
يواجه النطاق الجغرافي الممتد بين سوريا ولبنان لحظة تاريخية تتجاوز في خطورتها مفاهيم الصراع التقليدي على السلطة؛ إذ يبرز على طول هذه الحافة الممتدة مشهد جيوسياسي جديد يمكن توصيفه بظاهرة تلاشي الوسط. لا يشير هذا المفهوم إلى فقدان جغرافي للأرض بقدر ما يعكس ذوبان الحواجز السياسية والاجتماعية والقانونية التي كانت تفصل بين القوى العسكرية المتناحرة، وهي الحواجز التي شكّلت تاريخيًا الملاذ الأخير للمدنيين والأقليات. ومع تحوّل الحدود من خطوط سيادية إلى مناطق تداخل ميليشياوية عابرة للدول، يتقدّم سؤال وجودي حول مصير الهوية المدنية في إقليم تبتلعه الهويات الصدامية والوكالات الخارجية.
يرتبط هذا التحول مباشرة بتآكل بنية الدولة الوطنية في كلا البلدين، حيث تتراجع سلطة المؤسسات لصالح شبكات نفوذ مسلحة ومتداخلة تتجاوز الحدود والولاءات التقليدية. هذا التداخل بين قوى متعارضة شكليًا ومتشابهة وظيفيًا في تجاوزها لمنطق الدولة أفرز ما يمكن تسميته بالسيادة السائلة، حيث لا تخضع الأرض لقانون وطني ثابت، بل لموازين قوة متغيرة تُدار عبرها الجغرافيا كمساحة ضبط أمني لا كحيز سيادي مستقل. وتدير هذه الموازين تشكيلات عابرة للحدود تضم مقاتلين من خلفيات قومية متعددة، ما يمنح الصراع طابعًا دوليًا مركبًا يتجاوز جذوره المحلية.
في هذا السياق، يتحول الأمان من حق قانوني إلى امتياز مشروط، فيما يمكن تسميته تأميم الأمان، حيث يصبح الحصول على الحماية مرتبطًا بالانخراط في بنية مسلحة أو الارتباط بولاء سياسي أو طائفي. ومع تراجع قدرة المؤسسات الرسمية في بيروت وغياب الاستقرار البنيوي في دمشق، تفقد الجيوش النظامية دورها كضامن وطني، ما يدفع المدنيين إلى مغادرة فضاء المواطنة نحو أشكال بدائية من الحماية القائمة على العصبية والانتماء الضيق. هذه الديناميكية لا تقتصر آثارها على الأمن، بل تضرب في عمق العقد الاجتماعي، حيث يتحول الفرد إلى أداة ضمن صراعات لا يملك فيها أي قدرة على التأثير.
الأكثر هشاشة في هذا المشهد هم سكان المناطق الحدودية والأقليات، من المجتمعات المسيحية في البقاع الشمالي والقلمون إلى الدروز في حاصبيا والسويداء، حيث يواجه هؤلاء انهيار نموذج الحياد التاريخي الذي سمح لهم بالبقاء ضمن مناطق رمادية توازن بين المركز السياسي والاستقلال المحلي. اليوم، يتم سحق هذه المساحات الرمادية، حيث تفرض القوى الراديكالية من جهة خيارات قسرية بين الخضوع أو الرحيل، بينما تضعهم التحالفات الإقليمية من جهة أخرى في دائرة الاستهداف المباشر. ويبرز نموذج السويداء كمحاولة أخيرة للحفاظ على توازن هش بين رفض الهيمنة الأمنية ومقاومة التطرف، إلا أن انهياره المحتمل قد يفتح الباب أمام نهاية التعددية لصالح استقطاب دموي مغلق.
بالتوازي، يتجسد تلاشي الوسط في غياب مرجعية مدنية قادرة على تنظيم الحياة اليومية أو حماية السكان من الانتهاكات، حيث تعاني المعابر الرسمية من ضغط كبير، فيما تحولت المعابر غير الشرعية إلى بؤر صراع تديرها شبكات تهريب وقوى مسلحة. هذا الفراغ أفرز ما يمكن وصفه بـ”أمراء الحدود”، الذين يديرون الاقتصاد والأمن بمنطق الغنيمة، ما يعزز تفكك النسيج الاجتماعي ويدفع النخب المدنية إلى الهجرة، تاركين خلفهم فراغًا يتم ملؤه بقوى أكثر تطرفًا وتنظيمًا. وهكذا تتحول المنطقة تدريجيًا من فضاء تفاعل اجتماعي وتجاري إلى خط تماس دائم قابل للانفجار.
في هذا الإطار، يصبح التوصيف الأدق لما يجري هو انتقال الحدود السورية–اللبنانية من كونها جسرًا للتواصل إلى كونها شرخًا سياديًا مفتوحًا، يتم فيه تفريغ المجتمع من قواه الحية ضمن عملية يمكن تسميتها هندسة الفراغ. معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر تفاهمات أمنية جزئية أو ترتيبات عسكرية ظرفية، بل تتطلب إعادة بناء مفهوم السيادة المدنية عبر خطوات عملية تبدأ بإعادة تفعيل التنسيق المؤسسي بين الأجهزة الرسمية في البلدين لضبط المعابر، والحد من نفوذ الفواعل غير الدولاتية، خصوصًا من خلال تقليص وجود المقاتلين الأجانب في المناطق المأهولة.
كما تبرز ضرورة دعم البنى المحلية عبر تمكين المجالس البلدية والقيادات الاجتماعية في المناطق الحدودية من إدارة شؤونها بعيدًا عن هيمنة السلاح، إلى جانب توجيه برامج تنموية تقلل من اعتماد السكان على اقتصاد التهريب. وعلى المستوى القانوني والإنساني، يصبح توثيق الانتهاكات في مناطق التماس أولوية، بالتوازي مع تأمين آليات عبور مدنية تحمي السكان من الابتزاز الأمني وتعيد الحد الأدنى من انتظام الحياة اليومية.
إن تنفيذ هذه المقاربات قد يسهم على المدى القريب في تخفيف الاحتكاك العسكري داخل المناطق السكنية، لكنه على المدى الأبعد يمثل محاولة لإعادة إنتاج الوسط المدني كحاجز اجتماعي يمنع تمدد الصراعات الإقليمية. ذلك أن ترك هذه الحدود كساحة مفتوحة لحروب الوكالة لا يعني فقط تفكك الدولتين، بل يهدد بتحويل المشرق بأكمله إلى فضاء دائم لعدم الاستقرار، حيث تزدهر قوى السلاح وتختفي المجتمعات. وفي هذا المعنى، فإن استعادة الوسط ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لمنع تحول المنطقة إلى جغرافيا انكسار تُرسم حدودها بالدم لا بالسياسة.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير