
أدانت مصر بشدة التوغل البري الإسرائيلي في جنوب لبنان، واعتبرته “انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانية” وخرقًا جسيمًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وفي بيان رسمي، أعربت وزارة الخارجية المصرية عن تضامنها الكامل مع لبنان، مؤكدة رفضها القاطع لأي انتهاك لسيادته أو سلامة أراضيه. ودعت القاهرة إلى الانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية، كما شددت على ضرورة التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701، مع التأكيد على أهمية تمكين المؤسسات اللبنانية، لا سيما الجيش، من بسط سيطرتها على كامل الأراضي الوطنية.
كما دعت مصر إلى وقف شامل للعمليات العسكرية الإسرائيلية، بما في ذلك الغارات الجوية على بيروت ومناطق أخرى، وأدانت التقارير التي تحدثت عن استهداف قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (اليونيفيل). ووفقًا للقاهرة، فإن هذا التصعيد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، وزيادة معاناة المدنيين، والتسبب في نزوح جماعي للسكان.
وفي الوقت ذاته، حثّت مصر المجتمع الدولي ومجلس الأمن على اتخاذ إجراءات حاسمة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق الأوضاع إلى صراع إقليمي أوسع.
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات بين إسرائيل وإيران وعدة أطراف إقليمية، ما أثار نقاشًا واسعًا حول دور مصر في دعم حلفائها العرب.
وقد برزت انتقادات في وسائل إعلام إقليمية، من بينها تصريحات مثيرة للجدل للكاتب الكويتي فؤاد الهاشم، الذي تساءل عن مستوى دعم مصر لدول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية. إلا أن مصر كثّفت تحركاتها الدبلوماسية ردًا على ذلك.
وأجرى وزير الخارجية بدر عبد العاطي جولة إقليمية شملت دول الخليج، مؤكدًا أن أمن هذه الدول يُعد جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري. وخلال لقاءاته مع المسؤولين الخليجيين والسعوديين، جدّدت مصر رفضها للهجمات الإيرانية، وشددت على ضرورة خفض التصعيد.
كما عزّز الرئيس عبد الفتاح السيسي هذا الموقف من خلال اتصالات مباشرة مع قادة المنطقة، معبرًا عن تضامنه مع المملكة العربية السعودية، وفي الوقت نفسه حافظ على قنوات الحوار مع إيران، داعيًا إلى التهدئة وحسن الجوار.
في خضم هذا الجدل، أكد مسؤولون ومحللون مصريون أن دعم الحلفاء لا يعني بالضرورة التدخل العسكري المباشر. وأوضح اللواء المتقاعد سمير فرج أن المساعدة قد تتخذ أشكالًا متعددة، مثل تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدعم اللوجستي، والتدريب العسكري، على أن يتم اتخاذ قرارات نشر القوات بحذر وبالتنسيق مع الدول الشريكة.
ويعكس هذا النهج العقيدة العسكرية المصرية الأوسع، التي تركز على الدفاع عن الأراضي الوطنية وتجنب الانخراط في صراعات خارجية غير ضرورية.
أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع المحلل السياسي المصري طلعت طه، الذي أكد أن مصر لا تزال تلعب دورًا محوريًا ومتوازنًا في المنطقة، مستفيدة من علاقاتها القوية مع كل من الولايات المتحدة وإيران.
وبحسب طه، تعمل مصر بنشاط على تحقيق وقف إطلاق نار أوسع في الشرق الأوسط، خاصة بين واشنطن وطهران، مع الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع دول الخليج والدول العربية. وأكد أن القاهرة تدعم جهود التهدئة وتسعى إلى تجنب الانجرار إلى صراع لا يمسّها بشكل مباشر.
وأشار إلى أنه رغم عدم وجود تهديد فوري لمصر، فإن البلاد تظل على أهبة الاستعداد. وأوضح أن الجيش المصري ملتزم بعقيدة دفاعية تركز على حماية الحدود والمجال الجوي والموارد، بدلًا من الانخراط في عمليات هجومية.
كما حذّر طه من أن المنطقة تدخل مرحلة خطيرة قد تشهد صراعًا أوسع يشمل قوى كبرى، متسائلًا في الوقت ذاته عما إذا كانت أي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، قادرة على تحمّل حرب طويلة في ظل الظروف الحالية.
على الرغم من التحولات الإقليمية، تواصل مصر التأكيد على دورها كداعم رئيسي للقضية الفلسطينية. وأوضح طه أن القاهرة لطالما شاركت في جهود وقف إطلاق النار والمبادرات السلمية، بما في ذلك التحركات الدبلوماسية الأخيرة المرتبطة بقطاع غزة.
لكنه أقر بأن الاهتمام الإقليمي يتجه بشكل متزايد نحو إيران والتوترات الجيوسياسية الأوسع، ما قد يؤدي إلى تهميش القضية الفلسطينية. ومع ذلك، شدد على أن مصر، إلى جانب دول مثل الأردن والسعودية، لا تزال ملتزمة بإبقاء القضية الفلسطينية في صدارة الاهتمام.
ومع استمرار تصاعد التوترات، تنتهج مصر استراتيجية مزدوجة تقوم على رفض انتهاكات السيادة بشكل حازم، وفي الوقت ذاته السعي الحثيث إلى حلول دبلوماسية لمنع المزيد من التصعيد.
ويؤكد النهج المصري، الذي يجمع بين الانخراط السياسي وضبط النفس الاستراتيجي والتنسيق الإقليمي، دورها كفاعل رئيسي يسعى إلى تحقيق الاستقرار في شرق أوسط يزداد اضطرابًا.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير