مقالات المركز

روسيا وسوريا ما بعد الأسد.. زيارة ثانية وأسئلة أصعب

من القامشلي إلى الكرملين.. ماذا في زيارة الشرع الثانية إلى موسكو؟


  • 29 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: yenisafak.com

أعلن الكرملين، مساء الثلاثاء، 27 يناير (كانون الثاني) 2026، زيارة ثانية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة الروسية موسكو، وقال المتحدث الرئاسي الروسي -في بيان مقتضب- إن أجندة الزيارة تتناول بندين رئيسين، وهما بحث “حالة العلاقات الثنائية بين البلدين وآفاقها”، و”الوضع الراهن في الشرق الأوسط”.

وبهذا الإعلان يتأكد عمليًّا ورسميًّا ما أعلنه تليفزيون سوريا مساء الاثنين 26 يناير (كانون الثاني)، وتناقلته وكالات الأنباء والمواقع المختلفة، بوصفه تمهيدًا للقاء قمة روسي سوري جديد على أعلى مستوى.

لكن زيارة الرئيس السوري الانتقالي الثانية خلال ثلاثة أشهر ونيف تقريبًا إلى عاصمة الدولة التي كانت توصف بأنها الداعم الرئيس، بل الحامي الرسمي لخصمه الذي أسقطه وحل محله في حكم الجمهورية العربية، تجعلنا مضطرين إلى طرح أسئلة مشروعة عن الأسباب التي جعلت الشرع حريصًا على العودة بنفسه إلى موسكو خلال هذه الفترة القصيرة من الزمن، وفي ظل أوضاع داخلية ليست الأهدأ أو الأكثر استقرارًا خلال فترة حكمه القصيرة نسبيًّا.

وبالطبع، أول ما يتبادر إلى الذهن في الرد على السؤال المطروح أعلاه، هو المؤشرات القوية التي نقلتها وكالات الأنباء الدولية الكبرى، مثل رويترز، وأسوشيتد برس، على بدء سحب روسيا قواتها ومعداتها الثقيلة من مطار القامشلي العسكري في شمال شرق سوريا، وهو ما تناولته في مقال بتاريخ 22 يناير (كانون الثاني) الجاري على نحو استشرافي بناء على قراءة في خبر لصحيفة “كوميرسانت” الروسية الكبيرة.

الحديث يدور فيما تقوله الوكالات والمصادر الإعلامية عن نقل جزء كبير من القوات والمعدات إلى قاعدة حميميم، مع احتمالات عودة جزء من القوات إلى روسيا. بمعنى أن ما يجري ليس انسحابًا، وهو ما لم تعلنه موسكو رسميًّا حتى الآن، لكن الواقع الميداني الذي تنقله شهادات الصحفيين على الأرض يجعلنا بصدد وضع عنوان أدق لما يحدث على أنه: إعادة تموضع روسية، تحتاج أن نقرأها سياسيًّا بقدر ما نقرؤها من الناحية العسكرية.

 وهنا نحاول تقديم قراءة موضوعية لما بين سطور الزيارة الثانية للشرع خلال هذه الفترة القصيرة على أنها لا تأتي لاستكمال الزيارة الأولى التي كانت في 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بقدر ما تأتي -في رأيي- لتثبيت قواعد مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. وأستند في استنتاجي هذا إلى كل المعطيات والمعلومات المحيطة بها هنا في روسيا، وهناك في سوريا؛ ففي هذه المرحلة الجديدة تميل روسيا إلى تحويل ثقلها من انتشار أمامي مكلف، وعلى خطوط احتكاك ساخنة في الشمال الشرقي، إلى تمركز ساحلي أكثر أمانًا، يضمن النفوذ الإستراتيجي المهم والمطلوب بأقل كلفة.

كانت القامشلي، منذ دخول الروس إليها عام 2019، بمنزلة محطة ضبط توازنات بين دمشق الأسد والأكراد، وفرصة لرصد الوجود الأمريكي ومراقبته، وفهم الاعتبارات التركية تجاه نظام الأسد ومراعاتها، وكذلك كانت مهمة لاحتواء الفوضى، ومنع الاحتكاك المباشر.

لكن ما الذي تغير إذن حتى تخفف موسكو حضورها هناك الآن، أو يُطلب منها تخفيفه؟ الإجابة الأقرب إلى المنطق، التي نبنيها على تحليل وليس معلومة، هي أن موسكو والكرملين وبوتين يعيدون معايرة علاقتهم مع “سوريا ما بعد الأسد” وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وفق قاعدة: ما لا يُدرك كله لا يُترك جُله، فلا نفوذ مجانيًّا بعد اليوم.

وإذا كانت القيادة الجديدة في دمشق -حسبما ترويه لنا تطورات الوضع داخل سوريا- تحاول فرض سيطرتها على الشمال والشرق، وتدفع نحو إدماج المؤسسات المدنية والعسكرية الكردية في الدولة المركزية، فموسكو في هذه الحالة ستسأل، وحق لها أن تسأل: ولماذا أتحمل أنا فاتورة الضبط اليومي بقوة عسكرية على تماس مع بؤرة ساخنة وشديدة الحساسية؟

ولماذا أحتفظ بموضع قد يُدخلني -عند أي خطأ- في اشتباك غير مقصود مثلًا مع الأمريكيين الذين لا يزالون هناك شرق الفرات، أو في احتكاك بالوكالة مع الأتراك؟

وإذا نظرنا إلى الصورة من زاوية أخرى، فسنرى أن تقليص القامشلي مثلًا يمنح موسكو ورقة تفاوض صامتة في لقاء بوتين مع الشرع، وما أقصده أن روسيا هنا تُظهر استعدادًا لإعادة ترتيب انتشارها بما ينسجم مع خطاب “وحدة سوريا” وضرورة الحفاظ عليها، الذي تفضله موسكو تقليديًّا.

لكنها -مع ذلك- تلمح في الوقت نفسه -وبصمت كذلك- إلى أن مسؤولية إدارة الشمال الشرقي بكل تعقيداته، التي ليست سهلة التفكيك كما قد يتخيل البعض، ينبغي أن تتحملها دمشق الجديدة بالسياسة والتسويات، لا أن تُحمَّل لروسيا من خلال وجودها في قواعد أمامية.

ما ذكرته في الفقرات أعلاه ليس حكمًا نهائيًّا بالطبع، ولكنه تفسير أرى أنه شديد الاتساق مع تزامن الحدثين؛ إعلان اللقاء والقمة من جهة، وإعادة تموضع القامشلي من جهة أخرى.

ولا يمكن عزل ذلك بحال عن ملف التفاوض السوري الكردي الذي عاد إلى الواجهة، بما في ذلك الحديث عن جولة محادثات جديدة مرتقبة بشأن إدماج المؤسسات الكردية في الدولة السورية، وحسب التسريبات برعاية أو دعم أمريكي، وذلك على خلفية اتفاق إطار ووقف إطلاق نار يُمدَّد. وهذا يعني أن الشمال الشرقي في لحظته الراهنة ليس ساحة نفوذ روسي، لكنه أصبح ساحة مزدحمة بأطراف دولية لكل منها حساباته؛ فدمشق تريد سلطة كاملة، والأكراد يريدون ضمانات، وواشنطن تريد ترتيبات تمنع الانفجار، وتدير ملفات داعش واحتجازاته، وقد تابعنا عمليات نقل مقاتليه إلى العراق، وأنقرة تراقب بعين أمنها القومي.. وفي كل ذلك لا تريد موسكو -كما يبدو- أن تكون طرفًا يرفع كلفة احتكاك لا ربح ولا طائل من ورائه.

بحثت عن وجود رابط بين الزيارة والتهديد الأمريكي بضرب إيران، فاصطدمت بحائط ضرورة التفريق بين المعلومة والاستنتاج، بمعنى أن المعلومة المتوافرة تقول إن موسكو تتعامل مع ملف التوتر مع إيران بحذر شديد، فحتى بعد الضربة السابقة لإيران، لم يخرج موقفها عن الإدانة الدبلوماسية، بما يوحي بأن روسيا لا تريد الانزلاق إلى كلفة مواجهة مفتوحة بسبب التصعيد الإيراني.

لكن مع ذلك، أعتقد أن بوتين يضع الشرق الأوسط وقضاياه بندًا رسميًّا من بنود أجندة طاولة لقائه مع الشرع؛ لأن اللقاء يأتي في لحظة إقليمية حساسة تتداخل فيها -بلا شك- مسارات سورية مع مسارات إيران وملف إسرائيل، وخصوصًا فيما يتعلق بالجنوب السوري، وهو ما تناولته بالتفصيل في مقالي عن زيارة الشرع الأولى إلى موسكو بتاريخ 15 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، فضلًا كذلك عن التوازنات الأمريكية التركية. وما أقصده أن صلة إيران بالزيارة ليست بالضرورة بندًا مباشرًا؛ وإنما جزء من كتلة ملفات في إطاره إدارة ارتدادات الشرق الأوسط على روسيا.

بلا شك الأولوية للشرع على المستوى الثنائي ستكون الحصول على الحبوب والمحروقات بأسعار تفضيلية، أو بمقايضة ما، وهذا ملف أكثر حيوية وأهمية له في الظروف الراهنة.

 لذلك يمكن قراءة زيارة الشرع الثانية في ثلاثة أشهر إلى موسكو في ثلاث رسائل متقاطعة؛ الرسالة الأولى لدمشق وتقول إن موسكو مستعدة بكل قوة لتطبيع العلاقة مع سوريا الجديدة، لكن على قاعدة شراكة المصالح، وليس علاقة حماية، وأن التمركز في منطقة الساحل، هو خط الدفاع عن جوهر النفوذ الروسي، أما القواعد الأمامية والمتقدمة مثل القامشلي، فقد أصبحت عبئًا.

والرسالة الثانية للأكراد، ومضمونها أن روسيا قد لا تكون مظلة ميدانية دائمة كما اعتاد بعضهم، وليس كل تشكيلاتهم بالطبع، منذ عام 2019، وكذلك أن مسار الضمانات يجب أن يُصاغ بالسياسة والتفاهمات مع دمشق، بل مع الأمريكيين إذا لزم الأمر، وألا يتوقعوا استمرار الدور الروسي نفسه.

والثالثة هي للإقليم، بأن روسيا لا تغادر الشرق الأوسط؛ لكنها تحت ضغط اللحظة الراهنة واعتباراتها تبدل -بمرونة كبيرة- شكل حضورها من نفوذ صاخب إلى نفوذ مدروس حسب الحالة، يتجنب فتح جبهات مجانية في توقيت خطير تتزاحم فيه ملفات كبرى، من أوكرانيا إلى إيران.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع