
في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يقف جنوب القوقاز على مفترق طرق جيوسياسي، حيث تتشابك مصالح القوى الإقليمية والدولية مع هشاشة الأنظمة المحلية. فدول مثل أذربيجان، جورجيا، وأرمينيا تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن حماية سيادتها واستقرارها الاقتصادي، في حين تتعرض المنطقة لضغوط تصعيدية تتجاوز حدودها؟ إذ تُعد الحرب الدائرة منذ الثامن والعشرين من فبراير المنصرم اختبارًا مباشرًا لقدرة الدول الثلاث على المناورة ضمن شبكة معقدة من التحالفات والتوترات العابرة للحدود، ليطرح هذا الصراع جدلية مركزية حول دور جنوب القوقاز كفضاء وسيط بين النفوذ الإيراني، والتركي، والروسي، والأمريكي، والإسرائيلي. فبينما قد يبدو أن دول المنطقة مجرد أطراف ثانوية، إلا أن مواقعها الجغرافية والموارد الحيوية التي تتحكم بها تجعل من خياراتها وقراراتها محركًا غير مباشر لسياسات القوى الكبرى. ومن هذا المنظور، فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لا تُقاس بمقدار الخسائر العسكرية، بل بقدرتها على إعادة تشكيل استراتيجيات الأمن الإقليمي، وإجبار دول جنوب القوقاز على إعادة ترتيب أولوياتها في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وهو ما يثير جملة من التساؤلات الجوهرية، لعل أبرزها: ما طبيعة العلاقات التاريخية والسياسية والاقتصادية بين إيران ودول جنوب القوقاز، وكيف شكلت هذه العلاقات شبكة نفوذ وتأثيرات متبادلة قبل اندلاع الحرب؟ وما هي تداعيات الصراع الحالي على هذه العلاقات؟ كما يبرز سؤال مركزي آخر حول المكاسب والخسائر المحتملة لدول جنوب القوقاز في ضوء الحرب القائمة، وهل يمكن لهذه الدول استثمار الصراع لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، أم أن اندلاع الحرب سيزيد من هشاشتها ويعرضها لمخاطر غير متوقعة؟ وأخيرًا، تتضح الحاجة إلى استكشاف السيناريوهات المستقبلية لمسار الحرب ومدى توافقها مع مصالح هذه الدول، وما هي الاستراتيجيات التي يمكن أن تتبناها دول جنوب القوقاز لضمان حماية مصالحها ضمن كل سيناريو محتمل؟
شهدت العلاقات الإيرانية مع دول جنوب القوقاز—أذربيجان وأرمينيا وجورجيا—قبيل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حالة من التوازن المركب، اتسمت بتداخل الأبعاد الجيوسياسية والأمنية والاقتصادية، في سياق إقليمي ودولي مضطرب أعاد تشكيل أولويات الفاعلين الإقليميين. في هذا السياق، تمثل منطقة جنوب القوقاز بالنسبة لإيران مجالًا حيويًا للأمن القومي يتجاوز الاعتبارات التقليدية للجوار الجغرافي، ليشمل قضايا حساسة مثل أمن الحدود، وتوازنات القوى مع تركيا وروسيا، ومنع تغلغل إسرائيل في محيطها المباشر. وقد تعززت هذه الأهمية عقب تداعيات حرب ناغورنو كاراباخ الثانية التي أعادت رسم موازين القوى لصالح أذربيجان وعمقت الحضور التركي، وهو ما نظر إليه النظام الإيراني بوصفه تهديدًا مزدوجًا: جيوسياسيًا وأمنيًا.
فيما يتعلق بالعلاقات مع أذربيجان، اتسمت المرحلة السابقة للحرب بدرجة عالية من التوتر المقنّع. فعلى الرغم من الروابط الثقافية والدينية بين البلدين، فإن العلاقات تأثرت سلبًا بتنامي الشراكة الاستراتيجية بين باكو وتل أبيب، خاصة في مجالات الأمن والدفاع والتكنولوجيا. وقد اعتبرت طهران هذا التقارب تهديدًا مباشرًا، لا سيما مع تواتر التقارير حول استخدام الأراضي الأذربيجانية كمنصة لعمليات استخباراتية إسرائيلية مستمرة. في المقابل، سعت أذربيجان إلى تحقيق توازن دقيق بين علاقاتها مع إيران وتحالفاتها مع تركيا وإسرائيل، ما أفضى إلى نمط من العلاقات يتسم بالبراغماتية الحذرة والتنافس غير المعلن.
أما العلاقة مع أرمينيا، فقد اتخذت طابعًا مختلفًا، إذ مثلت يريفان بالنسبة لطهران شريكًا استراتيجيًا موازنًا في مواجهة المحور التركي–الأذربيجاني. وقد حرصت إيران على الحفاظ على علاقات اقتصادية متنامية مع أرمينيا، بما في ذلك مشاريع تبادل الغاز والكهرباء، فضلًا عن دعمها الضمني لموقف أرمينيا الرافض لفتح ممرات جغرافية قد تقوض سيادتها، مثل ممر زنجيزور. ويُفسر هذا الموقف الإيراني الرافض لأي إعادة تشكيل جيوسياسي قد يؤدي إلى عزلة طهران بريًا عن القوقاز وأوروبا، أو يعزز النفوذ التركي في المنطقة.
في المقابل، ظلت العلاقات الإيرانية مع جورجيا محدودة نسبيًا، وتخضع لاعتبارات أوسع تتعلق بعلاقات تبليسي مع الغرب، وخاصة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، سعت إيران إلى الحفاظ على مستوى من الانخراط الاقتصادي والتجاري مع جورجيا، مستفيدة من موقعها كممر محتمل نحو البحر الأسود والأسواق الأوروبية، إلا أن هذا الانخراط ظل مقيدًا بالعقوبات الغربية المفروضة على إيران، وبالتوجهات الاستراتيجية الجورجية المناهضة للنفوذ الإيراني.
تبنت الجمهورية الإسلامية قبيل الحرب استراتيجية متعددة الأدوات في جنوب القوقاز، تقوم على مزيج من الاحتواء والموازنة والاندماج الاقتصادي المحدود. فقد سعت طهران إلى احتواء النفوذ الإسرائيلي في أذربيجان، وموازنة التحالف التركي الأذربيجاني عبر تعزيز علاقاتها مع أرمينيا، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جورجيا. غير أن هذه الاستراتيجية واجهت قيودًا دقيقة، على غرار تراجع النفوذ الروسي النسبي في المنطقة، وتصاعد الدور التركي، وتزايد اختراق القوى الدولية، ما جعل البيئة الإقليمية أكثر سيولة وأقل قابلية للضبط.
جاء اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير المنصرم في لحظة كانت فيها طهران تواجه بيئة قوقازية غير مواتية بالكامل؛ إذ لم تنجح في بناء تحالفات صلبة، بل اعتمدت على ترتيبات مرنة وهشة، ما جعل جنوب القوقاز ساحة محتملة للضغط الاستراتيجي عليها، خاصة من أذربيجان في ظل محاولات إعادة تفعيل أدوار القوى الإقليمية المنافسة، الأمر الذي أدى إلى جملة من التداعيات الأمنية والاقتصادية والسياسية، تتضح ملامحها فيما يلي:
في سياق الحرب الدائرة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات كبرى تحدد مستقبل الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتداعياتها على دول جنوب القوقاز خلال المرحلة المقبلة. حيث يفترض السيناريو الأول حدوث تصعيد محدود بين أطراف الحرب، من خلال التركيز على ضربات محدودة دون توسع نطاق الحرب لدول مجاورة. ويمثل هذا السيناريو بالنسبة لدول جنوب القوقاز تحديًا محدودًا، ولكنه يفرض ضغوطًا مستمرة؛ فقد تواجه أذربيجان معضلة الحفاظ على التوازن بين علاقاتها مع إسرائيل وتركيا من جهة، وضرورة تفادي أي استفزاز مباشر لإيران من جهة أخرى، وأهمية تركيز النظام السياسي الأذري على تأمين حدوده الشمالية والغربية، وضمان استمرار تدفق الغاز والنفط عبر الممرات الاستراتيجية، مع مراقبة التهديدات المحتملة للصواريخ أو الهجمات السيبرانية.
بينما أرمينيا قد ترى في هذا السيناريو فرصة لتقوية علاقاتها مع إيران لضمان دعم لوجستي وسياسي، مع الحفاظ على حياد نسبي في الصراع المباشر، بما يخفف من المخاطر الأمنية على أراضيها. أما جورجيا فقد تركز على استقرار حركة الممرات التجارية والبحرية، لا سيما ميناء باتومي، والعمل على تعزيز علاقاتها مع الغرب لحماية مصالحها الاقتصادية من أي تعطيل محتمل للصادرات الإيرانية المارة عبر أراضيها.
السيناريو الثاني: توسع الحرب وتحولها إلى صراع إقليمي: في حال توسع العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، فإن دول جنوب القوقاز ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع انعكاسات الحرب على الاستقرار الإقليمي. فقد تضطر أذربيجان إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا، بما في ذلك تعزيز قدراتها الدفاعية على الحدود الجنوبية مع إيران، وربما الانخراط في تحالفات مؤقتة مع تركيا أو القوى الغربية لضمان أمن خطوط الإمداد.
فيما قد تكثف أرمينيا تحالفها مع إيران كدرع ضد أي توسع محتمل للنفوذ التركي الأذربيجاني، مع تعزيز المراقبة على ممرات النقل الحدودية، لا سيما مع احتمالية تدفق اللاجئين أو الأسلحة عبر الحدود. بينما قد تواجه جورجيا في هذا السيناريو ضغوطًا مزدوجة بين الحفاظ على أمن أراضيها وبين التزاماتها مع دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، الأمر الذي قد يدفعها إلى لعب دور الوسيط أو تسهيل قنوات دبلوماسية لتجنب تحول أراضيها إلى مسرح تصعيد محتمل.
السيناريو الثالث: تسوية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: يتصور هذا السيناريو إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل انتهاء الحرب حتى دون تحقق أهدافها الاستراتيجية بالكامل. وفي هذا السيناريو ستجد أذربيجان نفسها مضطرة لمراجعة سياسات الانخراط مع إسرائيل وتركيا، بما يوازن مصالحها الاقتصادية والأمنية مع إيران المجاورة. بينما قد تصبح أرمينيا شريكًا أكثر موثوقية لإيران في جنوب القوقاز، ما يتيح ليريفان استثمار علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع طهران في تعزيز الاستقرار الداخلي ومواجهة المخاطر الحدودية. وقد تعود جورجيا إلى التركيز على تعزيز دورها كممر تجاري محايد، مع استثمار الانعكاسات الإيجابية لاستقرار إيران على الاقتصاد الجورجي، لا سيما في مجال الطاقة والنقل.
تمثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران محطة تحول مفصلية في معادلات جنوب القوقاز الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، فهي من ناحية تُقوض بنية التوازن الإقليمي التقليدي القائم على وجود إيران فاعلًا محوريًا في الهندسة الأمنية للمنطقة، ومن ناحية ثانية تُسرع من تفكيك الدور الروسي المتداعي، خاصة في السنوات القليلة الماضية، في حين لا تُقدم واشنطن نموذجًا واضحًا للنظام الإقليمي الذي تسعى لإرسائه في مرحلة ما بعد الحرب. حيث تجد دول جنوب القوقاز الثلاث نفسها، في هذا الفضاء غير المحدد المعالم، أمام اختبار صعب طالما حاولت تأجيله عبر سياسة التوازن الحذر بين قوى متنافسة. حيث بات الأمن الاقتصادي والاستقرار الجيوسياسي في جنوب القوقاز لا ينفصل عن مصير إيران في المرحلة المقبلة، فما يحدث في طهران ينعكس فورًا في ممرات تبليسي، وسلاسل إمداد يريفان، وأسواق طاقة باكو. كما أن الحرب اندلعت في اللحظة التي بدت فيها عملية التقارب الأرمنية-الأذربيجانية أقرب من أي وقت مضى، لتعيد هذا الملف الإقليمي الدقيق إلى دائرة الغموض من جديد. ولعل الأكثر إثارةً للقلق حول مستقبل الأمن الأوراسي أن منطقة جنوب القوقاز تُواجه هذه التحديات المتراكمة في ظل أضعف بنية أمنية جماعية عرفتها منذ سقوط الاتحاد السوفيتي، وفي غياب أي إطار متعدد الأطراف قادر على احتواء التداعيات وتوزيع الأعباء في تلك المنطقة الاستراتيجية.
ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير