
في اليوم الثالث للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران طالعت -بتمعن أكثر- ما يقوله خبراء الاقتصاد عن تأثير الحرب في قطاع الطاقة بالغ الحيوية، مع أنني بحكم التخصص أفهم أنه من المبكر جدًّا إصدار الأحكام في هذا المجال، أو تقديم تقييم يعتمد عليه، ومع ذلك قررت المخاطرة، خصوصًا بعد حالة التخبط والجنون التي أصابت أسواق المال والبورصات العالمية المختلفة عند افتتاحها يوم الاثنين 2 مارس (آذار) 2026.
وما فهمته أنه عندما تقرر طهران نقل المواجهة العسكرية إلى منشآت الطاقة، وهو ما لم يتوقعه الأمريكيون -حسب تصريحات ترمب مساء أمس الاثنين- خلال المؤتمر الصحفي بحضور وزير الحرب ورئيس الأركان المشتركة، فإنها -أي طهران- لا توسع نطاق الحرب الجغرافي فقط؛ ولكنها –على نحو يبدو مخططًا جيدًا مسبقًا تحسبًا لسيناريو العدوان- تنقل المعركة إلى قلب الاقتصاد العالمي وأعصابه.
الضربات التي استهدفت منشآت البترول والغاز في السعودية وقطر، والهجمات على ناقلات النفط قبالة ساحل عمان، من الواضح أنها رسالة اقتصادية، قبل أن تكون عسكرية، وقبل أن تكون عملًا تكتيكيًّا للحرس الثوري، ومعناها -حسب فهمي- أنه إذا استمرت الحرب طويلًا فلن يدفع ثمنها طرف واحد، وهو الطرف الإيراني.
مرت أربعة أيام فقط على بدء الحرب، ومع ذلك فإن كل الأعين الاقتصادية كانت على مضيق هرمز بوصفه عنق الزجاجة الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وأصبح بين عشية وضحاها أكثر بؤر تجارة النفط في العالم توترًا وسخونة.
ويبدو أن الأسواق افترضت -قبل أن تسير الأحداث في هذا الطريق الآن- أن يحدث سيناريو تقليدي، وهو: تهديد الملاحة، مع ارتفاع مؤقت في الأسعار، ثم عودة تدريجية إلى التوازن مع استئناف حركة الشحن.
لكن ما يحدث الآن هو أن الضربات الإيرانية التي أصابت منشأة رأس تنورة، أحد مراكز تصدير النفط السعودي بطاقة تقارب 550 ألف برميل يوميًّا، تفرض على هذه الأسواق تعديل السيناريو والاستعداد لمعادلة جديدة؛ فاندلاع حريق، وتعليق العمل -ولو مؤقتًا- في منشأة بهذه الأهمية يعني مباشرة أن الأزمة لن تكون محصورة في عملية مرور السفن، كما كان الكثيرون يتوقعون، ولكن بقدرة الإنتاج والطاقة الإنتاجية نفسها.
كما أن تطورات الأحداث اليوم تُخبرنا أن الأمر نفسه ينطبق على قطر؛ فالقرار القطري تعليق إنتاج الغاز الطبيعي المسال في منشأة رئيسة تابعة لقطر للطاقة -وقطر كما نعلم تمثل قرابة 20% من الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال- يدفعنا إلى القول بأن الأخطار تنتقل من المضيق -أي مضيق هرمز- إلى سلسلة التوريد العالمية لهذه السلعة البالغة الأهمية.
وحسبما فهمت من كلام الخبراء، فإن إعادة تشغيل منشأة، أو إصلاح خطوط معالجة وتكرير وتسييل، يستغرق وقتًا أطول بكثير من إعادة فتح ممر بحري، وهنا يتحول الخطر المؤقت إلى خطر هيكلي.
وما حدث أن رد فعل الأسواق كان فوريًّا، فخام برنت قفز بأكثر من 13% عند الافتتاح، وأسعار الغاز الطبيعي في أوروبا -لحظة كتابة هذه السطور- ارتفعت بنسبة تصل إلى 50%، أما الذهب فاستمر في الصعود بوصفه ملاذًا تقليديًّا في ظل هذه التقلبات والأخطار، وتكاليف شحن ناقلات النفط تضاعفت خلال أقل من 24 ساعة.
المثير في كل هذه العملية أن طهران الرسمية نفت أنها أغلقت مضيق هرمز، لكن مع ذلك أعلنت شركات التأمين العالمية عمليًّا أن المنطقة باتت منطقة عالية الخطورة، بمعنى أنك في مثل هذه الحالات لا تحتاج إلى إعلان رسمي لتعطيل التجارة، فيكفي فقط أن ترفع شركات التأمين أقساطها، أو تُعلن حالة القوة القاهرة حتى يتباطأ الشحن.
وبعبارة واحدة: الأسواق جبانة، ولا تنتظر البيانات السياسية، ولكنها تُسعِّر الخطر فورًا.
وبالطبع في هذا السياق يُطرح سؤال: لماذا تضرب إيران الطاقة في المنطقة؟
هناك تفسير سطحي -في رأيي- يحاول إقناعنا أن الضربات الإيرانية هي تعبير عن ضيق عسكري، أو أنها رد فعل انفعالي، وهو ما يخالف تمامًا ما يُعرف عن الطابع الإيراني، من حيث البرود والصبر، وليس الانفعال؛ لذلك يبدو لي هذا التفسير غير دقيق.
إن استهداف البنية التحتية للطاقة، وهي بنية بالغة الأهمية لسوق الطاقة العالمية بفرعيها النفطي والغازي، هو محاولة إيرانية مقصودة وواعية لرفع كلفة الحرب على من تراهم خصومها وحلفاءهم.
فحين تُصاب منشآت سعودية وقطرية، فإن الرسالة المرسلة لا تذهب إلى الرياض والدوحة فقط، ولكن إلى واشنطن أيضًا. من المعروف أن كثيرًا من قادة الخليج يرتبطون بعلاقات مباشرة وجيدة مع الإدارة الأمريكية، وهذا أمر طبيعي؛ ولذلك يعتقد متخذ القرار العسكري الإيراني أن الضغط الاقتصادي الداخلي في هذه الدول قد يتحول إلى ضغط سياسي على البيت الأبيض لوقف التصعيد.
لكن السؤال هنا: هل هذا الرهان الإيراني مضمون؟
والجواب -في رأيي- ليس بالضرورة، لكنه -بلا شك- ليس عملًا عشوائيًّا، كما يحاول البعض إقناعنا.
إيران تقول عمليًّا: إذا لم أستطع تحييد التفوق الجوي للعدو، فسوف أحول هذه الحرب إلى أزمة طاقة عالمية، و”عليَّ وعلى أعدائي”.
بالطبع هذا الخيار الإيراني يحمل خطرًا إستراتيجيًّا؛ لأن دول الجوار لا يمكنها أن تظل صامتة، أو مكتوفة الأيدي، وضرب منشآت الطاقة بها قد يفتح الباب أمام استهداف منشآت الطاقة الإيرانية نفسها. وكما أشرت أعلاه -نقلًا عن الخبراء- فإن إعادة تأهيل مصفاة نفط، أو منشأة تسييل غاز، قد تستغرق أشهرًا، وأحيانًا سنوات.
وإذا انتقل الصراع إلى تبادل ضربات على البنية النفطية، فإن المنطقة تدخل مرحلة استنزاف اقتصادي طويل الأجل، والمسألة في هذه الحالة لن تصبح مسألة تقلبات سعرية؛ بل إرجاع كل إنجازات التنمية خلال العقود الماضية في دول الخليج إلى الوراء بانحدار شديد.
لكن مَن المستفيد من هذه التطورات؟ ففي خضم هذا التصعيد، من المنطقي بالطبع أن يبرز سؤال، قد لا يُتداول علنًا كثيرًا، وهو: مَن المستفيد اقتصاديًّا؟ الجواب: روسيا قولًا واحدًا، من منطق “مصائب قوم عند قوم فوائد”، فالإجابة المنطقية من قراءة أولية وبسيطة لخريطة الطاقة العالمية، تحيلنا مباشرة إلى روسيا؛ لأن ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهي من كبار المنتجين العالميين لهذين المنتَجين، يعزز إيراداتها التصديرية.
وكبار المستوردين -مثل الصين والهند- سيحتاجون في ظل الوضع الراهن في الخليج إلى تعويض أي نقص في الإمدادات الخليجية من خلال زيادة المشتريات من موسكو.
ولدى روسيا حاليًا طاقات تصديرية كبيرة، خصوصًا بعدما حرم الأوروبيون على أنفسهم النفط والغاز الروسيين، فضلًا عن تقلبات الطلب الهندي في الأسابيع الأخيرة تحت تأثير الضغط الترمباوي؛ ومن ثم فإن الأزمة الإيرانية الحالية قد تضيف ملايين الأطنان إلى صادرات روسيا على الأقل خلال عام 2026 الجاري، وهو ما يضمن لروسيا مكاسب اقتصادية إضافية، وإن كانت على المدى القصير.
وقد تجلى ذلك بوضوح مع افتتاح البورصة الروسية صباح أمس الاثنين، حيث ارتفعت أسهم شركات “روسنفت”، و”لوك أويل”، و”غازبروم” فورًا، وهذا يعني أن الأسواق الروسية قرأت الأزمة سريعًا باعتبارها فرصة.
ومع ذلك أقول -من واقع قراءة داخلية- إن الاستفادة القصيرة المدى لا تعني غياب المخاطر. وما أقصده أن روسيا لديها مشروعات ضخمة في إيران، في مجالات مختلفة، أهمها الطاقة النووية في محطة بوشهر، وفي النقل، وغير ذلك، والوضع الحالي يجعلها بلا شك أكثر هشاشة، وأي تصعيد طويل قد يُجمِّد استثمارات بمليارات الدولارات؛ ومن ثم، نعم، روسيا تربح سعريًّا من النفط والغاز، لكنها تخسر استقرار شريك إستراتيجي مهم.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير