
إن ردّ الفعل الأولي لموسكو، الذي اتسم بضبط النفس، إزاء الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي على طهران دفع كثيرًا من المراقبين في الغرب إلى الاعتقاد بأن الكرملين يبتعد عن حليفه الإيراني. فقد اقتصر الرد على إدانة رسمية ودعوة إلى العودة إلى طاولة المفاوضات في إطار متعدد الأطراف، وهو ما فُسِّر على أنه علامة على الحذر والابتعاد، بل بدا في نظر بعضهم تمهيدًا لقطيعة كاملة.
وقد انسجم هذا التفسير مع سوابق حدثت في سوريا وفنزويلا، حيث لم تُترجَم المواقف الرسمية لموسكو إلى تدخل مباشر يهدف إلى منع نتائج سياسية أو استراتيجية غير مواتية. غير أن هذا القياس لا يبدو مقنعًا، ولا يعكس بدقة طبيعة العلاقات الروسية-الإيرانية في المرحلة الراهنة.
في ظل تركيزها على الجبهة الأوكرانية، ومع عدم رغبتها في الانخراط المباشر في ملفات أخرى، تعمل روسيا حاليًا على معايرة مستوى الدعم العسكري الذي تقدمه لحلفائها وفق عاملين رئيسيين: درجة الاستقرار الداخلي لدى الحليف، والأهمية الاستراتيجية لمسرح العمليات.
في فنزويلا ظلّ التدخل الروسي محدودًا، وغلب عليه الطابع التقني، وهو ما ارتبط بالمسافة الجغرافية البعيدة وبغياب تعاون عسكري منظم بين البلدين. أما في سوريا، وحتى تدهور الوضع بصورة نهائية، فقد كان الكرملين يدعو بشار الأسد إلى تعزيز النظام من الداخل، مع تجنب أعباء تدخلات عسكرية جديدة قد تُشتّت الانتباه عن التناقضات غير المحسومة ومواطن الضعف القائمة.
غير أن الملف الإيراني يتمتع بخصائص مختلفة. في السياق الجديد للحرب، تتمثل طبيعة الدعم الروسي في إدماج منظومة قائمة بالفعل، ازدادت أهميتها الاستراتيجية مع تعمّق العلاقات بين البلدين. ويجري هذا التعاون منذ سنوات عبر ثلاثة محاور رئيسية: التسليح، والطاقة، والصناعة النووية المدنية.
في يناير (كانون الثاني) 2025 وقّعت موسكو وطهران اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة عشرين عامًا، توسّع التعاون بين البلدين في مجالات الدفاع والطاقة والبنية التحتية والتمويل، مع هدف معلن يتمثل في تنسيق السياسات بين الدولتين وتقليل تأثير العقوبات الغربية.
وعلى الصعيد العسكري-التقني تطورت العلاقات إلى شكل من أشكال التبادل المتكامل بين المنظومتين الدفاعيتين. فطهران تقدّم خبراتها المتقدمة في مجال الطائرات غير المأهولة، التي أصبحت في النزاعات المعاصرة أحد أهم الأسلحة التكتيكية، بينما تشارك موسكو مع إيران خبراتها في التقنيات الأكثر تعقيدًا، بما في ذلك أنظمة الصواريخ فرط الصوتية.
ويستند تعزيز التعاون العسكري إلى علاقات راسخة تشمل أيضًا المساعدة الروسية في البرنامج النووي المدني الإيراني. فقد أنجزت موسكو بناء محطة بوشهر للطاقة النووية وتديرها بالتعاون مع طهران؛ إذ أُبرم الاتفاق الخاص بالمفاعل الأول من طراز (ВВЭР-1000) عام 1995، وبدأ تشغيله عام 2011. كما يجري حاليًا بناء منشآت نووية إضافية اتُّفق عليها عام 2014. ويضاف إلى ذلك تزويد إيران بموارد الطاقة، ولا سيما البنزين ووقود الديزل، في ضوء القدرات المحدودة للبلاد في مجال تكرير النفط.
في ضوء الأهمية اللوجستية والجيوسياسية والجيواقتصادية المتزايدة لإيران، يبدو أن موسكو غير مستعدة للتخلي عن شريك تزداد أهميته عامًا بعد عام. ويشكّل الممر الدولي شمال–جنوب، الذي يربط روسيا وإيران والهند عبر بحر قزوين والخليج العربي، لكي يكون طريقًا تجاريًا بديلًا ينافس المسارات التقليدية التي يهيمن عليها الغرب.
وقد ظهرت أولى مؤشرات زيادة الدعم العسكري الروسي بعد التصعيد القصير لكنه المكثف في يونيو (حزيران) 2025، عقب القصف الأمريكي لأهداف إيرانية. وقد اعتُبرت تلك المرحلة، في نظر كثيرين، تمهيدًا محتملًا لتدخل عسكري أوسع، الأمر الذي دفع موسكو إلى توسيع دعمها بهدف تعزيز قدرات إيران الدفاعية.
وفي الآونة الأخيرة برزت مؤشرات جديدة على دعم أكثر نشاطًا، بعدما خلصت موسكو إلى قناعة – استنادًا جزئيًا إلى معطيات المراقبة عبر الأقمار الصناعية التي أظهرت استعدادات لوجستية في القواعد الأمريكية، وتحركات لحاملات الطائرات، وتعزيزًا للبنية التحتية العملياتية – بأن هجومًا أمريكيًا جديدًا بات وشيكًا.
وتشير بعض المعلومات إلى أن الصين تشارك أيضًا في عملية تعزيز الدفاعات الإيرانية. ومن اللافت أن النفي الصيني الأخير لإمكانية تزويد طهران بصواريخ مضادة للسفن من طراز (CM-302) فُسِّر في الغالب بوصفه إشارة سياسية تهدف إلى إبقاء احتمال المشاركة الصينية مفتوحًا، أكثر من كونه إغلاقًا نهائيًا لهذا الخيار.
يتمثل العنصر المركزي في الدعم الروسي في وجودٍ ملحوظ لأفراد روس على الأرض، ويُقال إن عددهم ازداد بعد الهجمات التي وقعت في يونيو (حزيران) من العام الماضي. فأنظمة معقدة مثل منظومة (S-400) للدفاع الجوي تتطلب دورات تدريب طويلة وكوادر عالية التخصص لتشغيلها. ونتيجة لذلك قد يكون هناك على الأراضي الإيرانية مشغّلون روس، بمن فيهم عسكريون، يتولون تقديم المساعدة في تشغيل الأنظمة التكنولوجية الروسية. ويضاف إلى ذلك الخبراء الروس الموجودون بالفعل في إيران للإشراف على تطوير البنية التحتية النووية المدنية.
ويبقى عامل الزمن العنصر الحاسم في هذه الفوارق. فكلما طال أمد الصراع ازدادت مكاسب طهران، التي استعدت لهذا السيناريو لأكثر من عشرين عامًا.
أما فيما يتعلق بمقتل آية الله علي خامنئي، فثمة رأي في موسكو يرى أن وجوده في طهران أثناء الهجوم لم يكن مصادفة. فقد قرر الزعيم الإيراني عدم الاختباء، رغم تحذير الاستخبارات الروسية من أن القرار الأمريكي بتوجيه الضربة كان قد اتُّخذ بالفعل في ديسمبر (كانون الأول) 2025. وربما كانت هذه التسريبات نفسها سببًا في دفع واشنطن إلى تأجيل العملية التي كان مخططًا لها في الأصل منتصف يناير (كانون الثاني)، ونقلها إلى موعد لاحق قليلًا، ولكن في توقيت اعتُبر أكثر ملاءمة قبل أن تتمكن إيران من تعزيز تحصيناتها بصورة أكبر بدعم من بكين.
وكان خامنئي، وهو في سن متقدمة ومع تدهور حالته الصحية وبعد أن جرى اختيار خليفة له، قد حوّل هشاشته الشخصية عن قصد إلى فعلٍ من أفعال الشهادة السياسية والدينية. وترى موسكو أن النتيجة تمثلت في تغيير طبيعة الصراع: فبدل أن يكون عملية عسكرية محددة الأهداف، تحوّل إلى مواجهة رمزية بين الولايات المتحدة والعالم الشيعي.
وجاءت النتيجة معاكسة لما يبدو أن واشنطن كانت تتوقعه. ففرضية الضربة الاستعراضية التي استهدفت مركز السلطة، والتي افترضت أن غياب المرشد الأعلى سيؤدي إلى رد فعل داخلي يضعف النظام، لم تتحقق. بل إن القصف تحول في الواقع إلى عامل تعبئة داخلية، عزز التفاف المجتمع حول النظام وهويته الدينية، مع احتمالات لامتداد هذه الآثار على المستوى الإقليمي.
وبذلك فإن اغتيال خامنئي أفضى إلى نتيجة معاكسة لما كانت تسعى إليه الولايات المتحدة، وأسهم في تعزيز دور الحرس الثوري الإيراني الذي يُنظر إليه باعتباره أحد الأعمدة الفاعلة في إدارة الدولة عسكريًا وسياسيًا.
يبرز بعد ذلك سؤال يتعلق بمدى موثوقية الولايات المتحدة في المفاوضات، وبصورة أعمّ بمستوى الثقة السياسية في واشنطن وفي شخص دونالد ترمب. استخدام المفاوضات بوصفها مرحلة تمهيدية أو موازية للتحرك العسكري أدخل عنصرًا من القطيعة وعدم الاستقرار أخذ يقوّض تدريجيًا الثقة بالدبلوماسية.
من حماس إلى فنزويلا وإيران – التي تعرّضت لهجومين خلال بضعة أشهر بينما كانت المحادثات لا تزال جارية – يبرز تساؤل جوهري: كيف يمكن الوثوق بالمفاوضات في مثل هذه الظروف؟ توجيه ضربة متعمدة إلى طرف شريك أثناء وجود مفاوضات مفتوحة يمثّل خروجًا على واحدة من أكثر تقاليد الدبلوماسية الدولية رسوخًا.
كما أن نقل أساليب التفاوض المستمدة من عالم الاستحواذات المالية، حيث يمكن أن تترافق الضغوط التفاوضية مع خطوات مفاجئة، إلى مجال السياسة الخارجية يحمل في طياته نتائج قد تكون كارثية.
ومن اللافت أن هذا التراجع الجديد في الممارسة الأمريكية للتفاوض يجد صداه أيضًا في الهجوم الذي استهدف مقر إقامة فلاديمير بوتين في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بواسطة 91 طائرة مسيّرة أوكرانية، في وقت كانت قد بدأت فيه جولة جديدة من المفاوضات الروسية-الأوكرانية. وترى موسكو أن العملية نُفذت من جانب كييف بدعم من الاستخبارات الأمريكية.
وإذا كانت شخصيات مثل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر قد شاركت بالفعل في مفاوضات تبيّن لاحقًا أنها لم تكن سوى مناورة تكتيكية لصرف الانتباه بالتوازي مع الهجمات على إيران، فإن من المشروع التساؤل الآن – دون قدر من السخرية – عمّن يمكنه أن يضمن صدقية مشاركتهما في الملف الأوكراني.
ويؤدي هذا إلى تصاعد الشكوك إزاء آلية صنع القرار في الولايات المتحدة، وهي آلية تحاول موسكو فهمها وتفكيكها. فالمجمّع الصناعي العسكري، وجماعات الضغط المالية والسياسية، وتيارات المحافظين الجدد، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الداخلية، تبدو جميعها عوامل تدفع نحو سياسة خارجية تفتقر إلى خط استراتيجي واضح.
أما الاعتبار الأخير فيتعلق بشخص الرئيس الأمريكي نفسه. فبينما بدا جو بايدن في كثير من الأحيان مقيّدًا في عملية اتخاذ القرار بنوع من الطوق الذي شكّله حوله كل من أنتوني بلينكن وجيك سوليفان ولويد أوستن وويليام بيرنز، يعطي ترمب انطباعًا مختلفًا؛ إذ يبدو كأنه يتخذ القرارات بنفسه، معتمدًا أسلوبًا يقوم على المراجعة الدائمة لقراراته السابقة، وهو ما يجعله اليوم فاعلًا يصعب التنبؤ بسلوكه، وغدًا شريكًا لا يمكن الاعتماد عليه.
المصدر: مجلة روسيا في الشؤون العالمية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير