
وافقت إسرائيل على صفقات أسلحة مع الهند بقيمة 8.6 مليار دولار في عام 2026، مما يجعل إسرائيل أكبر مورد للأسلحة للهند بعد فرنسا. ولطالما كانت الهند أكبر مستورد للأسلحة الإسرائيلية لسنوات، حيث بلغت حصتها (34%) من إجمالي المبيعات بين عامي 2020 و2024، وفقًا لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وتشير أرقام مكتب التعاون الدفاعي الدولي التابع لوزارة الدفاع الهندية (SIBAT) إلى أن إجمالي مبيعات الأسلحة الإسرائيلية للهند خلال هذه الفترة بلغ نحو (20.5) مليار دولار. ولكن يبدو الآن أن مبيعات الأسلحة الإسرائيلية للهند في ازدياد مستمر. وهذه الشراكة الإسرائيلية- الهندية لا يمكن حصرها في مجرد تجارة أسلحة، بل تمثل تحولًا إستراتيجيًّا يؤثر في التوازنات الإقليمية بجنوب آسيا والشرق الأوسط.
بدأت العلاقات بين إسرائيل والهند رسميًّا عام 1992، بعد عقود من التباعد الناتج عن دعم الهند للقضية الفلسطينية خلال الحرب الباردة، حيث كانت نيودلهي تتبنى موقفًا معاديًا للإمبريالية، وتدعم الدول العربية. ومع ذلك، تغيرت الديناميكيات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي كان مصدرًا رئيسًا للأسلحة الهندية، مما دفع الهند إلى البحث عن شركاء جدد. وكانت إسرائيل، بتكنولوجياتها الدفاعية المتقدمة، خيارًا مثاليًا، خاصة أنها قدمت دعمًا عسكريًّا مباشرًا في أثناء حرب كرجيل مع باكستان عام 1999، بما في ذلك طائرات بدون طيار، وأنظمة مراقبة. هذا الدعم عزز الثقة المتبادلة وأدى إلى زيادة التعاون في مجالات مثل مكافحة الإرهاب، الذي يُعد تهديدًا مشتركًا لكلا البلدين.
من الناحية الاقتصادية، نمت التجارة بين البلدين على نحو ملحوظ، حيث يجريان مفاوضات لاتفاق تجارة حرة، مع التركيز على الاستثمارات في التكنولوجيا والزراعة. وأسهمت إسرائيل، المعروفة بابتكاراتها في إدارة المياه والري بالتنقيط، في تحسين الزراعة الهندية، مما أدى إلى بناء قواعد دعم شعبية في الولايات الهندية. كما أن الروابط الثقافية والسياسية أدت دورًا، خاصة مع صعود حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) ذي التوجه القومي الهندوسي بقيادة ناريندرا مودي، الذي يرى في إسرائيل نموذجًا للدولة القومية القوية في مواجهة التهديدات الإرهابية. وهذا التوجه الأيديولوجي يعكس تقاربًا في الرؤى، حيث يرى اليمين الهندوسي في إسرائيل حليفًا ضد “الإرهاب”، كما أظهرت استطلاعات الرأي التي أشارت إلى دعم (71%) من الإسرائيليين للهند. بالإضافة إلى ذلك، أدت التغيرات الجيوسياسية، مثل “الاتفاقات الإبراهيمية” التي عززت علاقات إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان، إلى تسهيل اندماج إسرائيل في سياسة الهند الأوسع في الشرق الأوسط، مما قلل أهمية القضية الفلسطينية في السياسة الخارجية الهندية.
بالإضافة إلى ذلك، يأتي التعاون في مجال التكنولوجيا والابتكار عاملًا رئيسًا، حيث تسعى الهند لتنويع مصادر أسلحتها، وتقليل الاعتماد على روسيا، فوجدت في إسرائيل شريكًا موثوقًا به يقدم تكنولوجيا متقدمة دون قيود كبيرة، مما جعل الهند أكبر عميل للصناعات الدفاعية الإسرائيلية. هذا التعاون يمتد إلى الإنتاج المشترك، كما في مشروعات الطائرات بدون طيار والصواريخ، مما يدعم مبادرة “صنع في الهند”، وكذلك أسهم التعاون في مكافحة الجرائم الإلكترونية والأمن السيبراني في تعزيز هذه الشراكة، خاصة مع تزايد التهديدات من الصين وباكستان. في المجمل يعكس تنامي العلاقات بين نيودلهي- تل أبيب تقاربًا إستراتيجيًّا يجمع بين المصالح الأمنية والاقتصادية والأيديولوجية لمواجهة التحديات الإقليمية.
من المتوقع أن تشمل الصفقات قنابل (SPICE 1000) الموجهة بدقة، التي تصنعها شركة رافائيل، وصواريخ (Rampage) جو- أرض، وصواريخ (Air Lora) الباليستية التي تُطلق من الجو، ونظام صواريخ (Ice Breaker). ويعد نظام (SPICE) من أنظمة الأسلحة الجوية الأرضية الدقيقة الذاتية التشغيل، بمدى يصل إلى 100 كيلومتر، ويتكون من ثلاثة أنواع من القنابل بأوزان مختلفة. يبلغ وزن قنبلة (SPICE 1000) نحو (500) كيلوغرام، وتكمن فرادة (SPICE) في قدرتها على التوجيه والتتبع نحو الهدف ذاتيًا، دون الحاجة إلى نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، باستخدام رأس توجيه كهروضوئي يتضمن خوارزمية رياضية مبتكرة، تقارن صورة الهدف بما تراه في الوقت الفعلي، مما يحقق دقة إصابة فائقة تصل إلى أقل من ثلاثة أمتار.
ويبلغ مدى صواريخ (Rampage) نحو 250 كيلومترًا، ويستخدمها سلاح الجو الهندي على متن طائرات سوخوي 30 وميغ 29. وتتميز هذه الصواريخ بدقة عالية، حيث يتراوح مداها بين 150 و250 كيلومترًا، وهذا لحماية الطائرات المقاتلة الهندية من أنظمة الدفاع الباكستانية المصنعة في الصين. أما مدى صواريخ (Air Lora) الباليستية فيبلغ نحو 400 كيلومتر، مما يُمكّن الطائرات المقاتلة من ضرب أهدافها دون التعرض لخطر أنظمة الدفاع الجوي المتطورة. وصُمم هذا الصاروخ لضرب مواقع الصواريخ والقواعد العسكرية وأنظمة الدفاع الجوي. ويزن الصاروخ نحو (1600) كيلوجرام، ويطير بسرعة تفوق سرعة الصوت، ويستخدم نظام ملاحة عبر الأقمار الصناعية محمي من التشويش، ورؤوسه الحربية متنوعة، ويمكن تصميمها لضرب الأهداف غير المحصنة أو المخابئ، بمدى يصل إلى 400 كيلومتر، ونصف قطر ضربة لا يتجاوز عشرة أمتار، ما يعني أن هذا الصاروخ سيُمكّن الهند من ضرب أي قاعدة باكستانية. أما نظام صواريخ (Ice Breaker) فقد صُمم لشن هجمات على أهداف برية وبحرية بمدى يصل إلى 300 كيلومتر. وتتميز هذه الصواريخ بفاعليتها في جميع الظروف الجوية، وقدرتها على العمل بكفاءة في بيئات الحرب الإلكترونية، كما أنها مزودة بقدرات توجيه وملاحة تعتمد على الأشعة تحت الحمراء، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف ورصدها.
ما سبق يعني أن الصفقات الإسرائيلية- الهندية تهدف إلى تغيير الموازين العسكرية في جنوب آسيا، وهي منطقة متوترة بسبب النزاعات العسكرية المستمرة بين الهند وباكستان، والتوترات مع الصين، وإذ تعزز قدرات الهند العسكرية، خاصة في الضربات الدقيقة والمراقبة، مما يمنحها تفوقًا على باكستان سيعني أن الأخيرة ستندفع في سباق تسلح مستعينة أكثر بالصين. بالإضافة إلى ذلك، يؤثر التوجه الهندي هذا في الاستقرار النووي بشبه القارة، إذ يقلل فاعلية الصواريخ الباكستانية بفضل أنظمة الدفاع الإسرائيلية، مثل (Arrow)، مما يدفع باكستان إلى زيادة ترسانتها النووية. ومن الناحية الأمنية، يزيد هذا التعاون العسكري بين نيودلهي وتل أبيب التوترات في كشمير، حيث تستخدم الهند تكنولوجيا إسرائيلية للمراقبة والقمع، وترى إسلام آباد هذا تهديدًا مباشرًا. كما أن التعاون في الفضاء السيبراني يمنح الهند أدوات لمواجهة الصين على الحدود، لكن ذلك يدفع بكين نحو تعزيز دعمها لباكستان، مما يعمق الاستقطاب.
وينتقل الاستقطاب من جنوب آسيا إلى غربها، أي منطقة الشرق الأوسط، حيث تتشكل تحالفات جديدة في ظل تراجع النفوذ الأمريكي، وصعود قوى إقليمية. وتنامي العلاقات الإسرائيلية- الهندية يظهر كمحور مضاد لما يُسمى بالمحور التركي- الباكستاني، الذي يشمل تعاونًا دفاعيًّا مع السعودية أيضًا، ويُنظر إليه كـ”ناتو إسلامي”، رغم نفي الرئيس التركي رجب طيب اردوغان تبني أنقرة سياسة الأحلاف خلال زيارته الأخيرة للرياض، ولكن هذا المحور “المتخيل” أو “الإصطلاحي” بين أنقرة وإسلام آباد يزيد تعاونه العسكري والأمني في كثير من الملفات، تشمل أكثر من بقعة جغرافية أبرزها غزة، والسودان، وليبيا.
ولم ينشأ هذا الاستقطاب لحظيًّا؛ بل يمكن رصده كرد فعل على التغيرات التي أعقبت الاتفاقيات الإبراهيمية التي عززت علاقات إسرائيل مع الإمارات والبحرين، مما أدى إلى اندماج الهند في هذه الديناميكية من خلال مبادرات مثل (I2U2) (الهند، وإسرائيل، والإمارات، والولايات المتحدة). وهذه المبادرة تركز على التعاون في التكنولوجيا والطاقة، لكنها تحمل أبعادًا أمنية، خاصة في مواجهة نفوذ الصين وإيران، اللذين يدعمان المحور التركي- الباكستاني جزئيًّا. وفي ضوء هذه الرؤية السياسية يصبح التحالف الهندي- الإسرائيلي منافسًا لباكستان وتركيا، حيث يعزز قدرات الهند في كشمير، ويساعد إسرائيل في مواجهة تركيا في الشرق الأوسط.
ويحمل الاستقطاب في طياته بُعدًا أيديولوجيًّا- دينيًّا من الناحية الأيديولوجية، فهو يعد صراعًا بين نماذج مختلفة: اليمين الهندوسي والصهيوني مقابل الإسلام السياسي التركي- الباكستاني. تركيا، تحت قيادة أردوغان، تدعم القضايا الإسلامية مثل كشمير، مما يثير مخاوف الهند، في حين ترى باكستان في التعاون الإسرائيلي- الهندي تهديدًا لتوازن القوى. وهذا الاستقطاب يمتد إلى مناطق أخرى، مثل القوقاز، حيث ساعدت إسرائيل وباكستان أذربيجان ضد أرمينيا، لكن المحور التركي- الباكستاني يصارع الآن إسرائيل على النفوذ في الشرق الأوسط.
هذا الاستقطاب يُعقد حسابات السياسة الأمريكية، حيث تدعم واشنطن التحالف الهندي- الإسرائيلي كجزء من إستراتيجيتها لمواجهة الصين، مما يزيد تماسك المحور الآخر التركي- الباكستاني الذي تدعمه واشنطن أيضًا لحل بعض الملفات في سوريا وأفغانستان، لكنها ترى أن دعم الطرفين يصنع توازنًا قويًّا بينهما؛ ما يمنع الصدام فيحتكمان دائمًا إلى واشنطن في حل القضايا الخلافية بينهما، أو لخلق صيغة سياسية لتقاسم النفوذ في جنوب آسيا والشرق الأوسط، وبالفعل تمكن الرئيس ترمب من تطبيق هذا الأسلوب بين نيودلهي وإسلام آباد، ونجح في وقف سريع للمواجهات العسكرية الأخيرة التي اندلعت بين الطرفين وكادت تصل إلى حرب شاملة مُدمرة لكليهما.
في النهاية، يعزز صراع المحاور الاستقطاب في المنطقة؛ مما يجعل الشرق الأوسط أكثر توترًا، ويؤثر في الاستقرار الإقليمي، ويُسرّع تنامي العلاقات بين تل أبيب ونيودلهي إعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط، حيث يُعزز محورًا مضادًا للمحور التركي- الباكستاني، مما يُعمّق الاستقطاب الإقليمي، ويُعيد رسم خطوط التوتر بين القوى الرئيسة. وفي الوقت نفسه، تُحدث الصفقة تحولًا ملموسًا في موازين القوى في جنوب آسيا، إذ تمنح الهند تفوقًا نوعيًّا في القدرات الدقيقة والاستخباراتية، مما يضع ضغوطًا إستراتيجية متزايدة على باكستان والصين، ويُحفّز سباق تسلح محتملًا في المنطقة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير