضرورة إلى تفكيك الوكيل.
- منطق التوسع الجغرافي: تُجسد الهجمات الأوروبية لحظة فارقة في مسار تطور الاستراتيجية الجهادية الشيعية من ردود الفعل الإقليمية المحدودة إلى الضغط العالمي الممنهج. فالتنوع بين استهداف الرموز الدينية واستهداف الرموز الاقتصادية يُعلن استراتيجية أشمل وأبعد مدى للحركة الإيرانية الجديدة، إذ يسعى إلى فرض تكلفة اقتصادية مباشرة على الشركاء الأوروبيين لإسرائيل والولايات المتحدة، في توظيف واضح لأوروبا كورقة ضغط على واشنطن من جهة، وابتزاز للحكومات الأوروبية لإعادة النظر في مواقفها من الحرب على إيران من جهة أخرى. وهذا التوسع الجغرافي يُنبئ بأن الحركات الجهادية في مرحلة ما بعد ضعف إيران لن تنكمش، بل ستتمدد بحثًا عن ساحات ضغط جديدة بعيدًا عن المناطق التي باتت فيها أجهزة المواجهة الأمنية أكثر جاهزية.
- تعبئة الحركات الجهادية: ثمة وظيفة داخلية للهجمات قد تكون الأهم، وهي أن أصحاب اليمين لا تُخاطب الرأي العام الأوروبي وحده، بل تُخاطب أيضًا جمهور الحركات الجهادية المتحالفة والمنافسة في آن واحد. فكشف القدرة على الضرب في عمق أوروبا بينما إيران تتعرض لضربات مدمرة يُرسل رسالة ذات بُعدين؛ الأول تجديد شرعية المقاومة وإثبات أن إيران لم تُهزم، والثاني توجيه رسالة للحركات الجهادية السنية المنافسة، كتنظيمي داعش والقاعدة، مفادها أن المحور الشيعي قادر على الوصول إلى ساحات لا تزال هي عاجزة عن استهدافها بالفاعلية ذاتها. ففي حين يتمحور التهديد الإسلاموي في أوروبا حول هجمات أفراد ومجموعات صغيرة محلية تستلهم فكر داعش والقاعدة، تأتي هجمات أصحاب اليمين لتفتح بابًا من المنافسة الجهادية بين المحورين على أرض أوروبا ذاتها، ما قد يُطلق ديناميكية تنافس دموي في المستقبل بين الجهادية السنية والشيعية على إثبات الحضور في الساحة الأوروبية.
- مسارات التجنيد والحشد في المجتمعات المسلمة الأوروبية: قد تُلقي هجمات أوروبا بظلالها على بيئة التجنيد التي تعتمد عليها الحركات الجهادية في المرحلة المقبلة، مع تصاعد اليمين المتطرف، وتشديد قوانين الهجرة، وتنامي خطاب التصنيف الأمني للمهاجرين، حيث يواجه العرب والمسلمون في أوروبا تحديات متزايدة في الحماية والاندماج وسط تصاعد الخطاب المعادي للأجانب. والمفارقة التحليلية في هذا السياق ترتبط بأن هجمات أصحاب اليمين ستُضاعف هذه الضغوط على الجاليات المسلمة الأوروبية، لتخلق بيئة أمنية ونفسية واجتماعية قد تجعل شرائح هامشية منها أكثر قابلية للتجنيد والاستقطاب، فحلقة المظلومية الاجتماعية التي تُغذي التطرف لن تنكسر بالضربات العسكرية على إيران، بل ربما تتعمق في مجتمعات باتت تُعاني ازدواجية الاتهام؛ من الخارج بالتعاطف مع الإرهاب، ومن الداخل بأجندات لم تخترها.
- شرعية الجهاد الشيعي في أوروبا: تنطوي الهجمات الأوروبية على مفارقة أيديولوجية دقيقة تتعلق بشرعية الخطاب الجهادي الشيعي في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب على إيران. فالجمهورية الإسلامية التي بنت شرعيتها الإقليمية على سردية محور المقاومة المنتصر باتت تشهد تصدعًا جوهريًا واسعًا، فالخسائر المتراكمة جراء الحرب الحالية قد تُفضي إلى أزمة شرعية تُعيد رسم خريطة الولاءات والتحالفات داخل المحور الشيعي. وفي هذا السياق، تكتسب الهجمات الأوروبية بُعدًا تعويضيًا لا يُستهان به؛ فهي محاولة لإثبات القدرة والحضور في مواجهة المشهد المُحبط على الصعيد الإقليمي، وإعادة إنتاج سردية الفاعلية حين تتآكل سردية الانتصار. بيد أن هذه الوظيفة التعويضية ذاتها تحمل بذور خطرها؛ إذ قد تُغري الحركات الجهادية في المستقبل بالمضي في التصعيد الأوروبي كلما تقلص هامش مناورتها الإقليمية، محولة القارة العجوز إلى ساحة تفريغ ضغط لا ساحة استراتيجية محسوبة.
الخاتمة
تكشف هجمات أصحاب اليمين الإسلامية على أوروبا أن الحركة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في ظاهرها، فهي تحمل رسائل ضغط إلى ثلاث دوائر في آن واحد: الجاليات اليهودية الأوروبية التي يُراد تحويلها إلى رهائن رمزية، والحكومات الأوروبية التي يُحذر من تكلفة انحيازها، والرأي العام الدولي الذي يُسعى إلى تذكيره بأن الحرب ليست مقتصرة على جغرافيا الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، تُجسد هذه الهجمات نموذجًا أمنيًا آخذًا في الانتشار يُعيد رسم حدود الصراعات الإقليمية، وينقلها من الشرق الأوسط إلى القلب الأوروبي، بتداعيات سياسية واجتماعية قد تفوق في أثرها الطويل الأمد كل ما خلفته من دمار مادي. ولعل الأثر الأهم لهجمات أصحاب اليمين الإسلامية في أوروبا أنها تُعلن انتهاء مرحلة وبداية أخرى؛ فمرحلة الحركات الجهادية الوكيلة ذات الهوية الواضحة والرعاية المركزية الثابتة تُفسح المجال تدريجيًا لمرحلة الجهادية مفككة الهوية، متعددة الولاء، عابرة للجغرافيا، ومرنة في التكيف مع انهيار رعاتها. وهذه المرحلة الجديدة لا يكفي لمواجهتها العقل الأمني التقليدي المُدرب على تتبع التنظيمات والرؤوس، بل تستلزم منظومة تحليلية شاملة تُدرك أن الجهادية في طورها المقبل ستكون أقل مركزية وأشد استدامة في آن واحد.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير