
يشير لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، 30 يناير (كانون الثاني) 2026، الذي جاء دون إعلان سابق، وتأخر إعلان الكرملين عن انعقاده حتى مساء الجمعة، إلى أن مستوى الخطر بشأن الملف الإيراني والتصعيد العسكري إزاءه ارتفع ارتفاعًا جديًّا؛ فقدوم علي لاريجاني على عجل، وتلكؤ الكرملين في إعلان اللقاء، فضلًا عن عدم تقديم أي تفاصيل عما نوقش، سوى بيان من سطرين على موقع الكرملين الرسمي، تناقلتهما الوكالات الروسية، يدل على أن المشهد ملبد بغيوم عدم الوضوح في الطريق الذي تسير اليه الأحداث، لكن لا تزال هناك جدوى من الحديث والمحاولة.
اختيار الكرملين لاستدعاء لاريجاني يعني أن مستوى الأزمة يحتاج إلى قناة أمنية ضيقة، فهذا النمط لا تستخدمه موسكو -حسب فهمي- إلا عندما تريد القيادة إرسال رسالة أو إشارات محددة، من دون أن تتحول هذه الإشارات إلى التزامات سياسية أو أمنية يصعب التراجع عنها لاحقًا.
المعطى الثابت لدينا حتى لحظة كتابة هذه السطور، وبناء على ما قاله الكرملين، وعلى ما تناولته المصادر المقربة من دوائر السلطة، أن اللقاء جرى بصيغة ضيقة جدًّا، وأن الكرملين تعمد عدم الخوض في مضمون ما دار الحديث عنه.
بالطبع هذا السلوك لا يعني نقصًا في المعلومة، بل هو قرار واعٍ مقصود يهدف إلى تقليل الضجيج السياسي بشأن هذا الملف؛ لأن موسكو تراه على حافة الانفجار، وهنا يعد الصمت الروسي أو الغموض، سموه كما شئتم -في رأيي- أداة مهمة لمحاولة إدارة ملف بالغ الخطورة، وليس نقطة ضعف.
قبل اللقاء بيوم واحد، وضع الكرملين إطارًا سياسيًّا صريحًا على لسان دميتري بيسكوف، الذي أكد أن فرص الحل التفاوضي، من وجهة نظر موسكو، لم تُستنفد بعد، وأن استخدام القوة العسكرية ضد إيران سيقود إلى فوضى إقليمية وتداعيات أمنية لا يمكن السيطرة عليها.
هذا الخطاب الروسي -حسب فهمي له- لا يحمل ولا يهدف لأن يحمل طابعًا أخلاقيًّا، ولا هو مجرد خطاب إنشائي؛ وإنما هو اعتراض روسي عملي على مقاربة أمريكية تقوم على الضغط الأقصى والتهديد العلني بالضربة، على نحو شبه يومي تقريبًا، وترمب وواشنطن يريان هذه الطريقة أداة لإجبار الخصم على التراجع.
القراءة الروسية العميقة ترى أن هذه المقاربة الأمريكية لا تنتج بالضرورة نتائج تفاوضية أفضل، بل بالعكس ترفع من نسب احتمالات سوء التقدير؛ فحين تضع دولة بحجم إيران أمام تهديد عسكري مباشر، وفي حالة توتر مستمر، فإن ردها الطبيعي لا يكون دائمًا تقديم تنازلات، ولكن البحث عن توسيع خيارات الرد؛ ومن هنا تنطلق موسكو -في رأيي- من قناعة راسخة بأن الضربة المحدودة، إذا كانت هي التي في ذهن ترمب الآن، غالبًا ما تتحول إلى بداية مسار تصعيدي مفتوح، ولن يؤدي إلى نهاية أزمة كما يتصور صقور واشنطن وتل أبيب.
مما لا شك فيه أن موسكو لا تنظر إلى الأزمة الإيرانية بوصفها ملفًا نوويًّا فقط، بل أزمة إقليمية خطيرة؛ لأن أي ضربة ضد إيران، ولو كانت محدودة مثل السابقة، لن تقاس نتائجها بمدى تعطيل منشآتها النووية، ولكن بتداعياتها على أمن الخليج، وأسواق الطاقة، وخطوط الملاحة، وتوازنات الشرق الأوسط الهشة أصلًا، فهي ستكون ضربة قاصمة، وفي مقتل للتوازن الإقليمي الهش، وإن نجحت واشنطن فيها، ستحول إسرائيل إلى غول يصعب الوقوف في وجهه في المنطقة. وهذه الحسابات تفسر لماذا هذا الإصرار الروسي على استخدام لغة ومصطلحات “الفوضى”، و”التداعيات”، و”غير القابلة للاحتواء” في توصيفها لخطورة التصعيد المحتمل.
أما اختيار على لاريجاني تحديدًا للقاء بوتين، فهو يحمل في طياته دلالة سياسية دقيقة تناسب الوضع، فالرجل ليس مجرد مسؤول إداري، ولكنه أحد أبرز حملة الرسائل من قلب المؤسسة الأمنية والسياسية الإيرانية. ولقاء اليوم لا يمكن فصله عن لقاء أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حين استقبل بوتين لاريجاني في توقيت إقليمي حساس كذلك. واستمرار هذه القناة يوحي بأن طهران ترى موسكو طرفًا قادرًا على تخفيف التوتر، أو على الأقل على نقل الرسائل بعيدًا عن المنابر الصاخبة.
ومن المهم الإشارة هنا كذلك أننا لسنا بوارد تصوير اللقاء على أنه تمهيد لتحالف عسكري، أو حتى التزام دفاعي ما من جانب موسكو، بل على العكس من ذلك، فمن واقع ما اطلعت عليه من التحليلات الروسية الجادة، التي تتناول ملف التصعيد الإيراني والموقف الروسي منه، والدور المحتمل لروسيا حال وقوع الحرب، وصلت إلى قناعة أن موسكو حريصة كل الحرص على الفصل بين مساعيها لمنع وقوع الحرب ومسألة الانخراط فيها إن وقعت.
روسيا تريد تجنب الضربة؛ لأنها ترى فيها تهديدًا مباشرًا لمصالحها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول إلى مظلة أمنية لإيران، أو إلى طرف مباشر في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، خصوصًا في الوقت الراهن. كما أن الانتقاد الروسي الحاد لا يتوقف عند واشنطن وحدها. طهران أيضًا موضع مساءلة، وإن كانت ضمنية، فموسكو لا تنتقد حلفاءها في العلن.
فموسكو -حسب فهمي- ترى أن ما يضعف الموقف الإيراني تفاوضيًّا ليس فقط برنامجها النووي، أو قدراتها الصاروخية؛ بل عنترية خطابها السياسي والسقف العالي لهذا الخطاب، الذي يجمع بين التشديد على الرد والاستعداد للمواجهة، وبين الدعوة في الوقت نفسه إلى تفاوض عادل.
وهذا يبدو -في وجهة نظر موسكو والكرملين- تناقضًا؛ ففي ظل تصعيد متبادل يُسهل هذا الخطاب على خصوم إيران تصويرها على أنها طرف غير قابل للتفاوض، حتى وإن كانت رسائلها الفعلية -أي طهران- أكثر مرونة في حقيقة الأمر.
لذلك أعتقد أن أحد أسباب دعوة لاريجاني إلى موسكو اليوم، هو سعي موسكو إلى الحصول عبر قناة لاريجاني على إجابة عن أحد الأسئلة المركزية في اللحظة الراهنة الخطيرة، وهو: ما هامش المناورة الحقيقي لدى القيادة الإيرانية لتقديم تنازلات تكتيكية يمكن استخدامها للتسويق دوليًّا لمشروعية الموقف الإيراني، من دون أن تُفسَّر داخليًّا على أنها إذعان وخضوع، أو تراجع إستراتيجي.
وأكرر مجددًا أن موسكو لا تبحث هنا عن مسوغات أخلاقية، فهذا سؤال روسي عملي؛ لأن موسكو والكرملين وبوتين يدركون جيدًا أن أي مسار تفاوضي لا يأخذ في الحسبان التوازنات الداخلية في إيران هو مسار محكوم عليه بالانهيار.
ونقطة أخرى مهمة، أرى من الضروري أيضًا نقلها، فهناك شبه إجماع في دوائر التحليل الروسية المختصة بالشأن الإيراني على أن الأزمة الحالية تقع عند تقاطع ضغط خارجي متزايد، وهشاشة داخلية متراكمة، وهو ما يرفع حساسية أي خطوة عسكرية، ويجعل نتائجها أقل قابلية للتحكم بها، بمعنى أن العمل العسكري الذي يهدف إلى تغيير النظام، قد يقود إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية داخل إيران، التي يبلغ تعداد سكانها 90 مليون نسمة تقريبًا، بطريقة تسرع مسارات عدم الاستقرار الشامل بدلًا من أن تحتويها.
أما موسكو الرسمية فتدرك أن الرهان الأمريكي على التهديد العلني يخلق حلقات تصعيد يصعب التحكم فيها، وإستراتيجية الضغط القصوى التي يتبعها ترمب حاليًا قد تدفع إيران إما إلى تشدد أكبر، وإما إلى تنازلات شكلية قصيرة الأجل لن تعالج جذور الأزمة. وفي كلتا الحالتين، النتيجة لا تخدم هدف الاستقرار الإقليمي الذي تراه موسكو مصلحة مباشرة لها.
ولهذا كله أقول إن موسكو لا تسعى إلى بطولة دبلوماسية، ولا إلى استعراض نفوذ، كما قد يبدو للبعض، ولكن ما تفعله هو محاولة هندسة أخطار تمس أمنها القومي في لحظة تصعيد حاد لا تريده أن يشغلها أو يلفتها عن معالجة هدف أهم وتهديد أخطر.
هي ترفض الضربة لأنها تراها مكلفة وخطيرة، وتنتقد السلوك الأمريكي لأنه يقرب لحظة الانفجار، ولكنها في الوقت نفسه تحافظ على مسافة مع إيران لأنها لا تريد أن تدفع ثمن خيارات لا تتحكم ولا تستطيع التحكم في نتائجها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير