مقالات المركز

يوم العزم في الإمارات وعيد النصر في الاتحاد الروسي


  • 21 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: al-ain

يحتفل شعب الإمارات العربية المتحدة في السابع عشر من يناير (كانون الثاني) من كل عام بـ”يوم العزم”، وهو يوم وطني بات رمزًا للعزيمة والسيادة الوطنية. أُقرَّ هذا اليوم إحياءً لذكرى حدث مفصلي في عام 2022، حيث نجحت الإمارات العربية المتحدة في التصدي لهجمات إرهابية غادرة استهدفت أراضيها في ذلك التاريخ. تحول هذا الحدث من مجرد تحدٍّ أمني إلى منارة وطنية تستلهم منها الأجيال قيم الوحدة والولاء والصمود في وجه الاعداء. وأصبح يوم العزم مناسبة تعبّر فيها القيادة والشعب معًا عن الفخر بقوة الدولة وقدرتها على حماية أمنها واستقرارها، فضلًا عن جاهزيتها لمواجهة مختلف التحديات ضمن رؤية إستراتيجية تستشرف المستقبل بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل على أحداث الحاضر.

يوم العزم.. رمز العزيمة والتلاحم في الإمارات

“يوم العزم” يمثل محطة تاريخية ملهمة في مسيرة الإمارات، ترسخ قيم النخوة الإماراتية والتلاحم الراسخ بين القيادة والشعب. في هذا اليوم تقف الدولة صفًا واحدًا، قيادةً وشعبًا، في وجه أي تهديد يمس أمن الوطن. جسّد أبناء الإمارات في 17 يناير (كانون الثاني) مثالًا حيًّا للوحدة الوطنية، حيث كانوا صمام الأمان الذي ردع العدوان بالتفافهم حول قيادتهم وثقتهم بقواتهم المسلحة. هذه القوات المتطورة ذات الجاهزية الدفاعية العالية، والمدعومة بتحالفات إقليمية ودولية وثيقة، أثبتت أن أمن الإمارات خط أحمر يصونه أبناء الوطن بقدراتهم وإصرارهم.

لقد أصبح “يوم العزم” مناسبة يجدد فيها الإماراتيون والمقيمون على أرض الدولة عهد الولاء والانتماء، ويؤكدون مضيهم على نهج التضحية والتفاني في سبيل الوطن. وهو أيضًا يوم تتجسد فيه القيم الإماراتية الأصيلة، مثل التسامح، والعطاء، والسلام؛ فالإمارات رغم صلابة موقفها الدفاعي هي دولة معروفة بمبادراتها الإنسانية العالمية، ونشرها قيم التعايش والتسامح؛ لذا فإن الاحتفاء بـ”يوم العزم” يحمل رسائل متعددة: الاستعداد الدائم لحماية مكتسبات الوطن، والتزام إنساني بنصرة الحق، وتعزيز السلام والاستقرار إقليميًّا وعالميًّا.

التصدّي للإرهاب والاستعداد للمستقبل

ترتكز رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة في “يوم العزم” على مبدأ واضح؛ وهو أن قوة الأوطان تكمن في استعدادها للمستقبل، وليس فقط في قدرتها على ردع تحديات الحاضر. لقد أكدت المواقف الإماراتية خلال مواجهتها للإرهاب والتطرف أن التصدي للجماعات المتطرفة معركة إنسانية شاملة تتطلب تضافر الجهود الدولية. ومن هذا المنطلق كانت الإمارات سبّاقة منذ سنوات طويلة في التحذير من تنامي خطر الإرهاب، والدعوة إلى التعاون الإقليمي والدولي لاجتثاث جذوره. شاركت بفاعلية في التحالفات الدولية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، وأسهمت في دعم الاستقرار في مناطق الصراع (مثل جهودها في اليمن لمواجهة الميليشيات المتطرفة، وتأمين الممرات البحرية الحيوية). كذلك أنشأت الإمارات مبادرات ومراكز عالمية، مثل مركز “صواب”، ومركز “هداية”؛ لتعزيز الفكر المعتدل، ومحاربة الأيديولوجيات المتطرفة؛ إيمانًا منها بأن الحلول الوقائية والفكرية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية في دحر الإرهاب.

في ذكرى “يوم العزم”، تؤكد الدولة أنها ماضية في مسيرتها التنموية بلا تردد. لم تُثنِ التهديدات أمن الإمارات، أو تبطئ عجلة تقدمه؛ بل كانت دافعًا إلى تسريع الخطى نحو التميز العالمي، فعقب الأحداث الإرهابية التي واجهتها، استمرت الإمارات في إطلاق المشروعات الكبرى واستضافة العالم (كما حدث باستقبالها فعاليات دولية كبرى). واستثمرت تلك المحطة لتعزيز قدراتها الدفاعية باقتناء أحدث التقنيات، وتطوير صناعات عسكرية وطنية متقدمة، إلى جانب تكثيف دبلوماسيتها الدولية لحشد موقف عالمي صارم ضد الإرهاب وتجفيف منابع تمويله. وعلى الصعيد الاقتصادي، بقي المناخ الاستثماري مزدهرًا بثقة دولية لم تتزعزع، بل ازدادت تدفقات الاستثمارات الأجنبية؛ إيمانًا من العالم بصلابة منظومة الأمن والاستقرار في الإمارات.

إن الجاهزية الدائمة صارت ثقافة راسخة في الإمارات العربية المتحدة بفضل دروس “يوم العزم”. فاستقرار الدولة لم يكن وليد المصادفة؛ بل هو ثمرة تخطيط استباقي، وعمل دؤوب، ورؤية تستشرف العقود المقبلة، ولعل أبرز دليل على ذلك هو استمرار الإمارات في تبنّي مشروعات مستقبلية رائدة في مجالات الفضاء، والطاقة النووية السلمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي. هذه المشروعات التنموية الطموحة تشكل ردًا عمليًّا قويًّا على كل من يحاول عرقلة مسيرة الازدهار، وتبعث برسالة واضحة أن مسيرة الاتحاد والتنمية لن تتوقف. ومع تطلع الدولة نحو مئويتها في عام 2071، فإن القيادة والشعب على حد سواء يدركون أن الوصول إلى القمة يتطلب إستراتيجيات طويلة المدى، وعزيمة لا تلين، فضلًا عن جاهزية شاملة لكل الاحتمالات.

سيبقى يوم 17 يناير (كانون الثاني) -يوم العزم- علامة فارقة في الذاكرة الوطنية الإماراتية، فهو ليس مجرد ذكرى سنوية؛ وإنما يوم لتجديد العهد بأن تبقى الإمارات شامخة آمنة، تنعم بالسلام والاستقرار، ويبقى شعبها الدرع الحصينة أمام أي معتدٍ أو طامع. وفي ظل هذه الروح، تمضي قوافل البناء والتطوير بثبات، مؤكدةً أن وحدة الصف والإرادة الصلبة هما السبيل لمواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص لمزيد من النهضة والازدهار.

مثلما تحتفي الإمارات بيوم يجسد تلاحمها الوطني، تحتفل روسيا في التاسع من مايو (أيار) من كل عام بـ”عيد النصر”، وهو أحد أهم المناسبات الوطنية الروسية. يوافق هذا اليوم ذكرى انتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية عام 1945 في الحرب العالمية الثانية (المعروفة بالحرب الوطنية العظمى). ويُعد “عيد النصر” رمزًا خالدًا للتضحية والصمود، ويحظى باحترام كبير لدى الروس وعدد كبير من شعوب العالم؛ نظرًا إلى دلالته التاريخية والإنسانية العميقة. في هذا اليوم تكرّم روسيا ذكرى الملايين من أبنائها الذين ضحّوا بأنفسهم دفاعًا عن وطنهم والبشرية ضد فكر عدواني مدمر، كما تعبّر عن امتنانها لقدامى المحاربين الذين لا يزالون شاهدي عيان على ملاحم البطولة والفداء.

تتجلى احتفالات “عيد النصر” في روسيا بعروض وطنية مهيبة تؤكد قوة الوحدة الوطنية، وروح الانتماء. أبرز هذه الاحتفالات العرض العسكري الضخم في الساحة الحمراء في موسكو، حيث تستعرض القوات المسلحة الروسية وحداتها ومعداتها في مشهد يجمع بين إحياء الماضي واستعراض الجاهزية الحاضرة. تمر الدبابات التاريخية جنبًا إلى جنب مع أحدث المنظومات الصاروخية، والطائرات المقاتلة الحديثة، في رسالة واضحة بأن روسيا تستذكر تاريخها المجيد، وفي الوقت نفسه تبقى مستعدة للدفاع عن وطنها بقدرات عسكرية متطورة. وكما يشارك الجيش في العرض، يشارك الشعب أيضًا في فعاليات متنوعة، مثل مسيرة فوج الخالدين )حيث يخرج المواطنون حاملين صور أسلافهم الذين شاركوا في الحرب؛ تخليدًا لذكراهم)، بالإضافة إلى حفلات موسيقية وطنية، وإطلاق الألعاب النارية في السماء؛ احتفاءً بالمناسبة.

يشكّل “عيد النصر” لدى الروس مناسبة لتعزيز الروح الوطنية وتوريث معانيها للأجيال الجديدة، فخلال الاحتفالات، يؤكد القادة الروس -وعلى رأسهم رئيس الدولة- في خطاباتهم أن قوة روسيا تكمن في وحدة شعبها، واستعدادها للدفاع عن سيادتها. وقد شدد الرئيس الروسي في إحدى كلماته بهذه المناسبة على أن روسيا لن تسمح لأي جهة بتهديد أمنها، في تأكيد لعزم البلاد الثابت على حماية أرضها ومصالحها الوطنية. هذه الرسائل تجد صداها لدى المواطنين الروس الذين يرون في “عيد النصر” أكثر من مجرد احتفال تاريخي؛ إنه يوم لتجديد العهد بأن تضحيات الماضي لم تذهب سدى، وبأنهم ملتزمون بالحفاظ على مكتسبات النصر، وترسيخ أمن وطنهم وسلامه في الحاضر والمستقبل.

مقارنة بين يوم العزم الإماراتي وعيد النصر الروسي

الوحدة الوطنية والتلاحم في كل من “يوم العزم” في الإمارات و”عيد النصر” في روسيا يجسدان أبهى صور الوحدة الوطنية والتلاحم بين القيادة والشعب. في الحالتين، يقف المواطنون صفًا واحدًا خلف قيادتهم للتعبير عن الولاء للوطن والاستعداد للتضحية من أجله. هذه الروح المشتركة من التضامن الوطني كانت العامل الحاسم في قدرة البلدين على تجاوز التحديات الكبيرة التي واجهتهما.

رمزية الانتصار على التهديدات: يرمز كلا اليومين إلى انتصار إرادة الوطن على التهديدات؛ فالإمارات حولت ذكرى التصدي لاعتداء إرهابي عام 2022 إلى مناسبة وطنية تحتفي بالعزم والإصرار، تمامًا كما خلدت روسيا ذكرى انتصارها التاريخي عام 1945 على العدوان النازي، وجعلته عيدًا للفخر الوطني. في كلتا المناسبتين، يتم التركيز على أن التحديات -سواء أكانت إرهابًا أم حربًا شاملة- قوبلت بالصمود والشجاعة، وتحولت من محنة إلى مصدر قوة وإلهام.

تعزيز الجاهزية والقوة: يشترك “يوم العزم” و”عيد النصر” في إبراز أهمية الجاهزية الدفاعية وقوة الردع بوصفهما عنصرين أساسيين لاستقرار الدولة؛ فالإمارات تستعرض في يوم العزم جاهزيتها من خلال عروض جوية وعسكرية، ورسائل إعلامية تؤكد تطويرها لقدراتها الدفاعية وتحالفاتها الأمنية، وروسيا تستعرض في “عيد النصر” قواتها العسكرية في عروض ضخمة لتأكيد استعدادها الدائم لحماية سيادتها. كلا البلدين يستثمر هذه المناسبات لإيصال رسالة إلى الداخل والخارج بأن الأمن الوطني مصون بقوة لا يُستهان بها.

الاستمرار في التنمية رغم التحديات: تؤكد التجربتان الإماراتية والروسية أنه بالرغم من التهديدات والتضحيات، فإن مسيرة التنمية والتقدم لا تتوقف؛ فبينما واجهت الإمارات خطر الإرهاب، ولم تتراجع عن خططها التنموية، بل ضاعفت إنجازاتها ومشروعاتها المستقبلية، تحتفل روسيا كل عام بـ”عيد النصر” وهي مستمرة في بناء نفسها كدولة قوية حديثة رغم كل الصعاب التاريخية والمعاصرة. كلا الاحتفالين إذن يحمل رسالة أمل وثقة بأن المستقبل سيكون أفضل بفضل العبر المستقاة من الماضي، والإصرار على المضي قدمًا.

بُعد عالمي وإنساني: يمتد صدى “يوم العزم” و”عيد النصر” إلى خارج حدود الإمارات وروسيا، ليحمل بعدًا عالميًّا وإنسانيًّا. الإمارات تستغل “يوم العزم” لتجديد التزامها بدورها في تعزيز السلام الإقليمي، ومكافحة الإرهاب بالتعاون مع المجتمع الدولي، ورسالة هذا اليوم تتناغم مع قيم التسامح التي تتبناها الدولة على الساحة العالمية. في المقابل، “عيد النصر” في روسيا له أهمية دولية أيضًا، إذ يذكر العالم بانتهاء حرب عالمية مدمرة، وبأهمية التعاون الدولي لمنع تكرار مآسيها، كما أنه أصبح مناسبة تجمع شعوبًا كثيرة شاركت في تلك الملحمة التاريخية. كلا اليومين يوجّه دعوة ضمنية إلى السلام والاستقرار العالميين، ورفض التطرف والعدوان بجميع أشكالهما.

الخاتمة

على الرغم من اختلاف السياقات التاريخية لكل من “يوم العزم” الإماراتي و”عيد النصر” الروسي، فإن الجوهر المشترك بينهما هو الاحتفاء بروح الصمود والوحدة الوطنية، وتحويل ذكريات التحديات إلى مناسبات لبث الأمل والقوة. كلا الاحتفالين يؤكد أن قوة الوطن الحقيقية تنبع من تلاحم أبنائه، ويقظتهم لمواجهة الأخطار، وأن الاستعداد والاستشراف هما السبيل لضمان مستقبل آمن ومزدهر. وهكذا تصبح ذكرى تلك الأيام أكثر من مجرد احتفال؛ إنها درس للأجيال في أهمية الإخلاص للوطن، والاستعداد للتضحية في سبيله، ورسالة بأن ما من تحدٍّ يمكن أن يثني عزيمة الشعوب المتحدة عن تحقيق أهدافها.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع