تقدير موقف

الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران.. اختبار لباكستان وفرصة للهند


  • 15 مارس 2026

شارك الموضوع

أصبحت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير (شباط) 2026 اختبارًا حاسمًا للديناميكيات الإقليمية، خاصة بالنسبة لباكستان واتفاقاتها الدفاعية مع المملكة العربية السعودية، وفرصة للهند في مساحة المناورة بين عدة أطراف دولية، لاسيما الولايات المتحدة وروسيا والخليج وإيران. بدأت الحرب بضربات مشتركة أمريكية–إسرائيلية على أهداف إيرانية، أدت إلى مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، مما دفع إيران إلى الرد بصواريخ وطائرات مسيّرة على دول الخليج العربي التي تستضيف قواعد أمريكية، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان (والأردن وتركيا وأذربيجان). هذه الهجمات لم تقتصر على الأصول العسكرية الأمريكية، بل امتدت إلى البنية التحتية المدنية والنفطية لتمثل عدوانًا إيرانيًا واسع النطاق ضد دول الخليج، مما أدى إلى خسائر اقتصادية وإغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الذي يمر من خلاله نحو (20%) من إمدادات النفط العالمية. وهذه التطورات تُلقي الضوء على سياسات بلدان جنوب آسيا (باكستان والهند) فيما يتعلق بتطورات عسكرية متسارعة في غرب القارة الآسيوية.

تم توقيع اتفاق الدفاع المشترك الاستراتيجي (SMDA) في 17 سبتمبر (أيلول) 2025 في الرياض، بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وينص الاتفاق على “الرد المشترك على أي عدوان”، ويشمل تعزيز التعاون في مجالات الدفاع والتدريب والردع المشترك. وينص على اعتبار أي عدوان على إحدى الدولتين عدوانًا على الاثنتين. وجاء هذا الاتفاق كرد فعل على تصاعد التوترات الإقليمية، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية على قطر في سبتمبر (أيلول) 2025، التي أثارت مخاوف الدول الخليجية كافة من عدم موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية. وبالنسبة لباكستان، وفر الاتفاق دعمًا اقتصاديًا سعوديًا حاسمًا، حيث تعتمد إسلام آباد على الاستثمارات والمساعدات السعودية (والخليجية عمومًا) لمواجهة أزمتها المالية. ومع ذلك، فإن الاتفاق لا يشمل ضمانًا نوويًا صريحًا، رغم تلميحات بعض المسؤولين الباكستانيين، وهو ما تم نفيه لاحقًا لتجنب التصعيد مع إيران.

مع اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) 2026، شنت إيران عدوانًا واسع النطاق على دول الخليج ردًا على الضربات الأمريكية–الإسرائيلية. وشملت هذه الهجمات أكثر من 2000 صاروخ وطائرة مسيّرة (حتى لحظة كتابة المقال، وهذه الأرقام قابلة للزيادة في ضوء تطورات الصراع وتوسعه) على قواعد أمريكية في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين وعمان، بالإضافة إلى استهداف البنية التحتية المدنية مثل المطارات والفنادق والمنشآت النفطية. في السعودية، على سبيل المثال، تعرضت قواعد جوية عسكرية ومنشآت أرامكو وبعض آبار النفط لهجمات، كما تم استهداف مباشر للسفارة الأمريكية، وتصدت الرياض لأغلب هذه الهجمات. وبررت إيران عدوانها بوصفه ردًا دفاعيًا بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، معتبرة أن دول الخليج “أهداف” بسبب استضافتها للقواعد الأمريكية.

لكن مجلس الأمن الدولي اعتمد مشروع قرار خليجيًا–أردنيًا يدين الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن ويطالب بوقفها. وجاء تبني القرار رقم (2817) بأغلبية (13) صوتًا، فيما امتنعت كل من روسيا والصين عن التصويت، ولم تصوت أي دولة ضده. وأدان مجلس الأمن هجمات إيران على المناطق السكنية والبنية المدنية في الخليج والأردن وما سببته من ضحايا وأضرار، معتبرًا إياها انتهاكًا للقانون وتهديدًا للسلم الدولي. وطالب المجلس بـ”الوقف الفوري” للهجمات الإيرانية على دول المنطقة. كما يدين نص القرار “أي عمل أو تهديد من جانب إيران يهدف إلى إغلاق أو عرقلة أو التدخل بأي شكل من الأشكال في الملاحة الدولية في مضيق هرمز”.

هذه الهجمات والتطورات السياسية والقانونية والعسكرية المتلاحقة وضعت باكستان أمام اختبار دقيق، إذا ما قررت السعودية تفعيل الاتفاق الدفاعي وطلبت دعمًا عسكريًا باكستانيًا مباشرًا. ولهذا ظهر داخل إسلام آباد جدل سياسي حول أن الانخراط في الحرب قد يفتح جبهة جديدة مع إيران، التي تشارك باكستان حدودًا طويلة وعلاقات اقتصادية، بما في ذلك خط أنابيب للغاز. كما أن باكستان تواجه ضغوطًا داخلية من السكان الشيعة، الذين قد يثورون ضد أي تحالف مع السعودية ضد إيران. ويشكل الشيعة نحو (20%) من سكان باكستان، وهم يرتبطون عاطفيًا ودينيًا بإيران. وأثار مقتل آية الله علي خامنئي في الضربات الأمريكية–الإسرائيلية احتجاجات في مدن مثل كراتشي ولاهور واسكاردو وإسلام آباد، وتخشى السلطات الباكستانية من تكرار سيناريو التسعينيات عندما حدث صراع طائفي واسع النطاق سقطت فيه العديد من الضحايا.

ومع ذلك، أكدت باكستان استعدادها للدعم، مع تصريحات من رئيس الوزراء شهباز شريف تشير إلى “الالتزام غير المشروط”، لكن دون إعلان إرسال قوات حتى الآن. كما تؤثر الحرب بشكل كبير على علاقات باكستان مع دول الخليج، حيث تعتمد إسلام آباد على التحويلات المالية من العمال الباكستانيين في المنطقة (حوالي 10 ملايين شخص)، والتي تشكل نحو (20%) من الناتج المحلي الإجمالي. وقد أدت الهجمات الإيرانية إلى تعطيل الرحلات الجوية وإعاقة حركة بعض العمال، مما يهدد هذه التحويلات. كما أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة (50%) يزيد من عجز الميزان التجاري الباكستاني، الذي يعتمد على واردات الطاقة من الخليج.

وبالرغم من أن الحرب تسمح لباكستان بتعزيز العلاقات، لاسيما الاقتصادية، مع السعودية، فإنها تثير توترات مع إيران، التي اتهمت مسبقًا أي تحرك من باكستان بالانحياز إلى “المحور الأمريكي–السعودي”. وذلك في ظل توترات على الحدود الغربية، حيث تواجه باكستان حربًا مفتوحة مع أفغانستان وحركة طالبان، وتخشى إسلام آباد من أن توسع الحرب قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات عبر الحدود، خاصة مع مخاوف من تفكك إيران إلى مجموعات عرقية متناحرة، مما يعزز نفوذ إسرائيل والهند على الحدود الباكستانية بشكل غير مباشر. وإذا شنت طهران هجمات محتملة ضد باكستان، فإن الجيش الباكستاني سيكون متوسعًا ومنخرطًا في معارك عسكرية “تتمدد أطرافه على كافة الجبهات الاستراتيجية للدولة” إلى حد يهدد بانهياره. لاسيما أن هذا كله يتزامن مع مواجهة إسلام آباد لتهديدات من طالبان باكستان وجماعات انفصالية وتهديدات إرهابية عبر الحدود مثل جماعات البلوش وداعش–خراسان، لذا من المتوقع أن تحاول باكستان المناورة عبر التوفيق بين التزاماتها الدفاعية مع السعودية وحساب مخاطر التصعيد مع إيران.

بالمقابل، لا تواجه الهند “الخصم الاستراتيجي التاريخي لباكستان” هذه المعضلة الدقيقة في الخليج، على الرغم من أن نيودلهي تعتمد على الخليج في (80%) من وارداتها النفطية. وقد أدت الهجمات إلى ارتفاع الأسعار، مما يهدد نموها الاقتصادي بنسبة (0.1–0.2%) إذا استمر الصراع، لكنها غير ملتزمة أمنيًا مع أي من بلدان الخليج، على الرغم من تعزيز علاقاتها معه كأحد الأسواق المهمة. كما أن نيودلهي عززت شراكاتها مع السعودية والإمارات، ولاسيما أبوظبي، من خلال اتفاقات مثل (I2U2) (الهند–إسرائيل–الإمارات–الولايات المتحدة). لكنها في الوقت نفسه تستثمر في مشاريع مثل ميناء تشابهار في إيران، وتتبنى الهند موقفًا محايدًا، محكومًا بتوازنها بين الولايات المتحدة وروسيا. وقد تستفيد من إضعاف “محور المقاومة” الإيراني في الشرق الأوسط، مما يزيد من قوة نفوذ حليفتها السياسية “إسرائيل”، ويسمح بمزيد من تعميق العلاقات عسكريًا واقتصاديًا. كما أن أي انشغال باكستاني بجبهات بعيدة مثل الخليج يقلل من الضغط العسكري على حدودها مع إسلام آباد. كذلك فإن التوترات بين باكستان وإيران قد تمنح الهند فرصة لتعزيز نفوذها في أفغانستان وإيران، وأي عدم التزام في موثوقية باكستان مع الخليج قد يحدث شرخًا بين الطرفين أو يؤدي إلى برودة في العلاقات، وهو ما ستراه نيودلهي مكسبًا سياسيًا لها حتى لو كان بشكل غير مباشر.

ولهذا تمثل حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران نقطة خطر لباكستان، حيث قد يجبرها الاتفاق الدفاعي مع السعودية على اتخاذ قرارات صعبة في ضوء الهجمات الإيرانية على الخليج. وقد يعزز ذلك علاقات باكستان مع الخليج، لكنه يهدد بتصعيد مع إيران وتفاقم أزمتها الداخلية. أما الهند، فتستفيد نسبيًا، معززة نفوذها في المنطقة رغم التحديات الاقتصادية. لتكشف الحرب عن تباين في المواقف؛ حيث تبدو إسلام آباد محاصرة بين التزاماتها الدفاعية والمخاطر الجيوسياسية، مما قد يؤدي إلى عزلة إقليمية إذا انخرطت في الصراع أو لم تنخرط فيه، بينما تتمتع الهند بمرونة أكبر، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة وروسيا والخليج وإيران وإسرائيل على السواء. ومع ذلك، يواجه الاثنان تحديات اقتصادية مشتركة، مثل ارتفاع تهديد سوق العمل الخليجي لمواطني البلدين وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء جراء تهديد أمن الخليج وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع