
جاء التعديل السابع والعشرون لدستور باكستان، أواخر عام 2025، ليشكل نقطة تحول حاسمة في تاريخ البلاد السياسي، لا سيما أنه الثاني خلال عام، فقد سبقه تعديل آخر أواخر عام 2024، ويركز التعديل الجديد على إعادة هيكلة العلاقات بين السلطات التنفيذية والقضائية والعسكرية، مع تعزيز مركزية السلطة في يد الجيش والحكومة التنفيذية. وفي ضوء السياق التاريخي لباكستان، الذي يشهد تذبذبًا مستمرًا بين الحكم المدني والتدخلات العسكرية، يُنظر إلى هذا التعديل على أنه خطوة نحو تعزيز النظام الهجين الذي يجمع بين السيطرة العسكرية والواجهة المدنية.
تعود جذور التعديل السابع والعشرين إلى تاريخ باكستان الدستوري المضطرب، الذي بدأ مع دستور 1973 الذي صمم ليكون إطارًا ديمقراطيًّا بعد انفصال بنغلاديش. ومع ذلك، شهد هذا الدستور أكثر من 25 تعديلًا، غالبًا ما كانت مرتبطة بتدخلات عسكرية أو أزمات سياسية. على سبيل المثال، التعديل الثامن في عهد الجنرال ضياء الحق (1977-1988) منح الرئيس صلاحيات واسعة لإقالة الحكومة، مما مهد الطريق لسيطرة عسكرية غير مباشرة. كما أن التعديل الثالث عشر عام 1997، تحت حكم نواز شريف، حاول تعزيز السلطة المدنية، لكنه سرعان ما أُلغي بعد الانقلاب العسكري لبرويز مشرف عام 1999.
هذه التعديلات السابقة كانت غالبًا مؤقتة، أو مرتبطة بظروف سياسية محددة، مثل الحاجة إلى تعزيز السلطة في أثناء الأزمات الأمنية أو الاقتصادية. في المقابل، يمثل التعديل السابع والعشرون تحولًا أكثر جذرية، حيث يرسخ امتيازات عسكرية في الدستور نفسه، مما يجعل إلغاءها أمرًا صعبًا دون إجماع برلماني واسع. ويأتي هذا التعديل في أعقاب التعديل السادس والعشرين، الذي أثار مخاوف بشأن استقلال القضاء من خلال إعادة تنظيم لجان التعيين القضائي، مما يعكس استمرارية في محاولات الحكومة الحالية بقيادة رئيس الوزراء شهباز شريف لتعزيز السيطرة التنفيذية.
يعكس التعديل السابع والعشرون الدور المهيمن للجيش في السياسة الباكستانية، الذي بدأ منذ استقلال البلاد عام 1947. فالجيش، الذي حكم البلاد مباشرة أكثر من ثلاثة عقود (1958-1971، 1977-1988، 1999-2008)، كان دائمًا يتدخل تحت ذريعة الحفاظ على الأمن الوطني، خاصة في مواجهة التهديدات من الهند، أو التمردات الداخلية في بلوشستان وبشتونخوا. وبالفعل بدأ التدخل العسكري المباشر مبكرًا، مع أول انقلاب عسكري عام 1958 بقيادة الجنرال أيوب خان، الذي ألغى الدستور وأعلن الأحكام العرفية، مبررًا ذلك بالفوضى السياسية والفساد. تلاه انقلاب الجنرال يحيى خان عام 1969، ثم الجنرال ضياء الحق عام 1977 الذي أطاح بذي الفقار علي بوتو، وأخيرًا انقلاب الجنرال برويز مشرف عام 1999.
هذه الانقلابات الأربعة شكلت نمطًا متكررًا، حيث يرى الجيش أن تدخله ضرورة “للحفاظ على الاستقرار”، أو “مكافحة الفساد”، لكنه في الواقع يعكس ضعف المؤسسات المدنية، والانقسامات السياسية، والتهديدات الأمنية الخارجية (خاصة مع الهند). خلال هذه الفترات، أدخل الجيش تعديلات دستورية تعزز سلطته، مثل التعديل الثامن في عهد ضياء الذي منح الرئيس صلاحيات واسعة لإقالة الحكومات. وكذلك، في عهد مشرف، أدخل التعديل السابع عشر تغييرات لتوسيع صلاحيات الرئيس، ومنها السيطرة على القضاء.
حتى في فترات الحكم المدني، يحتفظ الجيش بنفوذ كبير غير مباشر. ويسيطر على السياسة الخارجية (خاصة تجاه الهند، وأفغانستان، والولايات المتحدة)، والأمن النووي، والاستخبارات (خاصة جهاز الـISI). وفي انتخابات 2018، أسهم دعم الجيش في صعود عمران خان وحزب الإنصاف (PTI)، لكن العلاقة تدهورت لاحقًا، مما أدى إلى إقالته عام 2022 من خلال تصويت حجب الثقة، ثم سجنه وملاحقة أنصاره. هذا النمط يُعرف بـ”النظام الهجين” (hybrid regime)، حيث تبقى الواجهة مدنية، لكن الجيش يمسك بالسلطة الحقيقية.
التعديلات الكثيرة التي بلغت سبعة وعشرين تعديلًا، تعكس حقيقة استخدام الجيش “والسلطة التنفيذية أحيانًا” التعديلات الدستورية لترسيخ النفوذ، مستفيدة من الضعف السياسي العام الناتج عن الفساد والانقسامات. ويأتي التعديل الحالي بعد فترة من التوترات السياسية، بما في ذلك سجن عمران خان، زعيم حزب الإنصاف، ومظاهرات معارضة، مما يشير إلى أنه رد فعل على التحديات الداخلية لتعزيز الاستقرار.
يركز التعديل الدستوري الأخير على محورين رئيسين: إعادة هيكلة القضاء والجيش. أولًا، ينشئ محكمة دستورية اتحادية (FCC) لتتولى الاختصاص الدستوري، بما في ذلك تفسير الدستور، وحقوق الإنسان، والنزاعات الفيدرالية- الإقليمية، مما يحول المحكمة العليا إلى محكمة استئنافية للقضايا المدنية والجنائية فقط. كما يوسع صلاحيات السلطة التنفيذية في نقل قضاة المحاكم العليا، ويعيد تنظيم لجنة التعيينات القضائية لتشمل مزيدًا من التأثير التنفيذي.
ثانيًا، على الصعيد العسكري، يلغي منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة (CJCSC)، ويجمع قيادة القوات المسلحة الثلاث (البرية، والبحرية، والجوية) تحت رئيس أركان الجيش من خلال منصب رئيس أركان الدفاع الجديد. كما يسمح بالترقية مدى الحياة إلى أعلى الرتب العسكرية، ويضع السيطرة العملياتية على القيادة الإستراتيجية الوطنية (بما في ذلك النووي) تحت رئيس أركان الجيش، رغم الإبقاء الرسمي على الرقابة المدنية. بالإضافة إلى ذلك، يطبق المادة 248 مع تعديلات، مانحًا حصانة مدى الحياة للقيادة العسكرية والرئيس من الملاحقات القضائية، مما يعزز الإفلات من المُحاسبة.
هذه التغييرات تثير مخاوف جدية بشأن استقلال القضاء، الذي كان تاريخيًّا أداة للرقابة على السلطة التنفيذية. في الماضي، أدت المحكمة العليا دورًا حاسمًا في إبطال قرارات عسكرية، مثل إعلان انقلاب مشرف غير دستوري عام 2009. الآن، مع نقل الاختصاص الدستوري إلى محكمة جديدة يعين رئيسها الرئيس بناءً على ترشيح رئيس الوزراء، يصبح القضاء أكثر عرضة للتدخل السياسي. كما أن توسيع صلاحيات النقل يمكن أن يستخدم لمعاقبة القضاة المعارضين، كما حدث في عهد ضياء الحق؛ لذا يعد هذا التعديل استمرارًا للنظام الهجين الذي بدأ عام 2018 تحت حكم عمران خان، لكنه يرسخه دستوريًّا، مما يقلل فرص العودة إلى توازن سياسي ذي طابع مدني حقيقي.
يزيد تآكل الديمقراطية، أو موت الحياة السياسية في باكستان، وتعزيز الحضور العسكري مقابل ضعف الرقابة المدنية، لا سيما على المجال النووي والأمن من أخطار التصعيد الإقليمي، خاصة مع الهند. وقد يؤدي هذا إلى زيادة التوترات في كشمير أو حدود أفغانستان، حيث يمنح الجيش حرية أكبر في اتخاذ قرارات إستراتيجية دون تدخل مدني. كما يثير التعديل مخاوف المعارضة، كما في حالة حزب الإنصاف، ويزيد حدة الاستقطاب السياسي، حيث يمكن استخدام الحصانة لتجنب الملاحقات القانونية ضد القادة العسكريين أو الحكومات المدنية المُتحالفة معهم. كما يضعف الاتحاد الفيدرالي، حيث يقلل دور المحاكم في حل النزاعات الإقليمية، مما قد يفاقم التمردات في بلوشستان أو السند.
ختامًا، يمثل التعديل الدستوري السابع والعشرون في باكستان إحدى أوسع عمليات إعادة هيكلة بنية السلطة في البلاد منذ عقود، إذ يُغير جذريًّا العلاقة الهشة والمختلة أصلًا بين الحكومة المدنية والجيش والقضاء. ويُعزز هذا التعديل السلطة على محورين؛ فهو يُضعف استقلال القضاء بوضعه تحت سلطة تنفيذية لطالما كانت خاضعة للجيش، وفي الوقت نفسه يُرسخ مركزية الجيش بالسيطرة الموحدة على القوات البحرية والجوية. ويزيد التعديل مركزية السلطة الإستراتيجية بوضع السيطرة العملياتية على القيادة الإستراتيجية الوطنية تحت قيادة رئيس أركان الجيش، وهذا التغيير لا يُعد مجرد إصلاح إداري؛ بل هو ترسيخ دستوري للنظام الهجين الذي يجمع بين واجهة مدنية وهيمنة عسكرية فعلية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير