
تجد تركيا نفسها بشكل متزايد متورطة في أزمة إقليمية آخذة في الاتساع مع استمرار تصاعد التوترات المرتبطة بالصراع الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. ففي يوم الجمعة 13 مارس (آذار)، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن أنظمة الدفاع الجوي التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) والمتمركزة في شرق البحر المتوسط اعترضت صاروخًا باليستيًا أُطلق من إيران باتجاه الأراضي التركية. وطالبت الوزارة طهران بتقديم تفسير، في حادثة تُعد الثالثة من نوعها منذ أوائل شهر مارس (آذار).
لكن السفارة الإيرانية في أنقرة ذكرت عبر منصة إكس أنه لم يتم إطلاق أي مقذوف من إيران باتجاه تركيا. لاحقًا أكد الناتو أن أنظمة الدفاع الجوي التابعة له اعترضت الصاروخ الباليستي الثالث الذي أُطلق من إيران باتجاه تركيا.
جاء هذا الاعتراض بعد حادثتين سابقتين خلال هذا الشهر. ففي 4 مارس (آذار)، اعترضت دفاعات الناتو أول صاروخ باليستي إيراني متجه نحو تركيا قبل دخوله المجال الجوي التركي. أما الصاروخ الثاني فقد تم إسقاطه في 9 مارس (آذار) بعد أن دخل بالفعل المجال الجوي التركي. وكانت إيران قد نفت استهداف تركيا في هجوم 4 مارس (آذار).
تمثل هذه الحوادث اختبارًا متزايدًا لكل من أنقرة وحلف الناتو ككل. فتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو وتشارك إيران حدودًا طويلة، رفضت بشدة أي هجمات إضافية. وبعد كل حادثة، قدمت أنقرة احتجاجات رسمية إلى طهران، لكنها امتنعت حتى الآن عن الإشارة إلى نيتها طلب تفعيل مبدأ الدفاع الجماعي للناتو.
دفعت البيئة الإقليمية الحالية تركيا إلى ما هو أبعد من دور المراقب. فقد أصبحت أنقرة الآن منخرطة بعمق في أزمة جيوسياسية معقدة يتقاطع فيها الصراع الإيراني–الأمريكي مع توترات عرقية قديمة ومخاوف تاريخية من تفكك الأراضي.
وفي قلب المخاوف الاستراتيجية التركية تقع القضية الكردية. فالملايين من الأكراد يعيشون داخل الحدود التركية، بينما تتمتع المجتمعات الكردية في العراق وسوريا بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي تحظى باعتراف ودعم دوليين.
كما أن الأكراد الإيرانيين الذين يعيشون في منفى اختياري في إقليم كردستان العراق يتلقون مؤخرًا أسلحة من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) بهدف تشكيل تهديد لإيران وتنفيذ هجمات عابرة للحدود داخل الأراضي الإيرانية.
ويشكل الدعم الأمريكي للأكراد الإيرانيين قرب الحدود التركية تهديدًا مباشرًا للأمن القومي التركي. كما أن الأكراد في العراق وسوريا لديهم تاريخ طويل من الدعم العسكري الأمريكي، وقد تبادلوا الأسلحة بين مجموعاتهم بغض النظر عن الحدود الدولية.
ويعتقد الأكراد أن “كردستان”، رغم عدم الاعتراف الدولي بها، تمتد جغرافيًا عبر تركيا وسوريا والعراق وإيران كوحدة جغرافية واحدة.
وتفسر هذه المخاوف إصرار تركيا المستمر على الاحتفاظ بحق تنفيذ عمليات عسكرية في شمال العراق وشمال سوريا. فقد عارضت أنقرة باستمرار أي ترتيبات دولية قد توسع الحقوق السياسية للأكراد أو تعزز مكانتهم السياسية، بغض النظر عن الحجج الإنسانية أو السياسية المؤيدة لذلك.
يصبح المأزق الاستراتيجي لتركيا أكثر تعقيدًا عند النظر إلى علاقاتها مع طرفي الصراع الإقليمي الأوسع. فبصفتها عضوًا في الناتو، يُتوقع من أنقرة إظهار قدر من التضامن مع التحالف الغربي بقيادة واشنطن. وفي الوقت نفسه، فإن استفزاز إيران ينطوي على مخاطر كبيرة.
فالبلدان يشتركان في حدود طويلة ويحافظان على علاقات تجارية كبيرة، إضافة إلى تقاطعات تكتيكية في عدة ملفات إقليمية. لذلك اتبعت أنقرة نهجًا براغماتيًا محسوبًا بعناية يسعى إلى إدارة التوترات بدلًا من الانحياز الكامل لأي طرف.
لكن استمرار الحرب وتصاعدها قد يضيق تدريجيًا هامش المناورة أمام تركيا ويدفعها إلى اتخاذ خيارات سياسية أكثر حدة مما تفضله حاليًا.
أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الخميس أن أنقرة تقود جهودًا دبلوماسية مكثفة لاحتواء دائرة العنف المتمركزة حول إيران، محذرًا من أنها قد تجر المنطقة بأكملها إلى كارثة شاملة.
قالت مصادر عسكرية تركية رفيعة لقناة الجزيرة إن موقف أنقرة الحالي قد يتغير إذا تعرضت الأراضي التركية لهجوم إيراني آخر. ووفقًا لهذه المصادر، فإن أي هجوم على تركيا سيُعد فعليًا هجومًا على الناتو.
وأضافت المصادر أنه رغم إطلاق إيران صواريخ نحو 11 دولة في المنطقة خلال الصراع الأوسع، فإن استهداف تركيا سيعني إعلان الحرب على الدول الأعضاء الـ32 في حلف الناتو، وهو ما وصفته بأنه “ليس خطوة حكيمة تحت أي ظرف”.
كما أكدت المصادر أن تركيا ما زالت منفتحة على التعاون في التحقيق في حوادث الصواريخ السابقة، لكنها شككت في مصداقية واقعية اقتراح طهران بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة في الظروف الحالية.
ويجري النظر في عدة سيناريوهات بشأن إطلاق الصواريخ، منها احتمال هجوم إيراني متعمد، أو قيام جماعات مسلحة باستغلال ضعف السلطة المركزية في إيران، أو تنفيذ عمليات من قبل عملاء إسرائيليين. كما أشار خبراء إلى أن صواريخ أُطلقت من العراق قد تبدو وكأنها جاءت من إيران في ما يعرف بعملية “الراية الكاذبة”.
ردًا على التهديد المتزايد، تنسق تركيا مع الناتو لنشر أنظمة الدفاع الجوي “باتريوت” في ولاية ملاطية شرق تركيا. ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز أمن المجال الجوي التركي، وبالتالي تعزيز الدرع الدفاعي الجوي لحلف الناتو.
وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن أنظمة الدفاع الجوي للناتو في شرق المتوسط حيّدت حطامًا باليستيًا أُطلق من إيران ودخل المجال الجوي التركي. وسقطت شظايا المقذوف الذي تم اعتراضه في منطقة غير مأهولة في ولاية غازي عنتاب الجنوبية دون وقوع خسائر بشرية أو أضرار.
من جانبه كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن أنقرة تحافظ على اتصالات نشطة مع كل من الولايات المتحدة وإيران في محاولة لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بأسرع وقت ممكن.
وقال فيدان: “نحن نتحدث مع الجانب الإيراني ومع الجانب الأمريكي”، مضيفًا أن الحرب ضد إيران شُنت “من دون استفزاز مسبق”، واصفًا إياها بأنها غير عادلة وغير شرعية، بينما أدان في الوقت نفسه الهجمات الصاروخية الإيرانية على دول الخليج.
كما دعا فيدان إلى وقف فوري للقصف الإسرائيلي للبنان، محذرًا من أن البلاد قد تنهار إذا استمر التصعيد. ووفقًا له، فإن سياسات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تقف في مركز العديد من الأزمات في المنطقة.
أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع الدبلوماسي التركي السابق أيدين سيزر للحصول على مزيد من الرؤى حول التحديات التي تواجه تركيا في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران.
السؤال الأول
اندلعت حرب إقليمية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. أين تقف تركيا وسط كل ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط؟
أيدين سيزر: بصراحة، موقف تركيا مثير للجدل أيضًا في السياسة الداخلية. فتركيا عضو في الناتو وتستضيف رادار كورجيك وقاعدة إنجرليك العسكرية. كما أن العلاقات بين أردوغان وترامب ممتازة للغاية. لذلك لم تنتقد تركيا الولايات المتحدة بلهجة قوية ولم تدن الهجوم على إيران بشكل واضح. بدلًا من ذلك، يدلي بعض ممثلي حزب العدالة والتنمية بتصريحات سياسية تلقي باللوم بشكل أساسي على إسرائيل. وهذا محاولة للظهور بمظهر المتعاطف مع الرأي العام التركي الذي يدعم إيران. وحتى أردوغان يقول إن نتنياهو خدع ترامب واستفزه. بشكل عام تتبع تركيا سياسة “الانتظار والترقب”، لكنني أرى أنها تقف في جوهرها إلى جانب الولايات المتحدة العدوانية.
تتمتع الحكومة التركية بعلاقات جيدة مع كل من الولايات المتحدة وإيران. هل سنرى تركيا تعمل على خفض التوتر في هذه الحرب وإيجاد حل؟
أيدين سيزر: منذ بداية الحرب، تصدر تركيا تصريحات في هذا الاتجاه. بل وقبل اندلاع الحرب حاولت جمع مسؤولين إيرانيين وأمريكيين في منصة إسطنبول. لكن إيران فضلت سلطنة عمان بدلًا من إسطنبول. وعلى الورق تبدو العلاقات التركية–الإيرانية طبيعية بل جيدة. لكنني شخصيًا أعتقد أن هناك مشكلة ثقة، خاصة من جانب إيران. فالعلاقات التركية–الأمريكية خلال فترة ترامب، بما في ذلك مشاركة تركيا في لجنة السلام التي شكلها ترامب، وربما الدور الذي قد تلعبه تركيا في ضمان فصل غزة بالكامل عن فلسطين ووضعها تحت حكومة لا تشكل تهديدًا لإسرائيل، كلها أمور تلفت انتباه إيران. كما أعتقد أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تحتاجان إلى وسيط في هذه الحرب. ولذلك لا أعتقد أن خطاب الوساطة التركي يحمل أهمية حقيقية.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير