إستراتيجيات عسكريةتقدير موقف

هل يتفكك “حلف الناتو”؟


  • 31 يناير 2026

شارك الموضوع

لأول مرة منذ تأسيسه في 4 أبريل (نيسان) 1949 يتعرض حلف دول شمال الأطلسي (الناتو) لمشكلات بنيوية تهدد وجوده، وتنذر بتفككه، مع أنه عندما تأسس في واشنطن قبل نحو 77 عامًا كان يضم 12 دولة فقط، واليوم بات يضم 32 دولة بعد انضمام فنلندا إلى الحلف في 4 أبريل (نيسان) 2023، ثم انضمام السويد في 7 مارس (آذار) عام 2024.

في أوروبا، ينظرون إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بوصفه رمزًا وعنوانًا لكل المشكلات التي يعانيها “الناتو”، وتهدد بتفكيك الحلف الذي ظل يوصف بأنه أقوى وأعظم تحالف عسكري على مدار التاريخ. لكن الرئيس الأمريكي يرى أن شركاءه في الحلف الأطلسي يستغلون الولايات المتحدة، وحان الوقت لتكون الأعباء المالية والعسكرية متساوية، وأن يقدم الأطلسي شيئًا للولايات المتحدة. ويطالب ترمب دول الحلف بإقناع مملكة الدنمارك بالتخلي عن “جزيرة غرينلاند” للولايات المتحدة مقابل الخدمات الأمنية والعسكرية التي قدمتها واشنطن للحلف على مدار العقود الماضية. ويدلل ترمب على وجهة نظره بأن بلاده هي التي ظلت تحمي القارة الأوروبية منذ نهاية الأربعينيات في القرن الماضي، وأن الازدهار والتقدم اللذين تعيشهما أوروبا وكندا يعود فقط إلى “مظلة الحماية الأمريكية”؛ حيث تنفق الولايات المتحدة منذ عقود طويلة نحو 3.7% من ناتجها القومي على الشؤون الدفاعية، في حين ظلت أوروبا تدفع نحو 1.1% فقط حتى قمة “حلف الأطلسي” في ويلز عام 2014 عندما طلب الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما من نظرائه في “الحلف الأطلسي” دفع 2% من الناتج القومي الأوروبي للشؤون الدفاعية بحلول عام 2022. واليوم، وبعد اتفاق ترمب مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على إنفاق 5% من الناتج الإجمالي لدول الحلف على الشؤون الدفاعية، لا تزال الولايات المتحدة تنفق أكثر بكثير من كل دول الحلف الآخرين. ففي عام 2025 أنفقت الولايات المتحدة على الشؤون الدفاعية 980 مليار دولار، تشكل نحو 62% من إجمالي إنفاق “حلف الأطلسي”، في حين أنفقت 31 دولة أخرى في “الناتو” 608 مليار دولار فقط، تساوي 38% من نفقات الحلف الأطلسي التي بلغت 1.59 تريليون دولار بنهاية العام الماضي. فما المشكلات التي تهدد بتفكيك الحلف الأطلسي؟ وهل يمكن أن يبقى “الناتو” دون الولايات المتحدة الأمريكية كما قال الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب في منتدى دافوس الاقتصادي؟ وهل فعلًا لا تستطيع الدول الأوروبية الدفاع عن نفسها إذا انسحب البيت الأبيض من “الناتو” كما قال مارك روته الأمين العام للحلف الأطلسي؟

8 تحديات

لا يكتفي الرئيس ترمب بالقول إن بلاده قدمت “مظلة حماية أمنية” لكل الدول الأوروبية طوال العقود الثمانية الماضية، بل يقول إن وجود وبقاء كثير من الدول الأوروبية كان نتيجة لتضحيات الولايات المتحدة الأمريكية. وعندما فكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في تشكيل “جيش أوروبي موحد” عام 2019 رد عليه الرئيس ترمب بأن فرنسا ربما كانت “تتحدث الألمانية الآن” لو لم يتدخل الجيش الأمريكي لتحرير فرنسا من النازية في الحرب العالمية الثانية. لكن على الجانب الآخر، يقول الأوروبيون إنهم يساعدون الولايات المتحدة في تحقيق إستراتيجية “الدفاع المتقدم” عن طريق نشر القواعد والجيوش الأمريكية في أوروبا، وشراء الأوروبيين للأسلحة والبضائع الأمريكية. وهناك 8 تحديات رئيسة يمكن أن تقود إلى تفكك حلف “الناتو”، وهذه التحديات هي:

أولًا- فضيحة ألبرتا

وهي الفضيحة التي تكشفت عندما علمت الحكومة الكندية أن الولايات المتحدة تعقد مفاوضات سرية مع الحزب الانفصالي لولاية ألبرتا الكندية، وهي من أغنى ولايات النفط الكندية. ويعد “نفط ألبرتا” أكبر كمية من النفط الأجنبي التي تدخل إلى الولايات المتحدة. ووفق الصحافة الكندية، فإن الرئيس دونالد ترمب عندما لم يجد آذانًا مصغية لضم كندا وتحويلها إلى الولاية الـ51، لجأ إلى تشجيع “ولاية ألبرتا” على الانفصال عن كندا، والانضمام إلى الولايات المتحدة. وبعد الكشف عن هذه المحادثات بين وزارة الخارجية الأمريكية والانفصاليين في ولاية ألبرتا قالت الحكومة الكندية إن هذا التدخل لا يقوض العلاقات الأمريكية الكندية فقط؛ بل يقوض حلف “الناتو”، حيث تمثل كندا مع الولايات المتحدة “الجناح الغربي” من التحالف على جانبي الأطلسي.

ثانيًا: جزيرة غرينلاند

هناك اتفاق على أن سيطرة الولايات المتحدة بالقوة العسكرية على جزيرة غرينلاند -التي تعد أكبر جزيرة في العالم بنحو 2.1 مليون كم، ويسكنها فقط 57 ألف نسمة- سوف تقود تلقائيًّا إلى تفكيك حلف “الناتو”؛ لأن مهمة الحلف هي حماية أراضي 32 دولة هم أعضاء الأطلسي، ومنها مملكة الدنمارك التي لها السيادة الكاملة على جزيرة غرينلاند. لكن الرئيس ترمب يجادل بأن الولايات المتحدة هي التي ضمنت بقاء غرينلاند بعيدة عن الاحتلال النازي عندما سيطر هتلر بسهولة شديدة على الدنمارك عام 1940، وحينذاك تحركت الولايات المتحدة لمنع وقوع الجزيرة في يد النازيين عندما نشرت الجيش الأمريكي في الجزيرة منذ ذلك الوقت. ورغم تأكيد البيت الأبيض أن منح غرينلاند سوف يكون “جائزة بسيطة” لدفاع الولايات المتحدة عن أوروبا، فإن رئيسة الوزراء الدنماركية ميه فريدركسن قالت -بوضوح- إن سيطرة واشنطن على غرينلاند تعني نهاية حلف “الناتو”.

ثالثًا- أزمة ثقة

هناك ريبة و”عدم ثقة” بين واشنطن من جانب، وغالبية الدول الأوروبية الأعضاء في حلف “الناتو” من جانب آخر. فدول مثل فرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا تعتقد أن الولايات المتحدة تعمل على إضعافها من خلال دعم “الأحزاب اليمينية” في تلك الدول. وتقول الولايات المتحدة -بصراحة- إن الأحزاب اليمينية هي مستقبل أوروبا، في حين ترفض الحكومات الأوروبية هذا التوصيف، لكن أكثر ما يمكن أن يفكك حلف “الناتو” هو إدراك كل طرف أن الطرف الآخر يتحالف ضده ويعمل مع أعدائه. ففي أوروبا يتهمون الرئيس ترمب بأنه يتقارب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على حساب أوروبا وأوكرانيا. وفي واشنطن حذر الرئيس ترمب كندا وبريطانيا من توقيع اتفاقيات للتجارة الحرة مع الصين. ويقوم تقييم البيت الأبيض لاتفاقية الشراكة والتجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند بأنها تهدف إلى إيجاد بدائل عن البضائع الأمريكية. وكل ذلك يقول إن دول “حلف الناتو” لم تعد تعمل في “الخندق” نفسه، بل كل طرف يبحث عن “الخندق” الذي يحقق مصالحه، بغض النظر عن مصالح شركائه في “الناتو”.

رابعًا- المادة الخامسة

تعود قوة حلف “الناتو” منذ تأسيسه عام 1949 إلى ما تنص عليه “المادة الخامسة” من ميثاق الحلف، التي تنص على “التضامن المشترك” بين كل دول الحلف للدفاع عن أي دولة تتعرض لعدوان خارجي، لكن الرئيس ترمب، منذ عودته إلى البيت الأبيض في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي يرفض صراحة “الالتزام المطلق” بمبدأ “الدفاع الجماعي”، وسبق له أن قال إن الجيش الأمريكي لن يدافع مجانًا عن الدول الأخرى في الحلف، وكرر هذا الكلام نائبه جي دي فانس، ووزير الحرب بيت هيغسيث، وهو ما يضع حلف “الناتو” بالفعل على مرحلة جديدة تفرغه من مضمونه، وهو “مبدأ التضامن والدفاع المشترك”، الذي قام عليه التحالف الأطلسي.

خامسًا- تباين الأولويات

مع ظهور التيارات الانعزالية في الولايات المتحدة، والدعوة إلى العودة من جديد إلى “خطاب وداع” جورج واشنطن، و”مبدأ جيمس مونرو”، تراجع الاهتمام الأمريكي “بالحائط الأوروبي” من “حلف الأطلسي”. ويتحدث الرئيس ترمب ليل نهار عن “النصف الغربي” من الكرة الأرضية، وهذا يعني أن 30 دولة أوروبية في حلف “الناتو” ليست ضمن أولويات الأمن القومي الأمريكي، وهذا ما أشارت إليه بوضوح “إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي” الصادرة في 4 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، و”وثيقة الدفاع الوطني” الصادرة في يناير (كانون الثاني) هذا العام. ويتضح تباين الأولويات في تركيز الولايات المتحدة على مصالحها في بحر الصين الجنوبي، ومنطقة الإندو- باسيفيك، في حين يتركز الاهتمام الأمني والعسكري للدول الأوروبية الأعضاء في حلف “الناتو” على الجبهة الشمالية والشرقية مع روسيا.

سادسًا- تصدع الضفة الأوروبية

لا تقتصر التحديات والخلافات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية الأعضاء في حلف الأطلسي، بل هناك خلافات عميقة وجوهرية بين الدول الأوروبية الأعضاء في حلف “الناتو”، حيث ترى بولندا ودول بحر البلطيق الثلاث ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، ومعها ألمانيا وفنلندا والسويد والنرويج وفرنسا وبريطانيا، أن الخطر الروسي هو الأكبر على “وجودية” الدول الأوروبية، في حين ترى دول مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا في الهجرة غير الشرعية والإرهاب الأخطر الذي ينبغي مواجهته مواجهة جماعية من خلال “تقسيم الأعباء”. وهذه الخلافات تنعكس على قضايا جوهرية تمس مستقبل “الناتو”، مثل قضية الإنفاق، حيث ترفض دولة مثل إسبانيا الالتزام بإنفاق 5% من ناتجها القومي على الشؤون الدفاعية بوصفها أولًا في أقصى غرب أوروبا، وبعيدة عن روسيا، وأيضًا بوصفها إحدى “دول البوابات” التي يدخل المهاجرون غير الشرعيين من خلالها إلى القارة العجوز.

سابعًا- الاستقلال الإستراتيجي

رغم دعم الولايات المتحدة العلني لأي مشروع أوروبي موحد يخفف الضغط عن حلف “الناتو”، فإن الواقع أكد أن الولايات المتحدة هي التي أفشلت كل المحاولات الأوروبية، مثل “الجيش الأوروبي الموحد”، ومنظومة “درع السماء” التي تبنتها ألمانيا، وانضم إليها 19 دولة أوروبية. فالتفكير في “الاستقلال الإستراتيجي”، أو تخصيص 800 مليار يورو لدعم دفاعات الدول الأوروبية، أعطى لواشنطن مؤشرًا بأن الدول الأوروبية الأعضاء في “الناتو” تبحث عن “مظلة أمنية” بعيدة عن واشنطن. وفي الوقت نفسه، يشكك غالبية الأوروبيين في نجاح كل الأفكار التي تتعلق “بالاستقلال الإستراتيجي” عن الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما أكده صراحة مارك روته، الأمين العام لحلف “الأطلسي”، عندما قال -بوضوح- إن الدول الأوروبية لا تستطيع أن تدافع عن نفسها بدون الولايات المتحدة.

ثامنًا- الجنود واللوجستيات

تعاني الولايات المتحدة وأوروبا مشكلات حيوية تجعل البقاء على الالتزامات السابقة أمرًا مستحيلًا. ومن هذه المشكلات ما يتعلق بالتجنيد وعدد الجنود، فمنذ عام 2021 فشل “البنتاغون” في الوصول إلى هدفه في تجنيد الجنود لأسباب مالية وأخلاقية كثيرة، وهو ما دفع وزارة الحرب الأمريكية إلى سحب بعض الجنود من رومانيا، وتأكيدها أن واشنطن لن تستطيع الإبقاء على نحو 100 ألف جندي أمريكي في أوروبا إلى الأبد. القضية نفسها تعانيها الدول الأوروبية الأعضاء في “الناتو”، ولجأت كثير منها إلى “التجنيد الإجباري” للذكور والإناث لأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وكل ذلك يخلق ضغوطًا غير مسبوقة على الالتزامات الدفاعية الطويلة المدى تجاه الدول والأطراف الأخرى.

المؤكد أن تفكك “الناتو” ليس حتميًّا، لكنه بات “سيناريو مطروحًا” أكثر من أي وقت مضى. وهناك تقديرات داخل الحلف تقول إن “الأطلسي” قد ينجو من التفكك لو حافظ على نفسه حتى نهاية ولاية الرئيس ترمب، لكن هناك من يقول أيضًا إن مشكلات “الناتو” تحتاج إلى “إعادة ابتكار وتعريف” للدور الذي سوف يضطلع به في المستقبل في ظل تلاشي زمن المثالية والقيم المشتركة، ودخول العالم إلى عهد “الواقعية” والحسابات التجارية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع