مقالات المركز

التباين البريطاني-الأوروبي في مواجهة النهج الأمريكي

انكسار المحور الغربي


  • 23 مارس 2026

شارك الموضوع

في ظل الانتقادات الدولية الواسعة للولايات المتحدة بسبب حربها على إيران، تسعى بريطانيا إلى الظهور كشريك مستقل؛ إذ لم تنخرط في الحرب ولم تشارك في خطة دونالد ترامب لإرسال قوات إلى مضيق هرمز، مفضلةً دعم دول الخليج دون الارتهان الكامل للنهج الأمريكي. ويعكس هذا التمايز تحولات أعمق في النظام الأطلسي، الذي لم يعد يحتفظ بتماسكه التقليدي القائم على قيادة أمريكية، ودور بريطاني وسيط، وشراكة أوروبية ملتزمة، وهو ما بدأ يتآكل منذ مطلع القرن الحادي والعشرين بفعل تزايد الخلافات وتراجع الثقة وصعود قوى منافسة.

وقد استبقت لندن هذه التحولات، سيما مع اهتزاز وحدة أوروبا عقب خروجها من الاتحاد الأوروبي (2016–2020)، بالتوازي مع نزعة أحادية في السياسة الأمريكية خلال عهد ترامب، ما عمّق فجوة الثقة بين الحلفاء. ومع تصاعد التوتر حول إيران، أعادت كل من بريطانيا وأوروبا تقييم تموضعهما، سعيًا نحو قدر أكبر من الاستقلالية. ولا يعكس هذا التباعد إلا تحولًا بنيويًا في العلاقات عبر الأطلسي، حيث تميل أوروبا إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي، فيما تعيد بريطانيا صياغة دورها العالمي، في عالم يتجه نحو مزيد من التعددية والتنافس.

الجذور البنيوية للاختلاف ما قبل الأزمة الإيرانية

منذ نهاية الحرب الباردة، ظلّ التحالف الغربي يبدو متماسكًا في ظاهره، غير أنّه كان يخفي في عمقه تباينات بنيوية في الرؤى والأولويات؛ فقد مالت أوروبا، ولا سيما فرنسا وألمانيا، إلى ترجيح كفة الدبلوماسية والعمل المؤسسي في إدارة الأزمات، بينما تبنّت الولايات المتحدة نهجًا أكثر براغماتية يجمع بين القوة العسكرية وحسابات المصلحة. ومع مرور الوقت، أخذت هذه الفجوة تتّسع، فبرزت بوضوح خلال حرب العراق عام 2003، ثم تعمّقت عقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان سنة 2021، الذي أعاد إلى الواجهة هواجس الأوروبيين من القرارات الأحادية. ولمّا جاءت أزمة إيران، كشفت ما تبقى من هذا التباين، واضعة أوروبا أمام معادلة دقيقة بين الاصطفاف مع واشنطن في مسار تصعيدي محفوف بالمخاطر، أو التمسك بموقف مستقل يصون مصداقيتها ويعكس إرادتها السياسية. وهكذا يتبيّن أن الخلاف بين ضفتي الأطلسي ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لتراكمات عميقة في الرؤية والتوجه.

أوروبا تعيد اكتشاف استقلاليتها الاستراتيجية

إذا كان الموقف البريطاني يعكس تردد قوة ترتبط بتحالفات عتيقة وتحاول الموازنة بين متطلباتها المتناقضة، فإن الموقف الأوروبي القاري يُعبّر عن شيء أكثر جوهرية، وهي رغبة حقيقية في بناء قطب استراتيجي مستقل قادر على تحديد أولوياته وإدارة محيطه الإقليمي دون وصاية أمريكية دائمة. وهذا التوجه ليس وليد الأزمة الإيرانية وحدها، بل هو محصلة تراكم طويل بدأت إرهاصاته مع تصريحات ماكرون الشهيرة عن “موت دماغ حلف الناتو”، ومضى قدمًا مع تطوّر فكرة “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية”.

وجاءت الأزمة الإيرانية مضيفةً للمشهد عنصرًا دراماتيكيًا لأول مرة، إذ وجدت القارة الأوروبية نفسها تختلف مع واشنطن في تقييم المخاطر ذاتها، وليس فقط اختلافًا في أساليب التقييم. فالمسؤولون الأوروبيون رأوا في العمل العسكري الأمريكي مخاطرة بزعزعة الاستقرار في منطقة يمر عبرها جزء كبير من إمداداتهم النفطية، وعودةً لنمط الانخراط العسكري الأحادي الذي سبق وأثبت عجزه عن تحقيق الأهداف المُعلنة. وبدلًا من الوقوع في فخ الانسحاب الصامت كما جرت العادة، آثرت عدة عواصم أوروبية هذه المرة التعبير الصريح عن موقفها المختلف، حتى على حساب التوترات مع واشنطن.

غير أن الاستقلالية الأوروبية لا تزال تعاني من تناقض بنيوي مقلق: فعلى المستوى الخطابي، تتصاعد الأصوات المطالبة بأوروبا موحدة في سياستها الخارجية والدفاعية، لكن على الصعيد العملي تبقى الهوة واسعة بين التطلعات والقدرات. فلا توجد قوة عسكرية أوروبية موحدة فعلية، ولا آليات صنع قرار تسمح بالتحرك السريع والمتسق، ولا إجماع حقيقي حول طبيعة التهديدات وسبل مواجهتها. ومن هنا تبدو استقلالية أوروبا عن النهج الأمريكي أشبه باستقلالية سياسية وخطابية منها باستقلالية عملياتية حقيقية.

الحرب الإيرانية.. محفّز التحوّل في منظومة التحالفات

بقيت الأزمة الإيرانية محطة فارقة في تاريخ التحالفات الغربية لأسباب تتجاوز أبعادها العسكرية المباشرة. فمن الناحية الاستراتيجية، كشفت أن “الغرب الموحد” كان في الحقيقة بناءً هشًا يقوم على مصالح متقاطعة لا على رؤية استراتيجية مشتركة، وأن أي صدمة كافية يمكن أن تُعرّي هذا التباين الكامن. كما كشفت أن آليات التشاور داخل التحالف لا تزال قاصرة؛ إذ أُبلغ الحلفاء الأوروبيون بالتحركات الأمريكية ولم يُستشاروا فيها، وهو ما يعيد تكرار نمط أفرز إحباطًا عميقًا في باريس وبرلين وحتى لندن.

على الصعيد الإقليمي، أعادت الحرب تشكيل خريطة التحالفات بطرق ربما لم تحسبها واشنطن. فالدول الخليجية التي طالما رهنت أمنها بالضمانة الأمريكية وجدت نفسها أمام خيارات أكثر تعقيدًا: ففي حين أن هزيمة إيران تبدو في مصلحتها بالمعنى الجيوسياسي الضيق، إلا أن زعزعة الاستقرار الإقليمي الكاملة والفوضى التي قد تعقب الصراع قد تكون مكلفة للجميع. وهذا التحفظ الخليجي أضاف بعدًا جديدًا للمشهد، إذ عزّز التصورات الأوروبية القائلة بأن المقاربة الأمريكية تفتقر إلى رؤية ما بعد تكتيكية.

ملامح النظام العالمي الناشئ ما بعد الأحادية الغربية

يسير العالم بخطى متسارعة نحو ما يمكن تسميته “التعددية غير الرسمية”: عالم لا تنهار فيه التحالفات القديمة بالكامل، لكنها تفقد متانتها الأيديولوجية، وتتشكّل فيه تحالفات موقفية عابرة تجمع أطرافًا متباينة حول قضايا بعينها دون أن تُفضي إلى أحلاف شاملة ودائمة. وفي هذا الإطار، يبدو التباين البريطاني-الأوروبي عن النهج الأمريكي تعبيرًا عن منطق النظام الجديد الذي يسمح لحلفاء الأمس بالاختلاف علنًا اليوم.

وهو تحول يفرض تساؤلات جوهرية على صانعي القرار في العواصم الغربية. فعلى أوروبا أن تُقرر: هل تريد فعلاً الاستقلالية الاستراتيجية التي تطالب بها، وهل هي مستعدة لتحمّل تكاليفها؟ فالاستقلالية الحقيقية تعني الاستثمار في القدرات الدفاعية الأوروبية المشتركة بما يتجاوز الخطاب السياسي، وتعني بناء آليات صنع قرار جماعي أكثر فاعلية، وتعني أحيانًا القبول بمواجهة الشريك الأمريكي عند الاقتضاء. وهذا ثمن سياسي واقتصادي تبدو كثير من الحكومات الأوروبية مترددة في دفعه.

أما المملكة المتحدة، فتجد نفسها في موقع استثنائي بفرادته ومحفوف بالمخاطر في آن واحد: فهي تخرج من البريكست باحثة عن موقع دولي لائق، وتملك قدرات عسكرية واستخباراتية تجعلها لاعبًا مؤثرًا، لكنها تدرك أن هذه القدرات لا معنى لها إلا في سياق تحالفات فاعلة. والجمع بين الحفاظ على العلاقة الخاصة مع واشنطن والانخراط بعمق في المشروع الأوروبي وبناء سياسة خارجية ذات بصمة مستقلة ليس مستحيلًا نظريًا، لكنه يستلزم قيادة رشيدة تملك قناعة راسخة بأن الانحياز تخلٍّ عن المسؤولية الاستراتيجية.

وتبقى الخلاصة التي تفرضها هذه المرحلة هي أن التحالف الأطلسي لن يكون ما كان عليه قبل الأزمة الإيرانية. فالشراكات ستصبح أكثر شرطية، والاختلافات ستُعلَن بصوت أعلى، والمصالح المشتركة ستحدد أطر التعاون بدلًا من الأيديولوجيا الموحِّدة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع