مختارات أوراسية

هندسة الجنوب الأوراسي.. حرب إيران في ضوء استراتيجية ترمب الكبرى


  • 18 مارس 2026

شارك الموضوع

شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حملته العسكرية الثانية ضد إيران خلال أقل من سنة، لم يكن قراره صدمة — على غرار ما حدث في يونيو (حزيران) الماضي — لكنه يظل محيّرًا بسبب تعارضه مع وعوده السياسية بإنهاء الحروب وخفض التكاليف، وبسبب تناقضه مع السياق الإقليمي في الشرق الأوسط الذي شهد انفراجه نسبية بعد توقف الحرب في غزة وتقدم المفاوضات النووية بوساطة عُمانية.

وقد اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن إسرائيل نجحت في جرّ أمريكا إلى حربها الخاصة في الشرق الأوسط. فيما بدا للكثيرين أن نجاح ترمب الدرامي باعتقال مادورو قد ألهب حماسته إلى الحد الذي دفعه للقول بأن “سيناريو فنزويلا سوف يتكرر في إيران”.

ولا يُستبعد أن تكون السياسة الخارجية الأمريكية عرضة للارتجال بناءً على الأحداث الدولية غير المتوقعة، وأن تأخذ طابعًا مشابهًا للسمات الشخصية لرئيس الدولة — كما هو حاصل اليوم مع ترمب. لكن ذلك لا يلغي وجود إطار توجيهي يسترشد به البيت الأبيض في تحركاته الخارجية، ويكون بمثابة الخيط الناظم الذي يمنح قرارات الرئيس المختلفة منطقًا استراتيجيًا متسقًا برغم تناقضها الظاهري.

يصف بول كيندي هذا الإطار الناظم بأنه “الاستراتيجية الكبرى الحقيقية التي تتعلق بالسلام بقدر ما تتعلق بالحرب، وتضمن تطوير وتكامل السياسات التي ينبغي أن تستمر لعقود، أو حتى لقرون. فهي لا تنتهي بنهاية الحرب، ولا تبدأ ببدايتها”. وتستجيب الاستراتيجية الكبرى دائمًا لبنية النظام الدولي وما يفرضه على الولايات المتحدة من فرص وتحديات، لذا فإنها تحظى بقدر من التوافق والاستقرار النسبي.

وتحاول هذه المقالة استعراض الاستراتيجية الأمريكية الكبرى، للبحث عمّا إذا كان ثمة منطق كامن خلف قرار الحرب، وهل يتصل هذا القرار بديناميكيات الشرق الأوسط أم يتعداها إلى ما هو أبعد من ذلك؟

استراتيجية ترمب الكبرى

مع نهاية الحرب العالمية الثانية ظهر جدل أمريكي واسع حول الطريقة المثلى التي يجب أن تتعامل بها واشنطن مع نظام الثنائية القطبية؛ وكان مفهوم “الاحتواء” بمثابة الإطار النظري الموجّه للإدارات المتعاقبة حتى لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي.

وفي التسعينيات ظهر جدل مماثل بين الواقعيين والمثاليين؛ الاتجاه الأول تمسك بمفاهيم توازن القوى واعتبر أن الأحادية القطبية مجرد لحظة عابرة يجب على واشنطن ألّا تستنزف قوتها خلالها، بالمقابل كان الاتجاه السائد ينطلق من مفهوم “الهيمنة الليبرالية” الذي وظّفه الديمقراطيون والجمهوريون على حد سواء لتبرير نزعتهم التدخلية، وبلغ الأمر ذروته في أفغانستان والعراق.

وبعد مرور ربع قرن على حقبة الأحادية القطبية، ظهرت مقاربة جديدة تحاول التكيّف مع التغيرات الهيكلية في النظام الدولي وما أفرزته من تحديات أمنية ومنافسين جيوسياسيين، وطرح مفهوم “التوازن خارج المجال” كإطار توجيهي للسياسة الخارجية الأمريكية مستمد من الواقعية الجديدة.

تقوم هذه المقاربة على فكرة بسيطة مفادها أن أمريكا لم يعد بوسعها الحفاظ على موقعها القيادي عالميًا طالما ظلت التزاماتها الدولية تفوق مواردها الوطنية، ولذا فإن عليها ترتيب أولوياتها بحيث تركز على تفوقها النوعي علميًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا؛ وتعيد ضبط انتشارها الخارجي لتوفير الموارد المهدرة، بحيث تكتفي بفرض هيمنتها المطلقة في الأميركتين، وتمنع ظهور أي قوة مهيمنة في المجال “الأوراسي” من خلال نسج تحالفات توازنية وتجنب التدخل إلا في الحالات القصوى التي يكون فيها توازن القوى الدولي مهددًا.

لقد كانت هذه الاستراتيجية الكبرى امتدادًا نظريًا لعقيدة أوباما التي حاولت إعادة التوازن باتجاه التهديد الصيني على حساب الانخراط في الشرق الأوسط، وخلال حقبة بايدن كانت السياسة الخارجية الأمريكية تسير وفق هذا الخط الواقعي لكن مع الحفاظ على قيم القيادة الأمريكية الليبرالية والتمسك بالنظام الدولي القائم على القواعد.

ولم يخرج ترمب كثيرًا عن هذا الخط في ولايته الأولى؛ لكنه مثّل في ولايته الثانية نموذجًا تطبيقيًا صارخًا يمكن أن نصفه “بالواقعية العارية”، نموذج يتخلى عن القيم والتقاليد الدبلوماسية من أجل تحقيق المصالح الوطنية، ويزدري مؤسسات النظام الدولي الليبرالي لمصلحة التحركات الأحادية والعلاقات المعاملاتية، ولا يتورع عن التلويح باستخدام القوة والإكراه. وقد جاءت وثيقة الأمن القومي الأمريكي 2025، كي تمنح مبادئ الاستراتيجية الأمريكية الكبرى صيغة ترامبية.

اقتصاديًا تقول وثيقة الأمن القومي إن على أمريكا أن تكون أكثر حمائية في سياساتها التجارية وأن تركز على تجديد قاعدتها الصناعية، ولا سيما الصناعات العسكرية، ويجب أن تكون أكثر إمبريالية في ضمان إمدادات الموارد الحيوية وتحديدًا الطاقة والمعادن النادرة، وأن تظل متفوقة على مستوى التكنولوجيا والابتكار.

وعلى هذا الأساس برمج ترمب تدخلاته الجيوسياسية في مناطق العالم؛ أعلن العودة إلى مبدأ مونرو لبسط الهيمنة المطلقة على نصف الكرة الغربي، وتجلى ذلك في تصريحات ترمب المبكرة حول قناة بنما وغرينلاند وكندا، ثم تحركه العسكري في فنزويلا، وأخيرًا تهديداته بخصوص كوبا.

وفي أوروبا يتم الإبقاء على الشراكة مع الحلفاء الغربيين مع إعادة تقاسم الأعباء والحفاظ على توازن القوى الكافي لردع روسيا. وفي آسيا تظل الصين محور السياسة الخارجية الأمريكية لمنعها من التحول إلى قوة عظمى منافسة.

أما بخصوص الشرق الأوسط، فأكدت وثيقة الأمن القومي على تجنب الحروب المكلفة؛ احتواء إيران، ضمان الملاحة وإمدادات الطاقة، أمن إسرائيل، العلاقة مع الشركاء العرب، وتخفيف الأعباء وبناء السلام. لكن التطبيق العملي لسياسة ترمب الخارجية أخذ منحى مختلفًا وانتهى إلى حرب إقليمية واسعة. فهل يعني ذلك انقلابًا على الاستراتيجية الكبرى، أم أنه امتداد لها بأساليب أخرى؟

الحلقة الغائبة: “البلقان الأوراسي”

بعد نهاية الحرب الباردة، تنبّه بريجنسكي إلى أن ثمة تحديًا جيوسياسيًا يبرز أمام القوة الأمريكية العظمى يتصل بقلب أوراسيا، والذي تشكّله مجموعة الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي في منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى إضافة إلى أفغانستان. وأطلق على هذه المنطقة اسم “البلقان الأوراسي” لأنها تمثل حالة فراغ جيوسياسي عالمي وهشاشة أمنية واجتماعية داخلية، وساحة صراع تاريخي بين قوى دولية وإقليمية (روسيا، الصين، تركيا، إيران). وتمثل إيران الحد الفاصل ما بين البلقان الأوراسي ومنطقة الخليج العربي حيث تتواجد الهيمنة الأمريكية بكثافة كبيرة.

وخلال حقبة الأحادية القطبية دخلت منطقة “البلقان الأوراسي” بشكل نظري في مساحة النفوذ الأمريكي العالمي؛ وقد فتح هذا مساحة كبيرة للتعاون الأمني والاقتصادي إلى جانب الانتشار العسكري خلال فترة الحرب في أفغانستان. لكن منطقة البلقان الأوراسي لم تحظَ بأهمية استثنائية لدى السياسة الخارجية الأمريكية التي كان مسرح عملياتها الأساسي الشرق الأوسط. ومع الوقت تراجعت الأفضلية الأمريكية نتيجة صعود الصين وروسيا.

حاول أوباما في سنته الأخيرة أن يبني إطارًا مؤسسيًا للشراكة الاستراتيجية مع دول آسيا الوسطى من خلال مجموعة (C5+1)، لكنه في المقابل أنهى الوجود العسكري لآخر قاعدة أمريكية داخل آسيا الوسطى في دولة قرغيزستان. وقد حاول بايدن أن ينشئ مرتكزات عسكرية بديلة في آسيا الوسطى لتأمين صمود الحكومة الأفغانية وجهود مكافحة الإرهاب قبل الانسحاب الأمريكي في 2021، لكن “بوتين أبلغ بايدن خلال اجتماعهما في جنيف أن موسكو تعارض أي دور عسكري للولايات المتحدة في منطقة آسيا الوسطى، وأن الصين سترفض هذا الدور أيضًا”.

وقد منحت الحرب الروسية الأوكرانية أهمية إضافية لمنطقتي آسيا الوسطى والقوقاز، لكن النهج الأمريكي لم يصنع تحولًا استراتيجيًا خلال عهد بايدن الذي فضل التركيز على ردع الصين في الإندو–باسيفيك واحتواء روسيا في أوكرانيا وإعادة بناء الشراكات والتوازنات في الشرق الأوسط قبل أن ينشغل في عامه الأخير بتداعيات السابع من أكتوبر 2023.

لكن دونالد ترمب، وبخلاف سابقيه، أبدى اهتمامًا استثنائيًا بمنطقة “البلقان الأوراسي”؛ في 2025 طالب ترمب باستعادة قاعدة بغرام العسكرية في أفغانستان، وعقد قمة نوعية مع قادة دول آسيا الوسطى من أجل الاتفاق على مشاريع اقتصادية كبيرة، وتوسط بين أذربيجان وأرمينيا لتوقيع اتفاقية سلام، وقام بتشييد ممر ترمب بين الدولتين.

من الزاوية الاقتصادية يمكن فهم توجهات ترمب في حال تأملنا في ثروات هذه الدول من الطاقة والمعادن النادرة. وهذا يجعلها مطلوبة بشدة للدخول ضمن دائرة النفوذ الجيوستراتيجي الأمريكي، لكن تحقيق ذلك عمليًا سيظل صعبًا نتيجة قصور الدبلوماسية السياسية والاقتصادية والأمنية، خصوصًا وأن دول البلقان الأوراسي بعيدة عن مناطق الانتشار العسكري الأمريكي البحري، وهي مطوقة بنفوذ جيوسياسي روسي صيني إيراني يصعّب من اختراقها.

ولكي تلتف واشنطن على الجيوسياسية، كان أمامها خياران نظريان: إما أن تمنح تركيا دورًا إقليميًا قياديًا نظرًا لموقعها الجغرافي كعازل بين أوروبا وبين قلب أوراسيا، ونظرًا لقوتها الناعمة مع العلم أن خمسًا من دول البلقان الأوراسي تتحدث اللغة التركية.

أما الخيار الثاني فهو أن تحاول أمريكا توسيع وصولها المحدود إلى أذربيجان وتحويل الطريق الواصل بينها وبين أرمينيا إلى مدخل لبناء وجود عسكري. في المحصلة، فإن كلا الخيارين يحتاج إلى الصبر والمثابرة ولا يخلو من المخاطرة.

ضرب إيران وتعبيد الطريق نحو “البلقان الأوراسي”

يقسّم بريجنسكي أوراسيا إلى أربع مناطق؛ أولًا “الفضاء الأوسط” ويضم روسيا وما تحتويه من جغرافيا مترامية الأطراف، وثانيًا “الشرق” والذي يضم دول شرق آسيا أو ما يعرف اليوم بمنطقة “الإندو–باسيفيك”، وثالثًا “الغرب” والذي يشتمل على دول أوروبا الشرقية والغربية، ثم أخيرًا “الجنوب الأوراسي” والذي يضم دول آسيا الوسطى والقوقاز وأفغانستان إضافة إلى الشرق الأوسط.

وعند تأمل خارطة “الجنوب الأوراسي” يتضح جوهر المعضلة الجيوستراتيجية الأمريكية: فمن جهة هناك الشرق الأوسط حيث فائض قوة أمريكي مع مصالح حيوية آخذة بالتراجع، ومن جهة أخرى هناك البلقان الأوراسي حيث ثمة ضعف أمريكي ومصالح حيوية متنامية.

وإذا ما فكرنا كأي مطور عقارات طموح، سنجد أن الحل يقتضي دمج المنطقتين مع بعضهما من خلال إزالة العوازل وبناء جسور وإبرام الاتفاقات والمشاريع المشتركة. ولقد أظهر ترمب توجهًا نحو دمج الشرق الأوسط مع البلقان الأوراسي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حينما أعلن عن قيام اتفاق سلام بين كازاخستان وإسرائيل، وأضاف أن هناك الكثير من الدول في آسيا الوسطى سوف تنضم إلى اتفاقية أبراهام للسلام، وقد وصف ترمب هذه الاتفاقية بأنها “نادي للقوة”.

ومن هذه الزاوية، فإن إيران لم تعد مجرد لاعب مارق يستنزف القوة الأمريكية في الشرق الأوسط، بل هي منطقة عازلة تحول دون الاستفادة من فائض القوة الأمريكية باتجاه البلقان الأوراسي.

لقد أبدى الرئيس ترمب إصرارًا عجيبًا على خوض الحروب برغم المرونة الإيرانية التي تمكنه من إبرام اتفاق أفضل من نسخة أوباما، ورغم سعي جميع حلفائه في المنطقة — باستثناء إسرائيل — إلى إنجاح هذه المفاوضات النووية وتجنب التصعيد. وعلى الأرجح فإن الرجل لم يعد يسعى إلى صفقة تنهي المشكلة النووية وتعزز الاستقرار بالشرق الأوسط، بل يريد تحويل إيران إلى “رأس جسر جيوسياسي” للعبور نحو البلقان الأوراسي.

وتغيير الأهداف ترافق مع تغيير في الوسائل حيث جرى اعتماد مزيج من “الضغوط القصوى والحروب المحدودة” على أمل إخضاع النظام استراتيجيًا وتجريده من وسائل قوته عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا، واعتماد سياسة قطع الرؤوس بحثًا عن قيادة جديدة تصعد عبر انقلاب داخلي أو بتوافق وطني كي تتبنى تغييرات جذرية في سياستها الخارجية.

الجنوب الأوراسي: مركب أمني إقليمي

في وثيقة الأمن القومي أكدت إدارة ترمب التزامها بضمان أمن تايوان؛ ويعود ذلك “جزئيًا بسبب هيمنة تايوان على إنتاج أشباه الموصلات، لكن في المقام الأول لأن تايوان توفر وصولًا مباشرًا إلى “سلسلة الجزر الثانية”، وتفصل شمال شرق آسيا وجنوب شرق آسيا إلى مسرحين متميزين”.

وفي حال “سقوط/إخضاع” إيران، فإن ذلك يضمن بشكل أولي تفكيك أهم تحالف دولي تعديلي يحاول أن يتحدى الهيمنة الأمريكية في أوراسيا “الصين، روسيا، إيران”. وفي حال المضي قدمًا في دمج البلقان الأوراسي والشرق الأوسط كمركب أمن إقليمي كبير، فإن ذلك يفصل القارة الآسيوية إلى مسرحين متميزين: شرقي وغربي. وهكذا تعمل أمريكا على منع ظهور أي قوة إقليمية مهيمنة من خلال التموضع في منطقة الجنوب الأوراسي، بالتزامن مع الحفاظ على تفوق واشنطن في الإندو–باسيفيك وفي شرق أوروبا.

وبناء على هذه الفرضية، فإن روسيا والصين لا يمكن لهما أن تظلا متفرجتين لوقت طويل؛ صحيح أنهما لا تستطيعان ردع أمريكا عن قرار الحرب على إيران، لكنهما سوف تقاومان محاولات “الإسقاط/الإخضاع” للنظام. ومن هنا فإن تسريبات الدعم الصيني الروسي لإيران تكتسب مصداقية أكبر، وعلى الأرجح فإنها سوف تتزايد كمًا ونوعًا مع مرور الوقت إلى أن تتحول إلى حرب وكالة، في سيناريو مشابه نسبيًا لما قامت به أمريكا والغرب في أوكرانيا.

وبناء على هذه الفرضية، فإن إسرائيل تخدم أمريكا في البلقان الأوراسي بالقدر نفسه الذي تستفيد منه في الشرق الأوسط؛ وحاليًا هناك ثلاث دول إقليمية تظهر جاهزيتها للعب دور قيادي في تشكيل ديناميكيات “الجنوب الأوراسي”: تركيا التي تخدمها حقائق التاريخ والجغرافيا لكنها تخشى فقدان امتيازها كبوابة وحيدة للغرب، لذا فهي لا تتحمس لهدف إسقاط النظام الإيراني، وإسرائيل والإمارات اللتان بدأتا العمل مبكرًا لتكونا جسور اتصال سياسي واقتصادي وأحيانًا أمني بين المنطقتين.

الخاتمة

في الختام، وجب التأكيد على أربع ملاحظات تعقيبية:

أولًا: الاستنتاج بأن لقرار الحرب على إيران دافعًا عقلانيًا لا يعني الحكم بنجاح هذا القرار على أرض الواقع، وتظل مجريات الحرب قابلة للتحول نحو نتائج عكسية تزيد من استنزاف القوة الأمريكية وتعزز حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وتكرار سيناريو العراق.

ثانيًا: فإن طرح فرضية “الجنوب الأوراسي” كدافع للحرب الأمريكية على إيران لا يلغي بالضرورة الدوافع الأخرى المتصلة بالشرق الأوسط وإسرائيل وتعقيدات التفاوض النووي مع إيران وحسابات ترمب السياسية الداخلية، بل يسعى إلى التكامل معها في إطار استراتيجي أوسع.

ثالثًا: فإنه بصرف النظر عن نتائج الحرب الحالية على إيران، فإن الديناميكيات الإقليمية في “الجنوب الأوراسي” تزداد تشابكًا، وإذا وظفنا مقاربة بوزان وويفر، فإن الجنوب الأوراسي يتطور كمركب أمني إقليمي كبير وناشئ. وآخر أوجه هذا التشابك كان في بداية فبراير (شباط) الماضي، فبينما كانت البحرية الأمريكية تواصل حشدها العسكري في الخليج العربي، كان نائب الرئيس الأمريكي يزور أرمينيا لتوقيع اتفاقية تعاون في الطاقة النووية المدنية، ثم يزور أذربيجان لتوقيع اتفاق شراكة أمني واقتصادي.

أخيرًا: عند استخدام مفهوم “الاستراتيجية الأمريكية الكبرى” يجب التمييز جيدًا بين أدبياتها النظرية، وبين الجانب التطبيقي لها، لاسيما في نسختها الترامبية التي نشهدها اليوم. وهنا تحديدًا تكمن المفارقة، أو ما يسميه هيغل مكر التاريخ، إذ إن مفاهيم الاستراتيجية الأمريكية الكبرى التي تولد من أجل ترشيد السياسة الخارجية ينتهي بها المطاف نحو دفعها إلى مزيد من العسكرة.

وفي خمسينيات القرن الماضي أبدى جورج كينان، صاحب نظرية الاحتواء، أسفه من طريقة تطبيق أفكاره بصورة خاطئة في إدارة الصراع مع السوفيت، وخلال الأيام القادمة قد يبدي والت وميرشايمر تبرمهما من ترمب لأنه فهم نظريتهما بشكل خاطئ، لاسيما في الشرق الأوسط، وبدلًا من أن تقود أفكارهما إلى تسوية الملف النووي كما كانا يوصيان، حفزت ترمب على إسقاط النظام الإيراني.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع