
بعد مرور الأيام الأولى للعدوان الغاشم على إيران، بدا من الواضح أن السؤال لم يعد يقتصر على مصير نظام طهران أو على حدود وسقف العملية الإسرائيلية–الأمريكية. اتسع السؤال مع مرور أيام الحرب يومًا بعد الآخر ليصبح: هل تستطيع واشنطن خوض حرب كبيرة في منطقة الخليج، وتحافظ في الوقت نفسه على نظام الضغط الأقصى على روسيا في سوق الطاقة كما هو؟
وبعد تصريحات ترمب ووزير خزانته سكوت بيسنت يومي 9 و10 مارس (آذار) 2026 حول إمكانية تخفيف بعض القيود المفروضة على النفط الروسي من أجل احتواء قفزة الأسعار، التقط الكرملين الخيط، فعقد اجتماعًا طارئًا في الكرملين لبحث وضع أسواق النفط والغاز العالمية.
بوتين، خلال الاجتماع، أشار بوضوح إلى أن إنتاج النفط المرتبط بمضيق هرمز قد يواجه خطر التوقف الكامل خلال الشهر المقبل. وهذه الإشارة من الرئيس الروسي تحمل بلا شك تقديرًا بأن الأزمة تجاوزت مرحلة التوتر السياسي ووصلت إلى مستوى سوف يؤثر مباشرة في تدفقات الطاقة العالمية. وبالتالي على روسيا وشركاتها النفطية استغلال الوضع بالمعنى الإيجابي للكلمة، ومن منطق “مصائب قوم عند قوم فوائد” و”اليوم نغزوهم ولا يغزونا”.
وفي الوقت نفسه بدأ داخل الأوساط الروسية، سواء الرسمية أو على مستوى الخبراء، نقاش حول ما إذا كانت هذه الأحداث ستدفع الغرب، مضطرًا، إلى إسقاط العقوبات المفروضة على روسيا بالكامل أم لا.
لكن جال في ذهني سؤال آخر: ألا تكشف الحرب على إيران في يومها الثاني عشر، وانعكاساتها على سوق النفط والغاز، أن نظام العقوبات الغربية، وهو السلاح الذي ما فتئت تلجأ إليه واشنطن وأتباعها لمعاقبة من لا يسمع الكلام، هو أقل صلابة في الواقع مما بدا عليه؟
مما لا شك فيه أن التفكك الشامل لنظام العقوبات الغربية على روسيا لم يبدأ بعد، ولا يزال من المبكر الحديث عن ذلك. لكن مما لا شك فيه أيضًا أن شقوقًا واضحة ومعلنة، ولأول مرة بهذا القدر من الصراحة بسبب حرب إيران، ظهرت فيه. ولترجعوا إلى تصريحات ترمب وبيسنت بهذا الخصوص.
علينا أن نشير بالطبع إلى أننا لسنا بصدد الحديث عن انقلاب أمريكي استراتيجي أو تخلٍّ غربي كامل عن سياسة العقوبات. ولكن ما نحن بصدده هو لحظة تجد واشنطن نفسها مضطرة فيها إلى التعامل مع النفط الروسي بوصفه أداة استقرار محتملة للسوق، وذلك بعد أن كانت تتعامل معه، حتى أسابيع قليلة مضت، بوصفه أداة للابتزاز والعقاب والضغط. ولنتذكر هنا ضغط ترمب الرهيب على ناريندرا مودي، رئيس وزراء الهند، لإجباره على التخلي عن شراء النفط الروسي.
لكن، مع ذلك، فإن هذا التحول الاضطراري في الموقف الترامباوي، حتى لو كان مؤقتًا، يحمل دلالة استراتيجية كبيرة، وهي أن الأنظمة العقابية لا تنهار غالبًا بقرار واحد في لحظة واحدة، ولكنها تبدأ بالتآكل حين تتعارض كلفتها مع أولويات الأمن والطاقة والسياسة الداخلية. وارتفاع أسعار المحروقات من ديزل وبنزين في أمريكا قبل شهور من انتخابات التجديد النصفي هو عين السياسة الداخلية بالنسبة لترمب.
لذلك درست إدارة ترمب، على عجل، تخفيف بعض العقوبات النفطية على روسيا للمساعدة في تهدئة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناتج عن حرب ترمب على إيران. وحسبما تخبرنا الوكالات العالمية، فإن الإدارة الأمريكية تخشى من أن يؤدي الجمع بين الحرب على إيران والقيود الصارمة على النفط الروسي إلى قفزة سعرية تؤذي بشدة الاقتصاد الأمريكي والمستهلك الأمريكي المباشر.
موسكو، سواء على المستوى الرسمي أو على مستوى الخبراء، ومن واقع متابعتي لرد الفعل على الإشارات الأمريكية، لا تتعامل مع هذه التطورات على أنها نصر روسي بالمعنى المباشر للكلمة، ولكنها تنظر إليها على أنها دليل على ضعف نظام العقوبات الغربي عندما يصطدم بأزمة طاقة حقيقية.
بالطبع من السذاجة التعامل مع تصريحات ترمب عن رفع العقوبات النفطية على روسيا بأنها صادقة بنسبة مئة بالمئة، خاصة من واقع ما بتنا جميعًا نعرفه عن ترمب وعن تصريحاته. فلِمَ لا تكون هذه التصريحات ما هي إلا محاولة لتهدئة السوق أكثر منها تحولًا مبدئيًا في الموقف؟ فالحديث الأمريكي عن رفع العقوبات لا يعني نسف نظام العقوبات من أساسه، وإنما ما نفهمه من تصريحات المسؤولين الأمريكيين أنهم يتحدثون عن توسيع هامش التراخيص والإعفاءات وعدم التشدد في تطبيق بعض القيود كي لا تنفلت الأسعار.
كما أننا إذا ربطنا تصريحات ترمب عن قرب نهاية الحرب على إيران وتلميحه بتخفيف القيود على النفط الروسي، فيمكن استنتاج أنها تهدف أساسًا إلى تبريد السوق، لا إلى إعادة تطبيع العلاقة النفطية مع روسيا بشكل سريع.
فمن الواضح من تسلسل الأحداث أن الإدارة الأمريكية اضطرت إلى التدخل اللفظي بعد القفزة الحادة في أسعار الطاقة، سواء النفط أو الغاز، يوم الاثنين 9 مارس (آذار) 2026. ولذلك فإن تعليقات ترمب عن قرب انتهاء الحرب وتخفيف العقوبات كان هدفها إقناع السوق بأن الصدمة لن تدوم طويلًا.
ومع ذلك نقول إن اضطرار ترمب وسكوت بيسنت إلى استخدام فكرة النفط الروسي، وفي العلن، كأداة تهدئة للسوق يعكس، في رأيي، أن الحرب على إيران في يومها الثاني عشر تفرض بالفعل على واشنطن والبيت الأبيض إعادة تقييم عملية لأدواتهما العقابية. بالطبع أعود وأكرر أن هذا الأمر لا يعني تغييرًا استراتيجيًا، على الأقل حتى لحظة كتابة هذه السطور، لكنه بكل تأكيد يعني أن الحرب وحساباتها الخاطئة فرضت مرونة لم تكن مطروحة بهذه الصراحة قبل اندلاعها.
ومما لا شك فيه أن هذا التطور، في ظل تداخل الأحداث، هو من المنظور الاستراتيجي تطور خطير. والسبب في قول هذا الكلام هو ببساطة أن نظام العقوبات الغربي على روسيا بُني، منذ وضع لبناته الأولى، على فرضية إمكان عزل روسيا ونفطها جزئيًا من السوق من دون دفع كلفة مفرطة على النظام الاقتصادي العالمي الذي لا يزال خاضعًا للهيمنة الغربية.
فجاءت الحرب على إيران لتضرب هذه الفرضية في الصميم. فعندما يرتفع النفط سريعًا إلى مستويات 119 دولارًا للبرميل، وهو ما حدث صباح الاثنين 9 مارس (آذار) الجاري، ويتحول أمن الملاحة في الخليج إلى عامل شلل أو تعطيل فعلي، يصبح النفط الروسي ليس مشكلة، بل أداة احتواء للأزمة. وهذا هو التحول الأخطر. فنظام العقوبات لا يفقد معناه حين يتم إلغاؤه رسميًا، ولكن حين تضطر الدولة التي رسمته وصممته وأطلقته إلى استخدام الاستثناءات كي تمنع أضراره على نفسها.
وردًا على سؤال العنوان: هل بدأ التفكك فعلًا؟
الإجابة الموضوعية، من وجهة نظري الشخصية طبعًا، هي: بدأت تظهر الشقوق في جدار نظام العقوبات. لكن لم يحدث الانهيار الاستراتيجي الكامل، كسقوط حائط برلين.
غير أنه كلما طال أمد حرب إيران وانقلبت معادلاتها، كلما أجبر ذلك واشنطن على التعامل بمرونة لم تكن متصورة من قبل بهذه الدرجة. وهذه المرونة ليست اختيارية، ولكنها اضطرارية. وهي كذلك ليست هامشية، لأنها تعني أن نظام العقوبات، حين يواجه صدمة طاقة كبرى، ليس في مقدوره أن يبقى صلبًا بالكامل، بل يضطر إلى إنتاج استثناءاته الخاصة.
نعم، الغرب لم يرفع بعد راية التراجع أمام الاحتياج إلى النفط والغاز الروسيين، لكنه بدأ يقر عمليًا بأن خنق روسيا نفطيًا لا يمكن أن يستمر بالمنطق نفسه إذا انفجر الخليج.
لم يتفكك نظام العقوبات الغربية على روسيا بعد، لكنه لم يعد يبدو غير قابل للكسر. وحرب إيران هي المعول الذي نجح في إحداث هذه الشقوق بهذا القدر من الوضوح.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير