أبحاث ودراسات

قطيعة في الأسلوب أم عودة إلى الأصل؟

العام الأول لترمب وإدارة الحلفاء في النظام الأمريكي


  • 20 يناير 2026

شارك الموضوع

لطالما عُرفت الولايات المتحدة بصرامتها تجاه خصومها، غير أن خبرة حلفائها التاريخية تكشف أن مخالفة واشنطن قد تترتب عليها كلفة تفوق أحيانًا كلفة معاداتها؛ وهي معادلة تُلخّصها مقولة متداولة في الأدبيات السياسية: “قد يكون من الخطير أن تكون عدوًا للولايات المتحدة، لكن أن تكون حليفًا لها قد يكون مميتًا”. تنطلق هذه الدراسة من فرضية أن إدارة الحلفاء شكّلت ركنًا بنيويًا في النظام الأمريكي منذ انتقال واشنطن من طور العزلة النسبية وترسيخ المكانة داخل الإقليم إلى طور الانخراط في القضايا العالمية وصناعة ترتيبات ما بعد الحرب. ومن هذه الزاوية، تتبع الدراسة الجذور الفكرية للمنطق الأمريكي بوصفه نتاجًا للمقابلة بين “الجمهورية” و”الإمبراطورية”، ثم تنتقل إلى لحظة التحول من العزلة إلى القيادة خلال الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من تأسيس للنظام الأمريكي، وصولًا إلى سؤال معاصر: هل تمثل مقاربة ترمب قطيعة في الأسلوب فحسب، أم عودة أكثر صراحة—وربما أشد خشونة—إلى الأصل؟

الجمهورية ضد الإمبراطورية: الجذور الفكرية للنظام الأمريكي

في 2 يناير (كانون الثاني) 1492، تمكّن الملكان الكاثوليكيان، الزوجان فرناندو الثاني ملك أراغون وإيزابيلا الأولى ملكة قشتالة، من إسقاط مملكة غرناطة[1]، آخر ممالك العرب والمسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية، لتُقطع بذلك، في سياق ذلك الزمن، آخر صلة سياسية كبرى للمسلمين بأوروبا الغربية. غير أن البحث الأوروبي عن طرق تجارة بديلة لا تمر عبر أراضي “المحمديين”—كما كان الأوروبيون يطلقون على المسلمين—ظل معضلة مركزية لملوك وممالك القارة[2]؛ إذ كانت أهم طرق التجارة، ولا سيما طريق البخور والبهارات من الهند وطريق الحرير من الصين، تمر عبر أراضٍ خاضعة لسلطات إسلامية، بما جعل السيطرة على تلك المسارات أو الالتفاف عليها هاجسًا استراتيجيًا دائمًا.

وفي لحظة الانتصار والتمكين هذه، وجد البحّار الإيطالي كريستوفر كولومبوس فرصته التاريخية للحصول على دعم مشروع كان يروّج له منذ سنوات، يقوم على عبور المحيط الأطلسي، انطلاقًا من فكرة كروية الأرض، للوصول إلى الهند وآسيا من جهة الغرب بدلًا من الشرق. وبالفعل، في 12 أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، وصل إلى البحر الكاريبي، ثم توالت الرحلات والاستكشافات[3]. وفي هذا السياق، برزت رحلات أمريغو فيسبوتشي، التي أسهمت في ترسيخ الإدراك الأوروبي بأن ما جرى الوصول إليه لم يكن “الهند” كما ظن كولومبوس، بل قارة جديدة، ومنها استقر اسم “أمريكا” تكريمًا له[4]، بينما استمر إطلاق وصف “الهنود الحمر” على السكان الأصليين بوصفه أثرًا من آثار الاعتقاد الأول.

ومع اشتداد الصراع الديني في أوروبا على وقع الحرب الطاحنة بين الكاثوليك والبروتستانت، التي انطلقت شراراتها بعد اعتراضات الراهب الألماني مارتن لوثر المعروفة بـ”الأطروحات الـ95″[5]، غدا هذا “العالم الجديد” متنفسًا لكثير من المضطهدين دينيًا، كما صار، في المخيال السياسي، قلعة الحرية المفترضة لدى الساخطين على الملكيات الأوروبية وصراعاتها المتكررة. وعلى هذا الأساس، بدأت موجات الاستيطان في العالم الجديد عبر مهاجرين أوروبيين ناقمين و/أو مضطهدين، يتطلعون إلى الخلاص والحرية والقطيعة مع إرث أوروبا الدموي. وقد تركت هذه اللحظة التأسيسية أثرها العميق في الشخصية الأمريكية وفي نموذجها السياسي لاحقًا، وصولًا إلى الزمن الراهن.

في هذا السياق التاريخي–الفكري، لا تبدو الصياغات الحديثة للعقيدة الأمريكية مفصولة عن جذورها الأولى. ففي استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة الصادرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وتحديدًا في الصفحة الثالثة من المقدمة[6]، وتحت عنوان “ما الذي ينبغي للولايات المتحدة أن تسعى إليه؟”، جاءت الافتتاحية بالنص التالي: “قبل كل شيء، نريد استمرار بقاء الولايات المتحدة وأمنها بصفتها جمهورية مستقلة ذات سيادة، تكون حكومتها ضامنة للحقوق الطبيعية التي وهبها الله لمواطنيها، وتضع رفاههم ومصالحهم في صدارة أولوياتها”. وقد تبدو عبارة “الحقوق الطبيعية التي وهبها الله” غريبة أو غير مألوفة للبعض، بل وربما غير منسجمة ظاهريًا مع اللغة التقنية المعهودة في وثائق الأمن القومي، إلا أن العودة إلى التاريخ الأمريكي تكشف أن هذه الفلسفة، القائمة على أولوية الحقوق الإلهية بوصفها أوسع وأسبق من الحقوق القانونية والدستورية الوضعية، راسخة في العقلية الأمريكية منذ نشأتها الأولى.

ويرتبط هذا التصور ارتباطا وثيقا بما يمكن وصفه “بالعقدة الأوروبية” في المخيال السياسي الأمريكي المبكر، أي الحساسية الدائمة تجاه نموذج العالم القديم بوصفه مرادفا للاضطهاد الديني والحروب وصراع الملكيات. ويتجلى ذلك بوضوح في مقولات قادة المهاجرين الأوائل، الذين صبغوا الهجرة إلى “العالم الجديد” بصبغة دينية، وقدموها بوصفها خروجا أخلاقيا–دينيا من اضطهاد العالم القديم. ومنذ اللحظة الأولى، كان استحضار إرث الكتاب المقدس وربط الدين بالسياسة حاضرا، حين استُدعيت سردية خروج بني إسرائيل إطارا رمزيا لتأويل التجربة الأمريكية. وقد عبّر جون وينثروب (John Winthrop) عن هذا المعنى في خطبته الشهيرة عام 1630 بقوله: “سنكون كمدينة على تل؛ عيون جميع الناس علينا”، مقدما أمريكا بوصفها مجتمعا ذا عهد أخلاقي خاص، وموضع نظر العالم ومراقبته.[7]

وفي السياق نفسه، وصف ويليام برادفورد (William Bradford) عبور المستوطنين للأطلسي بلغة دينية صريحة، معتبرًا إياهم “حُجّاجًا” تركوا وطن الاضطهاد ورفعوا أبصارهم إلى السماء، “وطنهم الأعز”، في تشبيه قريب من الخروج وعبور البحر[8]. ومع مطلع القرن الثامن عشر، رسّخ كوتون ماثر (Cotton Mather) هذا التصور حين اعتبر أن مستوطني نيوإنغلاند من البيوريتانيين هم “شعب الله المختار” الذين استقروا في أرض كانت من قبل “أقاليم للشيطان”، في إسقاط مباشر لفكرة إسرائيل الجديدة في أرض الميعاد[9]. ولم يختفِ هذا الخيال التوراتي مع تحوّل أمريكا إلى دولة قومية، بل أعاد هيرمان ملفيل (Herman Melville) صياغته بلغة قومية حديثة حين كتب: “نحن الأمريكيين الشعب الفريد المختار—إسرائيل عصرنا؛ نحمل تابوت حريات العالم”[10]، رابطًا بين التجربة الأمريكية ورسالة خلاص ذات بعد كوني.

وتكشف هذه السلسلة من التصورات المتعاقبة أن الجمهورية الأمريكية لم تُبنَ في مخيالها الذاتي كنقيض سياسي لأوروبا الإمبراطورية فحسب، بل كبديل أخلاقي–تاريخي عنها، يرى في نفسه شعبًا خرج من عالم قديم فاسد إلى وعد جديد. وعلى المستوى السياسي، حرص الآباء المؤسسون على ترسيخ هذا التمايز عبر بناء مشروع فكري ودستوري مناقض للنموذج الأوروبي، ولا سيما صورته الإمبراطورية القائمة على الممالك الوراثية، والتحالفات الدائمة، والحروب المتكررة. ولهذا الغرض، وُضعت قواعد صارمة للحيلولة دون انتقال ما وُصف آنذاك بـ”العدوى الأوروبية” إلى الجمهورية الوليدة.

وقد عبّر توماس بين (Thomas Paine) مبكرًا عن هذا التصور حين رأى أن أوروبا “مكتظة بالممالك إلى حد يجعل السلام الدائم فيها مستحيلًا”[11]، مقابل أفق أمريكي يقوم على الاتحاد السياسي كشرط لإقامة جمهورية مستقرة. ومن ثمّ وضع القطيعة مع العالم الأوروبي شرطا لبناء نظام سياسي جديد يقوم على الحرية لا على التوسع. وفي الاتجاه ذاته، صاغ ألكسندر هاملتون (Alexander Hamilton) في مطلع الأوراق الفيدرالية (The Federalist Papers) تصورًا يعتبر التجربة الأمريكية اختبارًا تاريخيًا لقدرة المجتمعات على إقامة حكم رشيد قائم على “العقل والاختيار”، لا على الوراثة والقوة[12]، في إحالة مباشرة إلى نقيض الإمبراطوريات الأوروبية.

وتعمّق هذا الوعي بخطر النموذج الإمبراطوري لدى جيمس ماديسون (James Madison)، الذي حذّر من أن الحرب تمثل العدو الأخطر للحرية العامة، رابطًا بينها وبين الجيوش الدائمة وتآكل الضوابط الدستورية، وهي سمات رآها ملازمة للنظام الأوروبي القائم على الصراع والتوازنات المسلحة[13]. أما توماس جيفرسون (Thomas Jefferson) فقد بلور هذا المبدأ الجمهوري في صيغة سياسية واضحة حين دعا إلى “تجارة حرة مع جميع الأمم، وروابط سياسية مع لا أحد”[14]، مؤسسًا لفكرة الانفتاح الاقتصادي دون الانخراط في منطق الهيمنة والتحالفات الإمبراطورية.

ويبلغ هذا التصور ذروته في خطاب الوداع الذي ألقاه جورج واشنطن (George Washington)، حيث شدّد على أن القاعدة الكبرى في التعامل مع الدول الأجنبية هي “تقليص الارتباطات السياسية معها إلى أدنى حد ممكن”[15]، في رفض صريح للنظام الأوروبي القائم على التحالفات الدائمة والحروب المتداخلة. وفي الاتجاه نفسه، حذّر جون آدامز (John Adams) من انزلاق الجمهوريات إلى “أنماط الحكم الفاسد حين تفقد توازنها الدستوري”[16]، في نقد ضمني للتجارب الأوروبية التي انتهت ديمقراطياتها أو جمهورياتها إلى إمبراطوريات توسعية.

وعليه، لم تُبنَ الجمهورية الأمريكية بوصفها وريثًا طبيعيًا لأوروبا، بل نقيضًا واعيًا لها: جمهورية في مواجهة الإمبراطورية، وقانون في مواجهة السلالة، وتجارة في مواجهة الاستعمار. غير أن هذا التناقض التأسيسي سيظهر لاحقًا في صورة أكثر تعقيدًا حين تنتقل الولايات المتحدة من طور تشييد النموذج إلى طور إدارة النظام، ومن خطاب الاستثناء الجمهوري إلى متطلبات القيادة في عالم ما بعد الحروب الكبرى.

من العزلة إلى القيادة: الحرب العالمية الثانية وصناعة النظام الأمريكي

خاضت الولايات المتحدة أربعة أطوار رئيسية قبل خروجها إلى المسرح العالمي، أو بالأحرى قبل أن يُستدعى هذا الخروج ليُعلن عنها قوةً قيادية في النظام الدولي. بدأ الطور الأول في 4 يوليو (تموز) 1776، مع صدور وثيقة الكونغرس القاري التي أعلنت أن المستعمرات الأمريكية الثلاث عشرة أصبحت ولايات مستقلة عن الإمبراطورية البريطانية. أما الطور الثاني فتمثّل في إعلان مبدأ مونرو خلال عهد الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو[17]، في 2 ديسمبر (كانون الأول) 1823، بهدف تأمين المجال الحيوي الأمريكي وعزل القارة الجديدة عن الصراعات الأوروبية التي كان يُدار جزء معتبر منها آنذاك على أراضي الشطر الجنوبي من القارة الأمريكية. وجاء الطور الثالث مع ترسيخ الوحدة الداخلية ومواجهة الحركات الانفصالية عبر القضاء على الولايات الكونفدرالية وإنهاء الحرب الأهلية عام 1865 لصالح الاتحاد. أما الطور الرابع فتمثّل في استكمال عملية ضم مزيد من الولايات إلى الاتحاد، الذي بلغ عدد ولاياته عشية انتهاء الحرب الأهلية 36 ولاية، وهي عملية جرت في الغالب عبر صفقات شراء، أو اتفاقيات تعاقدية، أو حروب محدودة النطاق.

وخلال هذه الأطوار، حافظت الولايات المتحدة على العهد الذي أرساه الآباء المؤسسون، فامتنعت عن الانخراط في السياسة الدولية، ولا سيما الأوروبية منها. ولم يكن هذا الخيار نابعًا من دوافع أيديولوجية فحسب، بل استند كذلك إلى معطيات جغرافية وأمنية واقعية؛ إذ كانت الولايات المتحدة تعيش بالفعل في “عالم جديد” يفصلها عن العالم القديم الآسيوي والأوروبي، بتعقيداته وصراعاته وحروبه، محيطان واسعا الامتداد: الأطلسي من الشرق، والهادئ من الغرب. ولم تكن ثمة خشية أمنية حقيقية من انتقال تلك الصراعات إلى أراضيها أو من تعرّض أمنها القومي لتهديد مباشر. وفي محيطها الإقليمي، توسعت الولايات المتحدة وضمت الأراضي التي رأت فيها قيمة استراتيجية، ورسّخت أمنها عبر عزل القارة الجديدة عن أوروبا جنوبًا بمبدأ مونرو، بينما ارتبطت شمالًا بكندا بعلاقة استقرار وصداقة مع بريطانيا العظمى عقب الاستقلال.

ونتيجة لذلك، انحصرت علاقة الولايات المتحدة بأوروبا في مجالي التجارة والاقتصاد، من دون تدخل في شؤونها السياسية أو انخراط في صراعاتها، باستثناء الحرب العالمية الأولى. وحتى في تلك الحالة، لم تدخل واشنطن الحرب إلا بعد مرور ثلاث سنوات على إعلان الحياد، وتحديدًا في 6 أبريل (نيسان) 1917، كردّ فعل دفاعي على جملة تطورات متراكمة. فقد كشفت الاستخبارات البريطانية في يناير (كانون الثاني) 1917 برقية ألمانية سرية من وزير الخارجية آرثر زيمرمان (Arthur Zimmermann) إلى المكسيك[18]، يعرض فيها تحالفًا ضد الولايات المتحدة مقابل استعادة أراضٍ فقدتها المكسيك سابقًا (تكساس، أريزونا، ونيو مكسيكو). إلى جانب ذلك، تضررت التجارة الأمريكية مع أوروبا بفعل إغراق الغواصات الألمانية السفن الأمريكية، العسكرية والمدنية، في المحيط الأطلسي، وكان أبرز تلك الحوادث إغراق السفينة “آر. إم. إس. لوسيتانيا” عام 1915، ومقتل 128 مواطنًا أمريكيًا، فضلًا عن فشل جميع المساعي الأمريكية لتسوية الأزمة مع ألمانيا سلميًا نتيجة تعنّت الأخيرة.

عقب هذه التجربة الأولى، سعت الولايات المتحدة إلى وضع أسس جديدة للسلام والقانون الدولي. ورغم مشاركة الرئيس الأمريكي الثامن والعشرين وودرو ويلسون في مؤتمر باريس للسلام عام 1919، وإسهامه في صياغة معاهدة فرساي، فإنه قبل بها على مضض، رغم اعتراضه على بعض بنودها، ولا سيما تلك التي انطوت على إذلال ألمانيا، وإصرار بريطانيا وفرنسا عليها، وهي بنود رأى أنها لا تشكل أساسًا لسلام عادل، وقد تؤدي إلى إشعال حرب جديدة[19]، وهو ما تحقق لاحقًا بالفعل. كما اصطدم ويلسون برفض القوتين الأوروبيتين لمبادئه الأربعة عشر[20]، وفي مقدمتها حق تقرير المصير للمستعمرات. ومع ذلك، وافق على المعاهدة لأنها تضمنت مشروع عصبة الأمم، التي أراد لها أن تكون إطارًا جامعًا غير مسبوق لتحقيق السلم ومنع الحروب المستقبلية. غير أن اللافت أن مجلس الشيوخ الأمريكي رفض التصديق على المعاهدة مرتين[21]، عامي 1919 و1920، خشية أن تقيّد العصبة السيادة الأمريكية وتجرّ الولايات المتحدة إلى حروب أوروبية مستقبلية دون قرار وطني مستقل.

أدركت الولايات المتحدة، بعد هذه التجربة، أن انخراطها المحدود في الشؤون الأوروبية لم يحقق الهدف المنشود بوقف نزيف الدماء في القارة، وأن بريطانيا وفرنسا لم تكونا مستعدتين للتعاون الحقيقي من أجل إقامة نظام عالمي جديد. فعادت إلى سياسة الانكفاء النسبي، وركّزت على أنشطتها الاقتصادية والتجارية، ومعالجة آثار الكساد الكبير الذي ضرب اقتصادها خلال الفترة الممتدة بين 1929 و1939. ومع بدء تعافيها الاقتصادي، اندلعت الحرب العالمية الثانية في أوروبا. ورغم ظهور أصوات داخلية محدودة دعت إلى المشاركة فيها، واجهت تلك الدعوات معارضة قوية، كان من أبرز رموزها الطيار الأمريكي الشهير تشارلز ليندبرغ (Charles Lindbergh)، الذي أسس لجنة “أمريكا أولًا” في 4 سبتمبر (أيلول) 1940، مستندًا إلى أيديولوجية عدم التدخل وتجنّب التحالفات الخارجية، ولا سيما العسكرية.[22]

دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية بعد الهجوم الياباني المفاجئ على ميناء بيرل هاربر في 7 ديسمبر (كانون الأول) 1941، في نمط تكرر للمرة الثانية، حيث جاء التدخل كردّ فعل مباشر. ومنذ تلك اللحظة، أدركت واشنطن أن العزلة لم تعد سياسة قابلة للاستمرار، لكنها في الوقت ذاته عقدت العزم على ألا يتكرر إخفاق ما بعد الحرب العالمية الأولى. فقررت ربط تدخلها بوضع قواعد شاملة لنظام عالمي جديد، قائم على السلام، والهياكل القانونية، ومنع الحروب أو على الأقل تخفيف حدتها.

شكّل مؤتمر طهران، المنعقد في 28 ديسمبر (كانون الأول) 1943، بين قادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا العظمى، أولى لبنات هذا النظام، حيث تولت واشنطن قيادة التخطيط العسكري لفتح الجبهة الغربية، وبدأت مناقشة مستقبل أوروبا واليابان[23]. ثم جاء مؤتمر يالطا، المنعقد بين 4 و11 فبراير (شباط) 1945، لتحديد مصير ألمانيا، ووضع أسس النظام الدولي الجديد وفق التصورات الأمريكية، وتقاسم النفوذ بين القوى المنتصرة. وقد مال الرئيس فرانكلين روزفلت في هذا المؤتمر إلى بعض مطالب يوسف ستالين[24]، في حسابات دقيقة هدفت إلى خلق توازن يمنع تجدد الحرب، ويُخضع القوى الأوروبية المعاندة، وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا، لضغوط النظام الجديد. وأُنجزت اللمسات الأخيرة في مؤتمر بوتسدام، المنعقد بين 17 يوليو (تموز) و2 أغسطس (آب) 1945، بحضور الرئيس الأمريكي الجديد هاري ترومان.[25]

أسفرت هذه الترتيبات عن دخول ميثاق الأمم المتحدة حيز التنفيذ في 24 أكتوبر (تشرين الأول) 1945، واتخاذ الولايات المتحدة مقرًا دائمًا للمنظمة[26]، مع هيمنة أمريكية واضحة على مؤسساتها[27]. كما جرى تثبيت السيطرة السوفيتية على دول البلطيق الثلاث (ليتوانيا، إستونيا، ولاتفيا)، والأقاليم الغربية من أوكرانيا، وإقامة نظام شيوعي في بولندا، وتقسيم ألمانيا إلى شطرين. وبهذه المعادلة، كسرت الولايات المتحدة الهيمنة البريطانية–الفرنسية على أوروبا، وأزاحت الخطر الألماني، وتولت إعادة تأهيل ألمانيا الغربية، وسمحت في الوقت نفسه بوجود الاتحاد السوفيتي كعامل توازن يبرر الحاجة الأوروبية الدائمة للحماية الأمريكية، وهو ما تُرجم بتأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949. وقبل ذلك بعام، أطلقت واشنطن مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا الغربية وربطها اقتصاديًا بها، بالتوازي مع نظام بريتون وودز الذي كرّس الدولار عملة احتياط دولية، وأسّس لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي بقيادة أمريكية.[28]

رغم هذا النجاح الكبير في أوروبا، لم تحقق الولايات المتحدة نجاحًا مماثلًا في المستعمرات الأوروبية، ولا سيما البريطانية والفرنسية في أفريقيا وآسيا. فقد خشيت واشنطن من أن يؤدي استمرار الاستعمار إلى استغلاله سوفيتيًا لاستقطاب حركات التحرر الوطني. ومع تبنّي نيكيتا خروشوف سياسة أكثر مرونة تجاه دعم تلك الحركات[29]، وجدت الولايات المتحدة نفسها مضطرة للانتقال من الضغوط الدبلوماسية إلى وسائل أكثر صرامة تجاه أقرب حلفائها.

تجلّى ذلك أولًا في اتفاق كوينسي بين روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود في 14 فبراير (شباط) 1945، ثم في موقفها من ثورة يوليو المصرية عام 1952، وتشجيعها للإصلاح الزراعي. وبلغ هذا النهج ذروته خلال أزمة السويس عام 1956، حين اتخذت واشنطن موقفًا حاسمًا ضد العدوان الثلاثي، مستخدمة أدوات ضغط مالية وسياسية أجبرت بريطانيا على الانسحاب، وعزلت فرنسا دبلوماسيًا، منهية عمليًا الدور الإمبراطوري البريطاني.[30]

وجاء الدور لاحقًا على فرنسا عبر الملف الجزائري، حيث رفضت الولايات المتحدة منح باريس غطاءً دوليًا لحربها، وشجّعت الحل التفاوضي[31]، واعترفت مبكرًا باستقلال الجزائر في 3 يوليو (تموز) 1962، قبل يومين من الإعلان الرسمي[32]. وأدّى هذا المسار إلى جانب عدة أسباب أخرى لتوتر بالغ في العلاقات الفرنسية–الأمريكية، بلغ ذروته في مارس (آذار) 1966 بانسحاب فرنسا من الهيكل العسكري المتكامل لحلف شمال الأطلسي[33]، قبل أن تعود إليه عام 2009.

وبعد هذه “الهيكلة القسرية” في بنية النظام الغربي، تفرغت الولايات المتحدة لإدارة الصراع مع الاتحاد السوفيتي في إطار الحرب الباردة، إلى أن انتهت تلك المواجهة بتفكك حلف وارسو، وتوحيد ألمانيا، وإعلان ميخائيل غورباتشوف حل الاتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر (كانون الأول) 1991، لتبدأ بعدها مرحلة الأحادية القطبية والقيادة الأمريكية العالمية المنفردة.

ترمب والنظام الأمريكي: قطيعة في الأسلوب أم عودة إلى الأصل؟

لم تعد القواعد التي أُقيم عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية قائمة بالمعنى الذي استدعى نشأتها. فالتحدي الأيديولوجي الذي مثّلته الشيوعية انتهى فعليًا مع إقرار النظام الرأسمالي إطارًا عامًا للاقتصاد العالمي، وإن اختلفت درجات التطبيق وأشكاله من دولة إلى أخرى. كما أن التحدي الجيوسياسي التوسّعي للاتحاد السوفيتي زال بزواله، من دون أن تحلّ محله قوة تمتلك مشروعًا أمميًا أو رؤيةً للهيمنة العالمية الشاملة؛ بينما روسيا والصين، على الرغم من تصاعد حضورهما الدولي، لا تمتلكان مشروعًا أمميًا مكتمل الأركان قابلًا لتأسيس نظام عالمي بديل، رغم ما تطرحانه من سرديات عامة.

على المستوى السياسي، لم تعد المبادئ التي شكّلت الأساس “الأممي” للنموذج الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية—وفي مقدمتها الدستور، والانتخابات التعددية، وتداول السلطة—محل نزاع أيديولوجي عالمي كما كانت في السابق. فقد تحوّلت هذه المبادئ، بدرجات متفاوتة، إلى سمات عامة تتبنّاها الغالبية الساحقة من دول العالم، بحيث لم يعد الخلاف الدولي يدور حول شرعية هذه القيم في ذاتها، بقدر ما انحصر في آليات تطبيقها، وحدودها العملية، وشروط ملاءمتها للسياقات الوطنية المختلفة. ولم يبق خارج هذا الإطار سوى عدد محدود من الدول ذات الأنظمة المغلقة أو الحزب الواحد، وفي مقدمتها الصين، وكوريا الشمالية، وفيتنام، ولاوس، وكوبا، وإريتريا، إضافة إلى أفغانستان الخاضعة لحكم حركة طالبان.

أما على المستوى الاقتصادي، فرغم استمرار الدولار بوصفه عملة الاحتياط الدولية المهيمنة، فإن أدوات النفوذ الأمريكي لم تعد تمرّ بالضرورة عبر التوسع المؤسسي المباشر أو الالتزام الصارم بالمنظمات متعددة الأطراف. بل بات النفوذ الأمريكي يتجلى، على نحو متزايد، في القدرة على التحكم بالبنى الأكثر تأثيرًا داخل النظام الاقتصادي العالمي: سلاسل التوريد، والنظام المالي، والتكنولوجيا، والطاقة، والابتكار، حتى في ظل الانسحابات المتكررة من عدد من الأطر والمؤسسات الدولية التي أسهمت واشنطن نفسها في تأسيسها.

وفي السياق ذاته، أصبحت الرأسمالية—بغض النظر عن اختلاف نماذجها الوطنية—الإطار الاقتصادي العالمي المهيمن، ولم تعد هناك دولة تُعلن امتلاكها نظامًا اقتصاديًا بديلًا مكتمل الأركان خارج هذا الإطار. كما أن العولمة، بوصفها شبكة كثيفة من الاعتماد المتبادل، حققت أهدافها الكبرى على مستوى دمج الأسواق، وتكثيف الروابط المالية والتجارية، وربط الاقتصادات الوطنية ببنية عالمية واحدة. ونتيجة لذلك، بات مبدأ حرية التجارة، في حدّه الأدنى، قيمة شبه مسلَّم بها في العلاقات الاقتصادية الدولية.

غير أن هذا الواقع يستدعي التمييز الدقيق بين مفهومين كثيرًا ما يجري الخلط بينهما، رغم اختلافهما الجوهري. الأول هو “حرية التجارة” بمعنى تحييد التجارة الدولية بوصفها ذريعة للحروب، وإنهاء عصر إغراق السفن التجارية، وفرض الحصار البحري الشامل، وغلق الممرات التجارية الدولية بالقوة، وهي ممارسات كانت تُعدّ من أدوات الصراع المشروع في النظام الإمبراطوري الكلاسيكي، وأدّت تاريخيًا إلى اندلاع حروب واسعة، وتبرير التوسع الاستعماري، وإعادة رسم الخرائط بالقوة. وقد أصبح هذا المعنى لحرية التجارة—بوصفه ضمانًا لحرية الملاحة وعدم عسكرة طرق التجارة العالمية—جزءًا من القيم المشتركة التي قام عليها النظام الدولي المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية.

أما المفهوم الثاني فهو “تحرير التجارة”، ويقصد به الإلغاء الواسع والمنهجي للقيود الجمركية وغير الجمركية، وتوسيع فتح الأسواق الوطنية أمام السلع ورؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، وفق صيغ مؤسسية معقّدة وقواعد متعددة الأطراف، تُدار عبر منظمات دولية واتفاقيات شاملة. وهذا النموذج، الذي عُدّ طويلًا إحدى أبرز مزايا النظام الاقتصادي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ووسيلة لترسيخ هيمنتها الاقتصادية الناعمة، بدأ يتحول تدريجيًا—في نظر قطاعات متزايدة داخل دوائر صنع القرار الأمريكي—إلى عبء اقتصادي وسياسي، لا إلى رصيد استراتيجي صافٍ، خاصة حين باتت كلفته تتجاوز منافعه، وحين استفادت منه قوى صاعدة دون أن تتحمل أعباءه الأمنية أو السياسية.

وبهذا المعنى، لم تعد الإشكالية الأمريكية الراهنة تتعلق بحرية التجارة بوصفها مبدأً يضمن انسياب السلع وحماية الممرات البحرية من التحول إلى ساحات صراع، بل تتصل بتحرير التجارة بوصفه خيارًا مؤسسيًا شاملاً بات يُنظر إليه كقيد على القدرة الأمريكية على المناورة الاقتصادية، وإعادة توجيه سلاسل التوريد، واستخدام الأدوات التجارية كوسائل ضغط استراتيجية في نظام دولي يتجه نحو مزيد من التنافس الحاد.

في هذا السياق، يمكن فهم التحول الأمريكي المتزايد نحو تفضيل الاتفاقيات الثنائية على الصيغ متعددة الأطراف، باعتبارها أدوات أكثر مباشرة في تعظيم العائد وتقليص الكلفة، وهو ما برز بوضوح في سياسات إدارة ترمب. ويزداد هذا المنطق وضوحًا عند النظر إلى موقع الاتحاد الأوروبي في الحسابات الأمريكية الراهنة. فقد نشأ الاتحاد الأوروبي، في جوهره، لتحقيق هدفين رئيسيين: ضمان السلام الأوروبي–الأوروبي بعد قرون من الحروب، وملء الفراغ الجيوسياسي الذي خلّفه تفكك الاتحاد السوفيتي. وقد نجح الاتحاد، إلى حدٍّ بعيد، في تحقيق هذين الهدفين. غير أن نجاحه هذا نفسه جعله، من منظور واشنطن، كيانًا لم يعد يقدّم قيمة مضافة استراتيجية تبرر استمرار تحمّل الولايات المتحدة كلفة حمايته أو رعايته المؤسسية كما في السابق.

وبذلك، لم تعد المؤسسات متعددة الأطراف، ولا التكتلات التي أُنشئت في سياق الحرب الباردة وما بعدها، تُنظر إليها داخل الولايات المتحدة بوصفها أدوات ضرورية لإدارة النظام الدولي، بل بات يُنظر إلى كثير منها على أنها هياكل تجاوزتها وظيفتها التاريخية، ولم تُعدَّل بما يتلاءم مع تحولات موازين القوة العالمية. ومن هنا، يصبح تقليص الالتزامات، وإعادة تعريف قواعد الشراكة، والانتقال من منطق الإدارة الجماعية للنظام إلى منطق إدارة المصالح المباشرة، جزءًا من إعادة التموضع الأمريكي في مرحلة ما بعد الأحادية القطبية الكلاسيكية.

هنا تبرز الإشكالية البنيوية التي أفرزتها نهاية الحرب الباردة: فالهياكل والمؤسسات التي أنشأتها الولايات المتحدة لمواجهة الاتحاد السوفيتي، بعد أن أزاحت الإرث الاستعماري الأوروبي، لم تُفكّك بانتهاء مهمتها، بل استمرت وتضخّمت، وتحولت مع الزمن إلى جهاز بيروقراطي ثقيل بات مركز قوة قائمًا بذاته، يدافع عن مكتسباته ويقاوم أي محاولة لإعادة تعريف دوره. وفي المقابل، عجز الحلفاء—ولا سيما الأوروبيين—عن استيعاب التحولات العميقة التي طرأت على النظام الدولي، وظلوا يتعاملون مع هذه المؤسسات بوصفها أدوات أمريكية خالصة تتولى واشنطن تمويلها وحمايتها وإدارتها، من دون مساهمة فعلية منهم تضمن استدامتها أو تُبرّر استمرارها.

إلى جانب ذلك، فشلت هذه المؤسسات في تطوير وظائفها ومهامها بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الجديدة، فتحولت إلى عبء مالي متزايد على الخزانة الأمريكية، من دون عائد سياسي أو اقتصادي يتناسب مع حجم الكلفة. كما أن محاولات إعادة بعث دورها عبر الحشد لصراعات كونية جديدة—سواء تحت عناوين “الحرب على الإرهاب”، أو “نشر الديمقراطية”، أو حتى المواجهة مع روسيا بعد الحرب في أوكرانيا—لم تنجح في إعادة إنتاج وظيفة ذات قيمة استراتيجية حقيقية، وبقيت تلك المؤسسات تتضخم دوريًا من دون هدف واضح.

في هذا السياق، يمكن فهم مقاربة دونالد ترمب بوصفها استجابة مباشرة لهذه الاختلالات البنيوية. فقد تعامل مع المعضلة عبر سياسة الانسحاب من عدد من المنظمات الدولية، وإغلاق مؤسسات أمريكية أُنشئت لأغراض أيديولوجية لم يعد لها وجود، مثل بعض المنصات الإعلامية الموجهة إلى شعوب المعسكر السوفيتي السابق. كما مارس ضغوطًا غير مسبوقة على الحلفاء داخل حلف شمال الأطلسي لإجبارهم على زيادة مساهماتهم المالية والعسكرية. غير أن هذا النهج، في جوهره، لا يمثّل قطيعة مع الإرث الأمريكي بقدر ما يعكس عودة صريحة إلى الأسس الكامنة في “الجينات السياسية” للجمهورية الأمريكية منذ نشأتها.

الاختلاف الحقيقي لا يكمن في الأهداف، بل في الأسلوب. فقد لجأ ترمب إلى “سياسة الصدمة” مقرونة بخطاب دعائي صدامي، وابتعاده عن الصوابية واللباقة السياسية التقليدية، بحكم كونه قادمًا من خارج المؤسسة الحاكمة، وغير منتمٍ إلى النمط السياسي الكلاسيكي. ويضاف إلى ذلك عامل بالغ الأهمية يتمثل في أن تأخر الإدارات السابقة في معالجة هذه الإشكاليات راكم الضغوط على الخزانة الأمريكية، وأضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة الصين، التي استفادت من امتيازات النظام الأمريكي لما بعد الحرب العالمية الثانية من دون أن تتحمل أعباءه.

وعليه، فإن عالم اليوم بات في حاجة إلى قواعد جديدة تتجاوز تلك التي غدت بالية وعاجزة عن التعامل مع التحديات الراهنة وفق المنطق الأمريكي. فآليات القانون الدولي وصناعة القرار، التي بُنيت على توازن دقيق بين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية، تحولت من أدوات استقرار إلى قيود تكبّل الحركة الأمريكية، وتُيسّر في الوقت ذاته صعود المنافس الأبرز، أي الصين. ووفقًا للتقليد الأمريكي الراسخ في إدارة الحلفاء حين يتخلّفون عن الاستجابة لمتطلبات المرحلة—كما حدث بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية—تُمارس واشنطن اليوم، في عهد ترمب، السياسة ذاتها بصيغة أكثر خشونة ووضوحًا.

يتجلى ذلك في الميل الظاهر إلى توظيف الورقة الروسية للضغط على أوروبا، وعدم الالتزام الصارم بمقتضيات المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، بما يضع القارة الأوروبية أمام معادلة قاسية: إما تحمّل أعباء أمنها كاملة، ويؤدي هذا المسار إلى تعميق هشاشة أوروبا عبر زيادة الإنفاق العسكري، وعسكرة المجتمع، وتصاعد التوترات الداخلية، بما يفتح المجال أمام صعود التيارات اليمينية المتشددة. أو القبول بإعادة ضبط سياساتها بما يتوافق مع النظام الدولي الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تأسيسه.

وفي نهاية المطاف، تجد أوروبا نفسها، وفق منطق ترمب، مضطرة إلى القبول بالمعادلة الأمريكية الجديدة، وهي معادلة لا تقوم على الشراكة المتكافئة بقدر ما تقوم على إعادة توزيع الأعباء داخل المعسكر الغربي. وتتمحور هذه المعادلة حول انخراط أوروبي كامل في مواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني المتصاعد، بالتوازي مع فرض قيود صارمة على تنامي القدرات العسكرية الصينية، سواء التقليدية أو النووية، ضمن الأطر والاتفاقيات الموروثة عن حقبة الحرب الباردة، بما يضمن بقاء التفوق الاستراتيجي النهائي بيد الولايات المتحدة، ويحول دون تشكّل قطب صيني مستقل قادر على الفعل خارج المنظومة الأمريكية.

ولا يقتصر هذا النمط من الضغوط على أوروبا وحدها، بل يُتوقع تعميمه تدريجيًا على بقية الحلفاء حول العالم، عبر تقليص دور الولايات المتحدة بوصفها “حاميًا” أو “ضامنًا” للأمن، والانسحاب المتدرج من تحمّل كلفة الاستقرار الإقليمي في مناطق واسعة من العالم. ومن هذا المنظور، يمكن فهم التحول الواضح في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة نحو التركيز على نصف الكرة الجنوبي، بالتوازي مع ترك الممرات الملاحية والمناطق ذات الأهمية الجيوسياسية الحساسة بلا مظلة حماية أمريكية مباشرة، ولا ضمانات صريحة للدول الصغيرة تحول دون ابتلاعها أو إخضاعها من قبل القوى الإقليمية الأكبر.

ولا يبدو هذا الفراغ الأمني عرضيًا أو ناتجًا عن تراجع غير محسوب، بل يُرجَّح أنه جزء من استراتيجية مقصودة تهدف إلى إشاعة حالة من القلق والهلع وعدم اليقين داخل النظام الدولي، وربما قدرًا من الفوضى المؤقتة والمحسوبة، بما يدفع الدول المتضررة—عاجلًا أو آجلًا—إلى استدعاء الولايات المتحدة مجددًا للقيام بدورها القيادي، ولكن بشروط مختلفة، وفي سياق يراعي أولويات واشنطن الجديدة. ويعزز هذا المسار عجز الأقاليم المختلفة عن بناء منظومات أمن جماعي فعّالة قادرة على ضمان الاستقرار، أو توفير مظلة ردع حقيقية، أو تقديم ضمانات متبادلة بعدم التعدي.

وفي الوقت ذاته، يؤدي هذا الانسحاب الأمريكي النسبي إلى تحميل الصين أعباء إضافية، عبر دفعها إلى تحمّل كلفة حماية تجارتها الدولية المتضخمة، وخطوط إمدادها الممتدة عبر بحار ومضائق بعيدة عن مجالها الحيوي المباشر، وهو ما يرفع من كلفة صعودها الاقتصادي ويستنزف مواردها الاستراتيجية. ويتكامل هذا المسار مع توجّه متسارع للاستثمار الأمريكي نحو أمريكا اللاتينية، بهدف تحويلها إلى قاعدة صناعية جديدة منخفضة الكلفة، لكنها هذه المرة أقرب جغرافيًا إلى الولايات المتحدة، وأسهل ضبطًا وسيطرة، بما يحدّ من الاعتماد على سلاسل التوريد الآسيوية ويعيد تمركز الثقل الصناعي في الفضاء القريب من واشنطن.

وفي هذا الإطار أيضًا، يمكن فهم جانب من الحراك الأمريكي الاستعراضي في فنزويلا، لا بوصفه مقدمة لتدخل مباشر بقدر ما هو رسالة ردع وإثارة قلق موجّهة إلى بقية دول أمريكا اللاتينية، للتذكير بحدود الحركة والاستقلال، ولإعادة ترسيخ المجال الحيوي الأمريكي في نصف الكرة الغربي. ويصبّ هذا كله في سياق تمهيدي لإعادة تشكيل نظام دولي أكثر انسجامًا مع موازين القوة الراهنة، يضمن للولايات المتحدة استمرار القيادة والهيمنة، ولكن بصيغة مختلفة: أعباء أقل، والتزامات أخف، ومكاسب استراتيجية واقتصادية أكبر.

وبذلك، لا تبدو مقاربة ترمب خروجًا على التاريخ الأمريكي أو انحرافًا عن مساره، بل عودةً صريحة إلى منطقه التأسيسي العميق: تقليص الكلفة، وتعظيم العائد، وإعادة تعريف التحالفات باعتبارها أدوات وظيفية لا التزامات دائمة—وهو منطق يرى في نفسه السبيل الأمثل للحفاظ على الهيمنة الأمريكية في عالم يتغيّر، لا عبر إدارة النظام القديم، بل عبر تفكيكه وإعادة تركيبه بشروط جديدة.

الخاتمة

قد يُفضي هذا المسار، في محصلته، إلى إعادة إنتاج منطق أمريكي قديم بصيغة جديدة: تخفيف الالتزامات، وإعادة توزيع الأعباء، وإدارة التحالفات بمنطق وظيفي يربط استمرارها بجدواها المباشرة ضمن أولويات واشنطن المتغيرة. وإذا كانت المؤسسات والهياكل التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية قد صُممت لضبط توازنات عالم ثنائي القطبية، فإن لحظة ترمب تكشف انتقالًا متسارعًا نحو تفكيك تلك الصيغة، لا بوصفه تراجعًا اضطراريًا، بل كأداة لإعادة تركيب نظام دولي جديد وفق حسابات أكثر صرامة تتصل بالكلفة والعائد، وبالحفاظ على التفوق النهائي في مواجهة المنافسين، وعلى رأسهم الصين.

غير أن أخطر ما يترتب على هذا التحول يتمثل في انعكاساته على البيئات الإقليمية. فكلما اتسع الفراغ الأمني النسبي، وازدادت ضبابية المظلة الأمريكية التقليدية، يُتوقع أن تشتعل المنافسة داخل المناطق الإقليمية ذاتها، وأن تتكثف محاولات إعادة التموضع بين القوى الإقليمية المتوسطة والكبيرة، وأن تُدفع القوى الأصغر، على نحو خاص، إلى البحث عن تحالفات جديدة أو محسّنة مع قوى أخرى نافذة لدى واشنطن، بما يحقق لها هدفين متلازمين: تأمين نفسها في المدى القريب من مخاطر الابتلاع أو الإخضاع داخل محيطها الإقليمي، وضمان حجز مكان لها في شكل النظام العالمي الجديد عندما تحين لحظة ترسيخه أمريكيًا والإقرار به بوصفه واقعًا نهائيًا.

وبذلك، لا تتحدد ملامح المرحلة المقبلة فقط في طبيعة العلاقة الأمريكية–الأوروبية أو في كيفية إدارة التنافس مع الصين، بل كذلك في ديناميات إعادة ترتيب التحالفات داخل الأقاليم المختلفة، حيث ستصبح القدرة على النفاذ إلى دوائر التأثير القريبة من واشنطن، أو الارتباط بمن يمتلك هذا النفاذ، أحد أهم محددات البقاء والمكانة. وفي هذا الإطار، يغدو التفكيك الأمريكي المدروس للنظام القديم مقدمةً لمنطق عالمي جديد لا يُكافئ من يراهن على ثبات الضمانات، بل من يملك المرونة والقدرة على التكيّف، وإعادة بناء أدوات أمنه وشراكاته بما يتوافق مع القواعد التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها في لحظة إعادة التأسيس.

أخيرا، فإن سعي إدارة ترمب إلى تحقيق هذه الأهداف—ولا سيما تلك التي يبدو أن المؤسسة الحاكمة تتقاطع معه بشأنها—لا يعني بالضرورة نجاحه في بلوغها؛ فذلك مسارٌ مختلف يقتضي دراسة تحليلية مستقلة تتناول شروط التنفيذ وتوازنات القوة وعوامل الإعاقة وحدود القدرة على تحويل الرغبات السياسية إلى نتائج ملموسة. أما هذه الدراسة فقد انصرفت، على نحوٍ مقصود، إلى تفكيك دوافع سياساته وأسبابها، واستجلاء ما يأمل ترمب تحقيقه من ورائها، من دون الخوض في مآلاتها أو تقويم نتائجها النهائية.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع