
تحتوي إيران على تنوع لغوي، وثقافي، وعرقي، وديني، وكانت خلال القرون الماضية تدار على شاكلة الدول القديمة بعنوان إمبراطورية، ولكل منطقة أو إقليم حكومة شبه مستقلة، على سبيل المثال دولة المشعشعيين، وإمارة المحمرة، أو كما كانت تعرف أيضًا بإمارة عربستان، في جنوب غرب إيران، والحكومات الإقليمية الأخرى في مناطق مثل بلوشستان، وأذربيجان، ومناطق الكرد، وغيرها، لكن منذ بدايات القرن العشرين، ونهاية حكم أسرة القاجار، قُضي على الحكومات الإقليمية، واستُحدثت حكومة ودولة موحدة ذات طابع متمركز بحدة في طهران.
إلى هذا، ظلت الشعوب غير الفارسية تناضل من أجل حق تقرير المصير، وإعادة بناء النظام اللا مركزي السابق، بأسماء حديثة، مثل الفيدرالية، وغيرها. نضال الشعوب خلال قرن من الزمن أحدث تصدعات كبيرة في بنية الدولة المركزية الإيرانية، واليوم في كل أنحاء إيران يتحدث الناس عن شكل نظام الحكم القادم، أي ما بعد النظام الحاكم الحالي. وتتطلع اليوم الشعوب غير الفارسية في إيران إلى استحداث عقد اجتماعي حديث، ودستور ديمقراطي ينصفها عن طريق نظام فيدرالي، ويضمن حقوق جميع الناس والأقاليم.
وفي استمرار للفعاليات الأكاديمية المتواصلة بين حين وآخر للسير نحو تأسيس نظام لا مركزي في إيران، عُقد مؤتمر “مئة عام على استحداث الدولة- الأمة في إيران”، في العاصمة السويدية ستوكهولم. وفي افتتاح الجلسة، أكد المتحدث باسم منصة إيران الديمقراطية (الجهة الداعية للمؤتمر)، آزاد كريمي، ضرورة إعادة تعريف مفاهيم الشعب، والديمقراطية، والمشاركة الشاملة، في مستقبل إيران.
وخلال الجلسة الأولى المعنونة بـ”نقد بنية الدولة- الأمة في إيران”، وصف البروفيسور عباس ولي ولادة الدولة بأنها ولادة “الآخر” المصاحبة بالعنف السياسي، حيث إنه في لحظة تشكل السيادة السياسية، يولد “ذات” سياسية جديدة، لكن في الوقت نفسه يتشكل “آخر” يُدفع إلى الهامش، ولا تُسمع أصواته، مشيرًا إلى أن بناء الدولة (الإيرانية) تزامن مع إنتاج عنف سياسي؛ عنف له بُعد خطابي، وبُعد واقعي. وفقًا له، يمكن أن يشمل هذا العنف الإقصاء الرمزي في اللغة الرسمية، إلى السجن والنفي والقمع الجسدي، وهو مسار تشكيل الدولة- الأمة في إيران. إلى ذلك، فـ”الديمقراطية إذا لم تكن حساسة للاختلافات الهوياتية، فيمكن أن تتحول إلى أداة لتركيز السلطة والإقصاء”، فالثورة الدستورية 1905- 1906 كانت من الناحية الخطابية والقانونية ولادة سيادة جديدة، لكن هذه السيادة واجهت فراغًا في السلطة التنفيذية، وأنتج الدستور قانونًا، لكنه افتقر إلى السلطة اللازمة لتنفيذه.
وواصل الدكتور ولي حديثه قائلًا: لاحقًا، مع وصول رضا شاه إلى السلطة، تشكلت لأول مرة في إيران دولة قادرة على تنفيذ قوانينها. وبغض النظر عن طبيعة هذه القوانين، فإن ما يهم هو تشكل علاقة جديدة بين الدولة والأمة، مبنية على السلطة السياسية والعنف المؤسسي. لكن محاذير تحول الديمقراطية عمليًّا إلى أداة للاستبداد وتركيز السلطة، وحتى الإقصاء والتطهير الهوياتي، حدثت في عهد رضا شاه -حسب ولي- حيث ضعفت المؤسسات المدنية، وأُقصي الدستور عمليًّا. وهي أزمة لا تزال مقروءة في الخطاب الشائع للمعارضة الإيرانية، فمع أن الجميع يتحدثون عن الديمقراطية، فإنه لا يُقدمون تعريفًا واضحًا لها، وغالبًا ما تُختزل الديمقراطية في آلية الانتخابات. وأكد ولي أن الخروج من هذا المأزق يتطلب إعادة التفكير في الديمقراطية على أساس “التعددية المبنية على الاختلاف الهوياتي”، وهو نهج يجب أن يُؤخذ في الحسبان جديًّا عند صياغة الدستور، وتشكيل المؤسسات السياسية المستقبلية في إيران.
قال الباحث في اللغويات الدكتور بهروز جمن آرا: إن صورة إيران كشعب تشكلت أولًا في الفلسفة واللغويات الأوروبية، مشيرًا إلى أن فلاسفة مثل هيردر وهيغل أعادوا تعريف أوروبا، وكسروا الخطابات اللاهوتية والمقدسة اللغوية، وأدخلوا إيران كـ”أداة نظرية” في تفكيرهم الفلسفي، دون معرفة حقيقية بتاريخ إيران أو لغاتها. هيردر مثلًا، صوّر إيران من منظور لغوي وشعري، على أنه شعب يتجلى في لغته، لكن هذه الصورة كانت خطابية بحتة، وليست واقعية. وتاليًا، أصبح هذا النظر الأوروبي إلى إيران أساسًا لدخول الخطاب القومي، وإعادة تعريف المثقفين الإيرانيين للتاريخ والهوية الإيرانية.
ووفقًا لجمن آرا، استخدم هيغل إيران في سياق فلسفة التاريخ بوصفها “شرقًا خاليًا من الوعي بالحرية” ليوضح مسار تاريخ الحرية في أوروبا. وأضاف أن هذه التصورات المجردة والخاطئة عن إيران أثرت لاحقًا على تشكل الخطابات القومية، وإعادة بناء الهوية الإيرانية في فترة ثورة الدستور، منوهًا أنه في عام 1915 دعمت السفارة الألمانية ماليًّا شخصًا فارسي الهوية والهوى يدعى تقي زاده، ومثقفين إيرانيين آخرين، مما مهد لتشكيل “حلقة برلين” التي استحدثها قوميون فرس، حيث نشروا “مجلة كاوه” لبناء صورة موحدة وتاريخية لإيران الحديثة. وأضاف أن هذا المسار ساعد على إنشاء كتابة تاريخية مركزية، وخطاب قومي متطرف، لكنه في الوقت نفسه أدى إلى تشكل خطابات قومية إقليمية، مثل العربية، والكردية، والبلوشية، والتركية.
لذلك، فإن تفكيك التمركز السياسي في إيران لا يعني بالضرورة التباعد أو إضعاف الوحدة، ومن الممكن إعادة تنظيم إيران بإدارات لا مركزية، واحترام الاختلافات الثقافية والهوياتية، بحيث تُسمع جميع الأصوات والجذور في كلية ديناميكية، وتُدعى للمشاركة في الهيكل السياسي للبلاد، حسب جمن آرا.
وخلال جلسة النساء والمواطنة، قالت الناشطة السياسية والنسوية مهدية كُلرو إن الدولة- الأمة في إيران والعالم تشكلت على أساس المواطن الذكر، وأُقصيت النساء والمجموعات المهمشة. وأكدت أن التمييز الجنسي أعيد إنتاجه في السياسة والقانون من الثورة الدستورية 1905 حتى اليوم.
مع ذلك، حاولت الموجة الأولى للنسوية قبل أكثر من قرن أن تحصل النساء على المواطنة والمشاركة في الأمة الحديثة، إذ كان حق التصويت والحضور السياسي محصورًا في الرجال فقط، منوهة أن النساء في الثورة الدستورية سعين إلى المشاركة في الدولة الحديثة، لكنهن أُقصين في النهاية، واستبعد الدستور النساء، وهو أمر يُظهر “تأنيث الآخر” في إيران، حسب كُلرو. ففي عهد رضا شاه، سعت الدولة إلى السيطرة على الهوية الأنثوية من خلال اللباس والمظهر، ومن ذلك استخدام قبعة البهلوي، وسياسة نزع الحجاب جبرًا، التي عملت كأداة لبناء الأمة، وبناء المواطن المثالي، حسب رؤية حاكم ذلك الوقت. واستمرت حكومات الجمهورية الإسلامية في نفس النمط السابق على نحو يتماشى ومعاييرها، وحافظت القرارات القانونية والاجتماعية على المعايير الجنسانية والتمييزية تجاه النساء.
لذا، فإن بناء الأمة في إيران لم يكن قط مبنيًّا على المساواة في المواطنة، وفقًا لكُلرو، إذ إن “المواطن المثالي” يجب أن يكون رجلًا، شابًا، شيعيًّا، أصوله من المركز الإيراني، وكلما ابتعدت عن هذا المعيار، واجهت تمييزات متعددة الطبقات، منها ما يحدث للنساء من القوميات غير الفارسية، كالبلوشيات، أو النساء اللواتي لا يملكن حق الحضانة والملكية.
وفي موضوع الدستور، تحدث الخبير في الحقوق الدستورية معين خزائلي قائلًا: “الدستور الحالي في إيران يفتقر إلى أدوات واضحة لمواجهة التمييز”. وأضاف أن هندسة السلطة في كل مجتمع تشكلها الدستور، وهذه الوثيقة تحدد مصدر السلطة، وكيفية ممارستها، والحدود المعرفة للحكم. ففي كثير من الدول، يحدد الدستور إطار الدولة- الأمة، ويحدد كيفية تشكل الدولة وتعريف الشعب؛ أداة تمكن من منح الشرعية السياسية للسيادة والسلطة السياسية للدولة. وأضاف أن كل دستور يحمل فكرة أساسية أيضًا؛ أحيانًا تعزز هذه الفكرة الحرية والمساواة بين المواطنين، وأحيانًا تصبح أداة لتثبيت هيكل مغلق واستبدادي لقمع المجتمع، مشيرًا إلى أن الدستور الحالي في إيران يفتقر إلى أدوات محددة لمواجهة التمييز.
بجانب ذلك، فإن كثيرًا من تفسيرات وتنفيذ الدستور تشكلت بناءً على الأمن وتفسيرات محدودة تفتقر إلى الشفافية اللازمة، وهذا يؤدي إلى استمرار التمييز وتقييد المواطنين؛ وعليه فإن أي دستور مستقبلي لإيران يجب أن يعالج هذه النقائص، ويكون ضامنًا صريحًا لحقوق جميع المواطنين، رجالًا ونساءً، دون تمييز، ليتمكن من إنشاء أساس ديمقراطي ومتساوٍ للبلاد، حسب خزائلي.
وأكد الأستاذ الجامعي الدكتور عادل إلياسي، في كلمته في جلسة الحركات الاجتماعية، فهم الدولة- الأمة في سياق النظام الاقتصادي- السياسي العالمي، وقال إن تجربة كردستان وانتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” قدمت نموذجًا لفعل عالمي الشمول يتجاوز التركيز على الهوية؛ إذ إن هيكل الدولة- الأمة مصدر كثير من المشكلات السلبية اليوم، لكن هذه الظاهرة لا يجب رؤيتها منفصلة عن سياقها التاريخي. فالدولة- الأمة نتاج المجتمع الحديث، والنظام الرأسمالي العالمي. كما أن الدولة والأمة والجغرافيا “الدولة” ليست ظواهر داخلية المنشأ فقط، بل لها وظيفة محددة في النظام الاقتصادي والاجتماعي العالمي، وتساعد على إعادة إنتاج علاقات السلطة في هذا النظام، حسب إلياسي.
يضيف إلياسي أن الدخول غير المتوازن لإيران والشرق الأوسط إلى عملية التحديث والرأسمالية أساء بالوضع الاجتماعي، وعرقل تشكل حركات اجتماعية فعالة لكبح سلطة الدولة والاعتراف بالهويات المتعددة. تاليًا، يقع المجتمع الإيراني اليوم في تقسيم عمل عالمي يغلق يده عن التطور والتنظيم الاجتماعي وتعزيز القوى التقدمية. مردفًا أن التجربة التاريخية لإيران تظهر أن تغيير الوضع الاجتماعي لا يكفي فيه المواجهة مع السلطة الرسمية فقط، حيث يواجه المجتمع الإيراني نوعين من السلطة: السلطة الرسمية الحكومية، والسلطة غير الرسمية الاجتماعية التي لا تملك هيكلًا، وقيادة، وتسلسلًا هرميًّا محددًا، لكنها موجودة فعليًّا، منوهًا أن إيران، على عكس كثير من المجتمعات الأخرى، محرومة من تشكل حركات اجتماعية مستقلة، ومستقرة، وقادرة على الوقوف أمام السلطة الرسمية، وهذا الفراغ التاريخي جعل مسار التحول الاجتماعي صعبًا.
وأكمل أن هناك ثلاثة خطابات رئيسة حاولت بناء هوية مشتركة في تاريخ إيران المعاصر: القومية الإيرانية، والخطاب الديني، واليسار التقليدي. وقد أغفلت هذه الخطابات أجزاء مهمة من الهويات الحقيقية للمجتمع. في المقابل، يتشكل في كردستان ما هو أكثر من كونه حركة قومية بحتة: حركة اجتماعية بمطالب عالمية الشمول وإنسانية المحور، تختلف عن النماذج الكلاسيكية للسياسة في إيران، لا تعتمد على القومية الكلاسيكية، ولا على الأيديولوجيا الدينية، ولا على اليسار التقليدي المختزل، ويمكن أن تكون هذه التجربة نموذجًا لتجاوز الإطار المحدود للدولة- الأمة والهويات المغلقة في إيران. لكن هذه التجمعات/ الاحتجاجات الواسعة في كردستان بعد انتفاضة “المرأة، الحياة، الحرية” عقدت بدون مركزية سلطة، وبدون عنف، وبحضور تيارات فكرية متنوعة، وتظهر نضج قوة اجتماعية عفوية، محذرًا من أن هذا النموذج الجديد، بسبب القيود الجغرافية والجيوسياسية، معرض للضعف إذا لم يرتبط بمناطق إيران الأخرى. فقط بانتشار هذا النوع من الحركة الاجتماعية على المستوى الوطني يمكن الحديث عن تشكل هوية مشتركة جديدة في إيران.
وفي استمرار هذا الاجتماع العلمي، تحدثت الناشطة والباحثة البلوشية فريبا برهان زهي، حيث قالت إن إيران تشكلت من خلال بناء شعب أحادي الإثنية وسلطة متمركزة. وفي رأيها، تشكل هيكل الدولة- الأمة في إيران بعد الثورة الدستورية، وعلى خاص مع وصول نظام البهلوي في عام 1925 إلى السلطة، على أساس بناء أمة مركزية بشدة وأحادية الإثنية، حيث لا يزال هذا النموذج يلقي بظلاله على الأدبيات السياسية في إيران حتى اليوم. ووفقًا لبرهان زهي، “الشعب الواحد” في إيران لم يُبنَ بناءً على التجربة المعيشة للمجتمعات؛ بل من خلال سياسات مثل الهندسة الثقافية، وإزالة اللغات غير الفارسية، وتمركز السلطة، وإنكار التنوع الوطني والتاريخي، وهذا النموذج لم يحصل على شرعية شاملة.
وأكملت برهان زهي: يتشكل الشعب قبل الدولة، والدولة مشروعة فقط عندما تمثل الإرادة السياسية للشعب المكون لها، وإلا فإن بقاء الدولة يصبح ممكنًا فقط من خلال القوة والأمننة والقمع، وهي تجربة واجهتها الشعوب مثل البلوش، والعرب، والكرد، والترك، والتركمان. فالشعب البلوشي في أرض بلوشستان التاريخية كان يمتلك هوية وطنية ولغوية وثقافية وسياسية مستقلة، وخبرة مؤسسات حكم محلية؛ لذا فإن حق سيادة شعب البلوش حق تاريخي ومثبت، لكنه سُلب نتيجة عوامل عدة، منها التدخلات الاستعمارية البريطانية، والمنافسات الإقليمية، والاتفاقات السرية مع حكومات القاجار والبهلوي، وترسيم الحدود الاستعمارية، والحملات العسكرية لرضا شاه بدعم بريطاني، التي أدت إلى تقسيم بلوشستان. وتاليًا فإن الاندماج لم يكن متساويًا؛ بل تهميشًا هيكليًّا، بما في ذلك الظلم الوطني، والتخلف التنموي المتعمد، والأمننة، والحرمان من الحقوق السياسية والثقافية.
وقال الباحث السياسي الأحوازي نوري آل حمزة، خلال كلمته، إن الألم المشترك للشعوب، خاصة الشعوب غير الفارسية، في إيران، يبدأ من أن “إيران” و”المواطن الإيراني” لم يُعرَّفا بناءً على التجربة المعيشة، بل أصبح أمرًا مفروضًا من الأعلى، وتحول تدريجيًّا إلى نوع من “الجهل المقدس”، حيث بموازاة التيارات القومية الفارسية، كل تيار سياسي وكل مجموعة إثنية غير فارسية بنت مجموعة من المقدسات غير القابلة للنقد، وهذا الأمر أدى إلى الإنكار المتبادل، وعدم قبول الآخر، ومحاولة فرض الرأي الخاص كـ”قانون غير مكتوب” على المجتمع بأسره، مشيرًا إلى القراءة الشائعة للشاهنامه بالقول إن جزءًا كبيرًا من العقلية السياسية والثقافية للإيرانيين مبني على تفسير أسطوري من الشاهنامه، وهو تفسير له نتائج عميقة في السياسة والقرار والتصور التاريخي والاجتماعي للمجتمع الإيراني، مع أن الشاهنامه لم تحظَ بأمان من تلاعب الملوك والمتطرفين من بين الفرس، حيث أضيف إلى هذا الديوان كثير من القصائد والنصوص التي لم يقلها الفردوسي بوصفه شاعر الشاهنامه.
يرى آل حمزة أن هذه الأساطير استخرجت من الشاهنامه، وتحولت إلى مفاهيم في السياسة وشؤون المجتمع، وسخرت العقلية الفارسية، وأصبحت مثلًا ظاهرة واضحة في السياسة الخارجية لدى أنظمة إيران المتعاقبة خلال العقود الماضية حتى يومنا هذا، فالخطاب “التوسعي” المتأثر بالشاهنامه أدى عمليًّا إلى تدخلات إيرانية في جميع أنحاء إقليم الشرق الأوسط، واستشهد الباحث نوري آل حمزة بأسطورة “آرَش” في الشاهنامه أيضًا، إذ إن هذه الروايات خلقت عقلية تؤكد التوسع الخارجي والتمركز في السياسة الداخلية؛ عقلية ترى إيران محقة في تسجيل كل مكان “يصل إليه سهمها” يجب أن يسجل باسمها، وتتجاهل هوية الآخرين وحدودهم الترابية؛ وعليه فإن التدخلات غير المحدودة للجمهورية الإسلامية في دول المنطقة مثل العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن وغيرها ناتجة عن هذه النظرة التوسعية المنصوص عليها في الأدب الفارسي، وخاصة الشاهنامه، منوهًا أن تدخلات الجمهورية الإسلامية في المنطقة أدت إلى فرض تكاليف باهظة على جميع شعوب إيران. وهذا التوجه السياسي أدى إلى تشكل نواة من القوى التي تؤمن بالمثالية في السياسة الخارجية، مما جعل جهود الإيرانيين لتحقيق الديمقراطية وسيادة القانون في البلاد تُهمَّش بحجة الصراعات الإيرانية الطائفية والقومية مع المحيط العربي.
إلى ذلك، بدون نقد صريح للشاهنامه، ونقد تاريخ إيران والقراءة الرومانسية للماضي، ستستمر هذه الدورة لتعمل في إعادة إنتاج العنف الداخلي، وتمركز السلطة، وإقصاء الشعوب غير الفارسية، والتوسع الخارجي، وستظل شعوب إيران تدفع ثمن الأساطير التاريخية، والتمركز في السلطة والتوسعية. وفي رأيه، إذا سكتت القوى السياسية الحرة، لا سيما من يتقبل التنوع الإثني في هذه اللحظة التاريخية، فإن مستقبل البلاد لن يكون بالتأكيد أفضل من الوضع الحالي، مؤكدًا أن بلوغ الازدهار والاستقرار واستحداث دولة محكومة بالقانون لا بالأساطير، يمر عبر قبول التنوع القومي الإثني في إيران، وإنهاء سياسة التوسع الإقليمي، وأن الطريق الوحيد في هذا الشأن هو الحوار، والنقد الهادف لخلق مفاهيم مشتركة لحلحلة قضايا إيران، ومشاركة إيران ذاتها في صناعة أمن المنطقة واستقرارها وتنميتها.
إلى جانبه، أشار الباحث في الشؤون الدينية حشمت خسروي لتعرض مجتمع اليارسان والأقليات الدينية في إيران للقمع مرات كثيرة، بما في ذلك الجهاد ضد شعب كردستان في بدايات الثورة في 1980، وهجوم محمد رضا شاه على جمهورية كردستان، دون أن يحتج أحد، مشبهًا تجربة قمع اليارسان بتاريخ العنف ضد اليهود في إيطاليا وألمانيا؛ حيث سكت المجتمع الدولي أمام التمييز والظلم. فعلى مر أكثر من 45 عامًا، سلب نظام الجمهورية الإسلامية “الإنسانية” من اليارسان، ومنعهم من الوصول إلى الفرص التعليمية والعلمية؛ فالكثيرون لا يُسمح لهم حتى بدخول الجامعات ومواصلة الدراسة. كما أشار إلى تجربته الشخصية، وقال إنه اضطر إلى تعلم اللغة الفارسية ذاتيًّا للدراسة؛ لأن النظام التعليمي الرسمي تجاهله، مؤكدًا أن قمع الأقليات الدينية ليس مجرد قضية تاريخية؛ وإنما جزء من الهيكل السياسي والأيديولوجي لإيران، ولتحقيق ديمقراطية متعددة القوميات، يجب دراسة هذه التمييزات علميًّا وبجدية. ووفقًا لخسروي، فإن تجربة اليارسان تظهر أن تجاهل الأقليات وفرض الهوية الغالبة يعوقان تقدم المجتمع وتحقيق العدالة الاجتماعية، وفي عملية دمقرطة إيران يجب الالتفات إلى هذه القضايا.
فيما تحدث الباحث دياكو مرادي عن مفهوم “الأمة الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية الديمقراطية”، مشيرًا إلى أن الدولة- الأمة المركزية لم تحقق رفاهًا مستدامًا، ولا تعايشًا دائمًا؛ بل أسهمت في تركيز السلطة وقمع التنوع، مما أدى إلى العنف والفقر.
واستشهد بفكر عبد الله أوجلان، ووصف الأمة الديمقراطية بكيان حي قائم على التنوع، حيث يكون الناس فاعلين واعين في الثقافة والاقتصاد والسياسة والدفاع الاجتماعي، وليسوا مجرد رعايا للدولة. وأضاف أن هذا النهج يمثل تحولًا جوهريًّا في فهم الإنسان لمكانه ومسؤوليته في المجتمع. وأكد أن الديمقراطية تتحقق عندما تتحرر الأمة من هياكل السيطرة، ويُنظَّم التنوع الثقافي والاجتماعي تنظيمًا حقيقيًّا، مشددًا على أن حرية النساء عنصر أساسي في استدامة الديمقراطية، وأن قمعهن يعوق تقدم المجتمع. وذكر أن تحرير النساء يعني تحول هيكل الأسرة نحو علاقات متساوية قائمة على الحوار، ويجب أن تكون المرأة في مركز صنع القرار والإدارة الجماعية. وبحسب مرادي، أظهرت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” أن القضايا الجنسانية والبيئية يجب أن تكون في صلب السياسة.
واستمر مرادي مؤكدًا أن تغيير الحكم ليس كافيًا، فلا ديمقراطية حقيقية دون إعادة التفكير في مفهوم الأمة، ومشاركة جميع الجماعات. ومن خلال تناوله موضوع “الجمهورية الديمقراطية”، أشار إلى أن التحديات الجنسانية والبيئية هي قضايا أساسية، ولا يجب أن تكون تابعة للأحزاب السياسية، مشددًا على أن الحركات الاجتماعية يجب أن تشمل جميع الهياكل، وتركز على الحرية والمجتمع الجديد.
وذكر أن دعم البيئة له أهمية مساوية للنضال الجنساني، مشيدًا بنشطاء البيئة الذين خاطروا بحياتهم للدفاع عنها. وأكد أن بناء جمهورية ديمقراطية حقيقية يتطلب استعادة مفاهيم الأمة الديمقراطية كشرط مسبق للعدالة والحرية. كما انتقد كريمي النموذج الكلاسيكي للدولة- الأمة القائم على “علم واحد، لغة واحدة، دين رسمي واحد”، معتبرًا أنه يؤدي إلى عدم المساواة، وقمع الثقافات الأخرى. وأشار إلى أن الدولة المركزية في إيران سعت دائمًا إلى فرض ثقافتها ولغتها ودينها على المجتمع، مما سبب تمييزًا وإنكارًا للتنوع، خاتمًا بالقول إن تغيير الحكم غير كافٍ؛ بل يجب تغيير فهمنا للأمة والهياكل الاجتماعية لتتشكل جمهورية ديمقراطية حقيقية.
وقالت رها ثابت سروستاني، الأستاذة في جامعة توركو الفنلندية، إن الديمقراطية الحقيقية تتشكل في العلاقات الإنسانية، وأسلوب الحوار، والحساسية الأخلاقية. وأكدت أن الديمقراطية لا تبقى حية دون فضاء آمن وعادل لتبادل الآراء والنقد الصادق. وعن رؤية المجتمع البهائي للديمقراطية، أكدت سروستاني أنها ليست مجرد قواعد سياسية، بل تتطلب تجربة تاريخية، وتطورًا أخلاقيًّا واجتماعيًّا. وذكرت أن الديمقراطية تتجلى في السلوكيات اليومية، وطريقة الحوار واتخاذ القرار، مؤكدةً أن لكل فرد الحق في التعلم والسؤال والبحث، ولا يحق لأي شخص أو مؤسسة احتكار الرأي بسبب الثروة أو السلطة، وعدّت الاحترام المتبادل، والتواضع، والتركيز على الخير المشترك، من أسس الديمقراطية.
وأضافت سروستاني أن الحوار يحتاج إلى فضاء حر وآمن لفحص الآراء دون قيود، وأن دورة التقييم وقبول الآراء يجب أن تعتمد على القيم الإنسانية والأخلاقية، لا على الثروة أو السلطة أو الادعاءات الدينية، خاتمة بالقول: بعد أكثر من 45 عامًا، يبقى السؤال المطروح هو: إلى أي مدى يشعر الشعب الإيراني بتحقق الوعود والحقوق في حياته اليومية؟ حيث يسمع صوت الاستياء من الفساد والتمييز ضد النساء وقمع الحريات في جميع أنحاء البلاد، محذرة من أن الثقة غير المشروطة بالمرجعيات الدينية أو الأيديولوجية، وتنفيذ السياسات المقيدة، يهددان الثقة الاجتماعية، والقدرة على التفكير الأخلاقي والمدني، معتبرة هذه القضية أخلاقية وإنسانية، ومؤكدة أن مستقبلًا ديمقراطيًّا يركز على الكرامة لا يمكن تحقيقه دون مواجهة صادقة مع الماضي والواقع.
وفي استنتاج هذا الاجتماع الأكاديمي، بخلاصة القول، أكد المتحدثون الخلاص من نموذج الدولة- الأمة المركزية الإيرانية، الذي تبلور منذ الثورة الدستورية 1905- 1906، وعرقله رضا شاه في 1925، حيث أنتج إقصاءً هيكليًّا، وعنفًا سياسيًّا ورمزيًّا ضد الشعوب غير الفارسية (العرب، والكرد، والبلوش، والأتراك، والتركمان، واللور، والجيلك وغيرهم)، وكذلك النساء والأقليات الدينية، مما أدى إلى أزمة شرعية عميقة، وتصدعات مستمرة في بنية الدولة.
ويرى المتحدثون أن الحلول المقترحة تركز الآن على: الانتقال إلى نظام فيدرالي/ لا مركزي يعيد توزيع السلطة، ويمنح الإدارة الذاتية للأقاليم بعيدًا عن تدخل العاصمة، إلا في شؤون السياسة الخارجية، والدفاع، والعملة.
وفي هذا السياق، تحتاج إيران إلى صياغة دستور ديمقراطي حديث يضمن المساواة التامة (الهوياتية، والجنسانية، والدينية، واللغوية)، حيث من شأنه أن يحتوي على أدوات صريحة لمواجهة التمييز.
ومن أدوات التوصل إلى الديمقراطية المنشودة، وفدرلة البلاد، المطلوب هو إطلاق النقد الجذري للخطاب القومي الفارسي المتطرف، بما في ذلك تفكيك الأساطير في الأدب الفارسي، وإنهاء السياسات التوسعية الخارجية، بموازاة تعزيز الحركات الاجتماعية الشاملة، عن طريق إدخال المرأة في جميع أروقة السياسة والمجتمع، كنموذج عالمي يتجاوز الهويات الضيقة.
ومن هنا يجب دعم الحوار الوطني الواسع الذي من شأنه أن يشمل كل الأصوات لتشكيل عقد اجتماعي جديد يبني جمهورية ديمقراطية فيدرالية تعددية، تحقق العدالة والاستقرار والازدهار المشترك، دون إنكار التنوع بجميع أطيافه.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير