إستراتيجيات عسكريةمقالات المركز

ثماني ركائز إيرانية في الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل


  • 10 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: aljazeera

بعد مرور 10 أيام على الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، بات واضحاً أن هناك مجموعة من الحقائق، من بينها فشل واشنطن وتل أبيب في تحقيق أهدافهما خلال الإطار الزمني الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 28 فبراير (شباط) الماضي، عندما قالت إسرائيل إنها سوف تنهي المهمة في أربعة أيام فقط، بينما قال الرئيس ترمب إن العملية برمتها سوف تستغرق من أسبوع إلى عشرة أيام. لكن تفاصيل المشهد السياسي والميداني الحالي تقول إن هذه الحرب سوف تستمر طويلاً بعد فشل واشنطن وتل أبيب في تحقيق الانتصار عبر “حرب خاطفة وسريعة”.

وهناك مؤشرات كثيرة على أن هذه الحرب سوف تكون طويلة. من بينها طلب وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” 50 مليار دولار إضافية للحملة العسكرية على إيران، كما وصلت نحو 100 طائرة نقل عملاقة تحمل ما يقارب 120 ألف طن من الأسلحة والذخيرة الأمريكية إلى إسرائيل خلال اليومين الماضيين. كذلك حركت واشنطن منظومات دفاع صاروخية من طراز “ثاد” و”باتريوت” من كوريا الجنوبية وجنوب شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، ومن المتوقع أن تصل خلال الأيام القادمة. يضاف إلى ذلك ضغط واشنطن على حلفائها الأوروبيين، وفي حلف “الناتو”، لتقديم الدعم للعملية العسكرية على إيران. وترافق مع كل ذلك حديث جديد من الساسة الإسرائيليين والأمريكيين بأن الحرب على إيران سوف تستغرق وقتاً أطول مما قيل في السابق.

كل ذلك يشير عملياً إلى أن إيران — ورغم الخسائر الفادحة في الضربة الأولى التي قُتل فيها المرشد السابق علي خامنئي — استطاعت أن تمتص “الصدمة والرعب” اللذين رافقا الأيام الأولى من الحرب، وأن استراتيجيتها نجحت “حتى الآن” في تحقيق هدفها الأساسي بالحفاظ على النظام. وترفض طهران حتى اليوم أي دعوات لوقف الحرب أو العودة مرة أخرى إلى مائدة المفاوضات. ويشير تحليل السلوك السياسي والعسكري الإيراني خلال الأيام العشرة الأولى من الحرب إلى أن استراتيجيتها تقوم على ثماني ركائز رئيسية، وهي:

أولاً – منع التمرد

كان الرهان الأمريكي الإسرائيلي منذ البداية يقوم على ظهور تمرد داخل النظام، يمكن أن يتمثل في خروج مجموعات واسعة من الحرس الثوري عن طاعة النظام، أو إعلان سياسيين وبرلمانيين الانشقاق عن حكم المرشد، أو حتى إعلان جماعي من السفراء الإيرانيين في الخارج تخليهم عن النظام الحاكم.

وقام هذا الرهان على فرضية أن الضربات الساحقة على مراكز القيادة والسيطرة، واستهداف المقرات الرئيسية للحرس الثوري وقوات الجيش وقوات الباسيج، سوف تدفع هذه المؤسسات إلى التخلي عن النظام. وقد تحدث الرئيس ترمب عن هذا الأمر كثيراً عندما أوحى بأن هناك من يتصلون بالإدارة الأمريكية ويطلبون الحماية وعدم قصفهم.

لكن حتى الآن أظهر النظام الإيراني أنه متماسك للغاية، ولم تسجل أي محاولة للتمرد أو العصيان من جانب الأجنحة الأمنية والسياسية المختلفة التي يقوم عليها النظام الإيراني. ويعد هذا الأمر أكبر نجاح لطهران، وفي الوقت نفسه يمثل أكبر فشل لواشنطن وتل أبيب.

ثانياً – ملء الفراغات

فطنت إيران منذ حرب الاثني عشر يوماً في يونيو (حزيران) الماضي إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة سوف تستهدفان القادة السياسيين والأمنيين، على غرار استهداف إسرائيل للقادة العسكريين والنوويين في أول يوم من تلك الحرب.

ولذلك أعطى المرشد السابق علي خامنئي أوامره بتعيين أربعة نواب لكل مسؤول أو وزير أو قائد في الجيش والحرس الثوري والباسيج، بحيث إذا قُتل الأول يحل محله الثاني، وعند تولي الثاني المنصب يقوم فوراً بتعيين نائب جديد.

وقد نجحت هذه الاستراتيجية عقب اغتيال نحو 49 شخصية قيادية كانوا مع علي خامنئي يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. وأدى ذلك إلى وجود قيادة جاهزة في جميع المواقع دون أي فراغات أو فجوات سياسية أو أمنية. كما جاء اختيار المرشد الثالث في أقل من عشرة أيام ليؤكد أن إيران نجحت في ملء الفراغ الذي سببه مقتل علي خامنئي.

ثالثاً – رفع التكاليف

تدرك إيران أنه كلما زادت التكلفة المادية والبشرية وطال زمن المعارك، يمكن أن تتراجع الولايات المتحدة وتعلن أنها حققت أهدافها، كما جرى في المواجهة بين الحوثيين والولايات المتحدة وبريطانيا عام 2025.

وإذا طالت الحرب وظلت أسعار النفط والغاز ترتفع كل يوم، فإن ذلك سيدفع دول الاتحاد الأوروبي والصين إلى التحرك والمطالبة بوقف الحرب، لأن استمرارها يعني نزيفاً غير مسبوق للاقتصاد العالمي، في ظل إغلاق “مضيق هرمز” الذي يمر من خلاله نحو 21% من إجمالي النفط المنقول بحراً.

وقد نجحت استراتيجية إيران في رفع التكلفة على الاقتصاد العالمي، وهو ما يزيد الضغط على الإدارة الأمريكية لوقف الحرب، بعد أن وصل سعر برميل النفط إلى 120 دولاراً، وارتفع سعر الغاز بنسبة تزيد على 30%. ومع ارتفاع أسعار الشحن والتأمين، باتت أطراف عديدة — من الصين وروسيا وحتى الاتحاد الأوروبي — تطالب الرئيس ترمب بوقف الحرب، وهو ما يشكل نجاحاً لاستراتيجية طهران في المواجهة مع واشنطن وتل أبيب.

رابعاً – الورقة البرية

كان واضحاً منذ اليوم الأول إدراك إيران أن واشنطن وتل أبيب قد تحاولان الاستفادة من “الأقليات” داخل إيران، التي يقدر عددها بنحو 45 مليون نسمة، من بينهم نحو 25 مليون أذري، ونحو 10 ملايين كردي، ونحو 5 ملايين بلوشي.

ولهذا السبب كانت إيران تهاجم معسكرات الأكراد الإيرانيين في إقليم كردستان، وتراقب تحركات الأذريين في المحافظات الشمالية الغربية، لأنها تدرك — كما قال علي لاريجاني — أن هدف واشنطن وتل أبيب هو تفكيك إيران.

ولا يمكن أن يتحقق إسقاط النظام وتفكيك الجمهورية الإيرانية من دون عمل بري داخل الأراضي الإيرانية، حيث يمكن أن تلعب القوات التابعة للأقليات دوراً محورياً في السيطرة على المؤسسات والمدن. ولهذا وضعت الاستراتيجية الإيرانية هذه المعركة ضمن أولوياتها الأساسية لإجهاض الأهداف النهائية للولايات المتحدة وإسرائيل.

وعندما جرى الحديث عن دور محتمل للأحزاب الكردية الإيرانية، كانت طهران مستعدة لإجهاض أي محاولة لإعادة إنشاء إقليم “مهاباد”، الذي سبق أن شهد قيام دولة كردية قبل تأسيس الجمهورية الإيرانية.

خامساً – البقاء

تعمل الاستراتيجية الإيرانية بواقعية شديدة، إذ تدرك أنه لا يمكن هزيمة إسرائيل والولايات المتحدة معاً، لكن يمكن إفشال أهدافهما.

ولهذا كان الهدف الواقعي يتمثل في جعل العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية “غير مريحة”، وأن تبقى إيران قادرة على تشكيل تهديد دائم للطائرات الأمريكية والإسرائيلية. ويخدم ذلك الهدف الأسمى الذي تعمل عليه القيادة الإيرانية بعد رحيل المرشد السابق، والذي يمكن وصفه بـ”استراتيجية البقاء”.

ويعني ذلك البقاء في المعركة أطول فترة ممكنة انتظاراً لحدوث متغيرات في الساحة الداخلية الأمريكية. وتعتقد القيادة في طهران أن واشنطن وتل أبيب أرادتا منذ البداية “حرباً خاطفة وسريعة”، وأن إطالة أمد الحرب من شأنه أن يربك الخطط الأمريكية.

ولهذا سُمع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس يقول إن هدفهم يقتصر على تدمير البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وليس نشر الديمقراطية. ويمكن اعتبار ذلك مؤشراً على تغير في الأهداف الأمريكية التي كانت تتحدث في البداية عن تغيير النظام أو إسقاطه.

سادساً – استراتيجية المخازن

تعلم إيران أن النجاح في المعركة الحالية يعتمد على قدرة كل طرف على الاحتفاظ بالمخزون العسكري لفترة أطول. ولهذا بدأت في ترشيد إطلاق الصواريخ والمسيرات على إسرائيل.

وفي الوقت نفسه تدرك إيران أنه رغم التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، فإن هناك حدوداً لما تمتلكه واشنطن وتل أبيب من مخزونات.

فعلى سبيل المثال، أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو 150 صاروخاً من طراز “ثاد” خلال الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، بينما لا يتجاوز الإنتاج السنوي من هذا الصاروخ في الولايات المتحدة نحو 30 صاروخاً فقط. كما لا تستطيع شركة “لوكهيد مارتن” إنتاج أكثر من 60 صاروخ “باتريوت” سنوياً.

ولهذا تراهن طهران على تراجع المخزونات الأمريكية من الصواريخ الدقيقة مرتفعة التكلفة. وقد عقد الرئيس ترمب اجتماعاً مع أكبر ثماني شركات لإنتاج السلاح والذخيرة بعد أن أدرك أن هذه الحرب قد تستمر فترة طويلة.

سابعاً – توسيع دائرة النار

رغم فارق القوة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فإن طهران سعت إلى توسيع “دائرة النار” لتشمل دول مجلس التعاون الخليجي الست والعراق والأردن وقبرص وتركيا وأذربيجان.

ويهدف ذلك إلى خلق “ضغط سياسي” من شعوب وقادة هذه الدول على الإدارة الأمريكية لوقف الحرب، خاصة أن الهجمات الإيرانية على بعض الدول الخليجية أثارت قلق المواطنين والمقيمين. وقد قال الرئيس ترمب نفسه إنه فوجئ بالهجوم الإيراني على بعض الدول العربية والخليجية.

كما يدخل ضمن هذه الاستراتيجية تحفيز حلفاء إيران في لبنان والعراق للانخراط في الحرب، وهو ما بدأ يظهر بالفعل مع دخول حزب الله اللبناني وقوات الحشد الشعبي على خط المواجهة.

ثامناً – العزلة

منذ بداية الحرب واغتيال المرشد السابق، حرصت إيران على تنظيم مظاهرات شعبية مؤيدة للنظام. وقد ازدادت هذه التحركات بعد انتخاب المرشد الجديد، في محاولة لإظهار أن النظام لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية داخلية، ولمنع أي رواية خارجية تزعم أن النظام أصبح معزولاً أو فقد حاضنته الشعبية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع