تقدير موقف

السلام الاقتصادي.. مشروع ترمب ونتنياهو لتكريس الهيمنة على غزة


  • 20 يناير 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: alqudscenter

لم تغب القضايا الاقتصادية عن أجندة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ النكبة عام 1948، بل بقيت حاضرة في لب الصراع؛ لأن الأساس في الصراع هو الصراع على الأرض والوجود، ومن ثم على الهوية والرواية والتاريخ؛ لذلك كانت عمليات التطهير العرقي ومصادرة الأراضي عام 1948 من أولويات الحكومة الإسرائيلية، وامتد ذلك بعد النكسة عام 1967 في مصادرة مزيد من الأراضي، وإقامة المستوطنات، والسيطرة على الموارد المائية والثروات الطبيعية.  وبعد توقيع اتفاقية إعلان المبادئ (أوسلو) بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة إسرائيل  في 13/9/1993، التي تختص بالقضايا السياسية والمفاوضات بين الجانبين، جاء توقيع اتفاقية باريس الاقتصادية في 29/4/1994، التي تناولت معالجة القضايا الاقتصادية بين الجانبين، وطبيعة العلاقة المستقبلية، وآليات حل الخلافات الاقتصادية بينهما.

اتفاقية باريس الاقتصادية 

وُقّعت اتفاقية باريس الاقتصادية بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في 29/4/1994، وتتضمن تنظم العلاقة الاقتصادية بين إسرائيل والفلسطينيين، وأُنشئت اللجنة الاقتصادية المشتركية  المعروفة بـ(JEC) لمتابعة تنفيذ الاتفاقية والنظر في إيجاد حلول لجميع القضايا، ويستطيع أي من الجانبين المطالبة بإجراء تعديلات على الاتفاقية من خلال تلك اللجنة، لكن في عام 2000، مع بداية الانتفاضة الثانية، توقفت اجتماعات اللجنة الاقتصادية المشتركة.

 وفي ظل تعطل اجتماع اللجنة الاقتصادية المشتركة،  عملت اتفاقية باريس الاقتصادية على تكريس التبعية الاقتصادية الفلسطينية للاقتصاد الإسرائيلي، فأصبح الاقتصاد الفلسطيني تابعًا للاقتصاد الإسرائيلي، وبقي الميزان التجاري القائم بينهما لصالح الاقتصاد الإسرائيلي، مما خلق كثيرًا من المشكلات البنيوية في الاقتصاد الفلسطيني، وجعل التحرر من التبعية الاقتصادية للاقتصاد الإسرائيلي أمرًا بعيد المنال في ظل السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الحدود والمعابر، وتقييد الحركة الداخلية بين المدن والبلدات الفلسطينية، وانتشار الحواجز الدائمة. في ظل تلك الظروف الصعبة، والأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعانيها المواطن الفلسطيني، فإن أي حديث عن سلام اقتصادي يخفف القيود الإسرائيلية على الاقتصاد الفلسطيني، ويحقق نوعًا من التنمية الاقتصادية، ربما قد يكون مقبولًا فلسطينيًّا من حيث المبدأ، لكنه على المدى البعيد يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية على حساب الحقوق الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني، وهذا ما لا يقبله أي فلسطيني.

السلام الاقتصادي

ترجع جذور استخدام مصلح السلام الاقتصادي في الفكر السياسي الإسرائيلي إلى تيار في حزب العمل الإسرائيلي الذي قدّم رؤية لحل الصراع تستند إلى الحل الاقتصادي، وقد أسندت هذه المهمة إلى وزير الخارجية الإسرائيلي شمعون بيرس، ونائبه يوسي بيلن، في بداية تسعينيات القرن الماضي. ويمكن تعريف السلام الاقتصادي من وجهة نظر أيديولوجية بأنه توفير وتقديم الحوافز الاقتصادية والتنموية في سبيل الوصل إلى تحقيق أهداف سياسية، وفي الحالة الفلسطينية ينطلق ذلك من أن الحوافز الاقتصادية قد تدفع الفلسطينيين إلى التخلي عن مطالبتهم بحق تقرير المصير، وحقوقهم السياسية.

إن مفهوم السلام الاقتصادي ليس جديدًا في أبجديات الصراع العربي الإسرائيلي، ولكنه يعود إلى مشروع شمعون بيرس في كتابه “الشرق الاوسط الجديد”، الذي نُشر عام 1993، حيث اشتمل على رؤية اقتصادية لتسوية الصراع تقوم على تعاون اقتصادي بين إسرائيل والدول العربية، وتُستثمَر من خلالها الثروات الطبيعية والموارد البشرية التي تمتلكها الدول العربية، مع التكنولوجيا والمعرفة العلمية التي تمتلكها إسرائيل في تحقيق التنمية والاستقرار، ورفع مستوى المعيشة  في دول المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، اقترح  بنيامين نتنياهو عام 2008، خلال “مؤتمر هرتسليا”، سلوك طريق “السلام الاقتصادي”، معتبرًا أنه الطريق الوحيد الذي يخلق الظروف المناسبة للأمن والاستقرار في المنطقة، من خلال التركيز على   تحسين ظروف الحياة اليومية للفلسطينيين.

واليوم تعود مشروعات السلام الاقتصادي إلى الواجهة من جديد، خاصة بعد ما حلّ في قطاع غزة من حرب تدميرية واسعة استمرت أكثر من سنتين تقريبًا، وفي ظل استمرار تنكر “إسرائيل” -بوصفها سلطة محتلة- لمسؤولياتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ورفضها أي أفق سياسي قائم على حل الدولتين، واستمرار الاستيطان، ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية.

مؤتمر إعادة الإعمار

إن السياسية الإسرائيلية لا تقبل أنصاف الحلول، وهي تعمل على حسم الملفات في المنطقة، وهذا يتوافق تمامًا مع الرؤية الأمريكية التي تمثلها إدارة الرئيس دونالد ترمب، والتي تذهب إلى الاستقرار والتنمية في منطقة الشرق الأوسط، ومن هنا تبرز أهمية الدور الأمريكي في الضغط نحو الحلول الاقتصادية بالمنطقة، وخاصة في قطاع غزة، والحديث يكثر نحو الحل الاقتصادي، أو ما يعرف بالسلام الاقتصادي في المنطقة، الذي يمثل المشروع السياسي لبنيامين نتنياهو منذ سنوات طويلة، ولكن الجديد هو أن ترمب ونتنياهو أصبحا الآن يريان في السلام الاقتصادي الحل الأمثل لمشكلة الشرق الأوسط، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، دون أي اعتبار للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني.

إن ما تقوم به الإدارة الأمريكية من تحركات على الصعيد الدولي والإقليمي، وخاصة فيما يتعلق بملف إعادة الإعمار في قطاع غزة، واستضافة مؤتمر إعادة الإعمار في واشنطن، والحديث عن كثير من المقترحات الاقتصادية التي تُدرَس، يظهر -بكل وضوح- أن الولايات المتحدة تسعى إلى توظيف ملف إعادة الإعمار بما يخدم مصالح الشركات الأمريكية والإسرائيلية ضمن استعمار بثوب “القوة الناعمة”، وهذا التوجه الأمريكي تجاه إعادة إعمار قطاع غزة لا ينطلق من منطلقات إنسانية أو تنموية؛ بل يأتي في سياق استخدام الإعمار أداةً من أدوات الهيمنة الاستعمارية الجديدة، من خلال فرض وصاية أمريكية مباشرة أو غير مباشرة على القطاع، تتجاوز السيطرة العسكرية إلى السيطرة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وبما يخدم مصالح الشركات الأمريكية والإسرائيلية، مما يجسد شكلًا من أشكال الاستعمار الكولونيالي بثوب جديد، يعتمد على “القوة الناعمة”، وعلى رأسها الاقتصاد، بوصفه المدخل الأوسع للتحكم بالسياسة والقرار السيادي، وصولًا إلى ما يعرف بتحقيق السلام الاقتصادي في المنطقة.

رفض أمريكي لمشروعات إعادة الإعمار العربية

 أقرت القمة العربية في مارس (آذار) 2025 خطة عربية لإعادة إعمار غزة بقيمة (53) مليار دولار على مدار خمس سنوات،  قدمتها الحكومة المصرية، وتشمل مرحلة أولى تستمر ستة أشهر؛ لإزالة الأنقاض والألغام والذخائر غير المنفجرة، وتوفير نحو 200 ألف وحدة سكنية مؤقتة، ومرحلة ثانية تشمل بناء نحو 400 ألف وحدة سكنية جديدة، وإعادة إصلاح  آلاف المنازل المتضررة، والثالثة إعداد البنية التحتية وتجهيزها،  وإنشاء مناطق صناعية، وميناء تجاري، وميناء صيد، ومطار، وقرى سياحية. لكن هذه الخطة لم ترَ النور حتى الآن لاعتبارات كثيرة، أولها الرفض الإسرائيلي، وثانيها الموقف الأمريكي الذي ما زال يطرح الخطط البديلة لها،   واستمر الرفض الأمريكي المتكرر لعقد مؤتمرات دولية لإعادة إعمار غزة في عواصم إقليمية أو أوروبية، مثل القاهرة، أو باريس، أو بروكسل، يعكس نظرة أمريكية إسرائيلية استعلائية، ترى أن مستقبل غزة يجب أن يبقى خاضعًا للهيمنة الأمريكية، وتحقيق مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، وفقًا للشروط التي تفرضها تل أبيب وواشنطن على مستقبل قطاع غزة.

ارتباط أيديولوجي بتيار ماغا

إن هذا التوجه الأمريكي الذي يدفع نحو الحضور الأمريكي القوي في ملف إعادة الإعمار في قطاع غزة ينسجم تمامًا مع الموقف الأيديولوجي لتيار ماغا الذي يهيمن على الإدارة الأمريكية الحالية فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، التي تضع في الحسبان المصلحة الأمريكية أولًا؛ وبذلك فإن إدارة الرئيس ترمب تتعامل مع ملف إعمار قطاع غزة من منظور المصلحة الاقتصادية الأمريكية، وبمنطق الصفقات التجارية الخارجية التي تعود بالنفع على الولايات المتحدة الأمريكية،  فهي لا تطرح، ولا تقدم أي تعهد لدعم أي مسار لا يحقق لها عائدًا اقتصاديًّا، أو نفوذًا سياسيًّا مباشرًا لها.

وتجليًا لهذا التوجه الأمريكي، تتداول وسائل الإعلام الأمريكي والإسرائيلي كثيرًا من مشروعات إعادة الإعمار على نحو دائم، ومنها مشروع  “غزة الجديدة”، أو “ريفييرا غزة”، وآخرها مشروع  الشمس المشرقة الذي يتلخص في  تحويل قطاع غزة  المدمر إلى “مدينة عصرية”. وسوف تتكفل  الولايات المتحدة الأمريكية  بتغطية نحو (20)% من تكاليف إعادة الإعمار على مدار 10 سنوات.  يتضح من الطروحات الأمريكية تلك أنه يُراد لقطاع غزة أن يصبح منطقة خاضعة للنفوذ الأمريكي، ويتم التركيز على البعد الاقتصادي في حل المشكلة القائمة، وجلب كثير من الاستثمارات إلى قطاع غزة، وتحويل القطاع إلى منطقة خاضعة للوصاية الاقتصادية الأمريكية المباشرة. وإذا رُبطت تلك المشروعات بقضية مجلس السلام الذي سوف يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فإن البعد الاقتصادي هو الأساس لكل ذلك، من خلال رؤية ترمب وخططه فيما بات يعرف بمشروع “شروق الشمس” في رفح. إن الطرح الجديد لتنظيم مؤتمر إعادة الإعمار في العاصمة الأمريكية واشنطن يحمل دلالات سياسية وأيديولوجية عميقة، تهدف إلى إبقاء مفاتيح الاقتصاد، ومن ثم السياسة، بيد واشنطن وتل أبيب، ومنع أي دور محوري لدول إقليمية، أو عربية، أو أوروبية، لإقصاء أي ضغط دولي نحو الحقوق السياسية والوطنية الثابتة والمشروعة للشعب الفلسطيني.

هندسة مستقبل قطاع غزة

في ظل التطورات الإقليمية الحاصلة في المنطقة، التي تمثلت في سقوط النظام السوري، وخروج ايران من سوريا، وتدمير حلفاء ايران في المنطقة، وإعلان واشنطن رفضها وجود أي كيانات مسلحة في المنطقة تحت إطار الدول (غزة، والعراق، ولبنان، واليمن)، سواء أكانت حركات تحرر وطني، أم ميليشيات، أم منظمات، فإن الولايات المتحدة تسعى من خلال هذا المسار إلى إعادة هندسة الواقع السياسي والاقتصادي، وربما الثقافي، في قطاع غزة، بما في ذلك التأثير في المناهج التعليمية، وبناء خطاب “السلام والتعايش” وفق الرؤية الأمريكية في محاربة خطاب الكراهية والتطرف والإرهاب.

إعادة إعمار أولية

يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية ذاهبة إلى الضغط على إسرائيل من أجل زيادة كميات المساعدات الإنسانية التي تدخل قطاع غزة، والسماح بإدخال بعض المواد اللازمة والضرورية لتخفيف الكارثة الإنسانية في القطاع، وقد نشهد خلال الفترة المقبلة إدخال  مساكن مؤقتة (كرفانات) لمعالجة الأزمة الإنسانية، قبل الانتقال إلى مشروعات إعادة إعمار أوسع، قد تشمل إنشاء تجمعات سكانية جديدة، مثل “رفح الجديدة”.

واستنادًا إلى البند رقم (17) من خطة ترمب لوقف الحرب في قطاع غزة، الذي يشير إلى أنه في حالة تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق فإنه سيُبدأ بإعادة الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية خلف الخط الأصفر، وهذا ما يروج له الإعلام العبري والأمريكي، أي إعادة الإعمار في تلك المنطقة كخطوة أولى نحو إعادة الإعمار، ولكنها تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، ورهنًا بالقرار السياسي الأمريكي الإسرائيلي.

الخلاصة

في ظل الدعم القوي واللا محدود من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإسرائيل، فإن الحل  الأسهل للتطبيق في قطاع غزة سوف يرتكز أساسًا على مفهوم السلام الاقتصادي، وهو ما ينسجم مع رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بيامين نتنياهو في مشروع السلام الاقتصادي مع الفلسطينيين، بالإضافة إلى رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، التي ترى منطقة الشرق الاوسط منطقة استقرار وتنمية، وترى قطاع غزة منطقة تنمية ومدينة تكنولوجية متميزة، ولكن هذا السلام لا يستند إلى مبادئ العدالة، وحق تقرير المصير للفلسطينيين؛ بل هو في جوهره تسوية تفرضها علاقات الهيمنة، ومعادلات القوة السائدة في النظام الدولي؛ لأن أي سلام لا يستند إلى إعادة الحقوق كاملة هو عبارة عن إملاءات، وفرض للسيطرة والهيمنة،  وليس سلامًا بالمعنى الحقيقي، ويبدو أن هذا ما يتم العمل على تطبيقه في قطاع غزة.

إن الحالة السياسة العامة في إسرائيل، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ما زالت ترفض رفضًا مطلقًا أي حقوق سياسية للفلسطينيين، وتسقط الحل السياسي وخيار حل الدولتين من أجندتها وبرامجها السياسية؛ لذلك فان الحلول القائمة على الطابع الاقتصادي يمكن أن تنجح وفقًا للرؤية الأمريكية والإسرائيلية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي على المدى القريب.

ولا يزال الموقف الإسرائيلي المتمسك بعدم الانسحاب من قطاع غزة إلى ما وراء ما بات يعرف بالخط الأصفر عائقًا أساسيًّا في تنفيذ خطة الرئيس ترمب بجميع تفاصليها وتجلياتها؛ لذلك فإن تفعيل البند رقم (17) من الخطة، الذي يشير إلى إمكانية إعادة الإعمار في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل سيكون الخيار الأمثل للإسرائيليين والأمريكيين معًا في كمال الخطة وعدم فشلها.

إن تمسك حركة حماس بسلاحها، وترك قضية نزع السلاح، للإجماع الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية، يشير بكل وضوح إلى أن عملية نزع سلاح الحركة والمنظمات المسلحة في قطاع غزة ما زالت بعيدة المنال، حتى لو تم الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة الرئيس ترمب.

إن الأيديولوجيا السائدة في إسرائيل، القائمة على السيطرة على الأرض، والتي تنسجم مع المقولة الرائجة لدى النخب السياسية في إسرائيل أن “من يقتل يهودا يفقد أرضًا”، تطبق الآن في قطاع غزة، وكانت تصريحات رئيس هيئة الأركان الإسرائيلية إيال زامير التي قال فيها إن الخط الأصفر أصبح يشكل الحدود الفاصلة بين دولة إسرائيل وقطاع غزة هي خير دليل على ذلك.

في ظل هذه التشابكات والتعقيدات  في المواقف السياسية الإسرائيلية والفلسطينية فإن الخيار الاقتصادي يعد الخيار الأسهل للتطبيق؛ لأنه مقبول أمريكيًّا وإسرائيليًّا، ويعمل على إنهاء المعاناة الإنسانية اليومية المستمرة للمدنيين في قطاع غزة منذ سنوات، وربما تنجح تلك الخطط في إعادة الإعمار، وتحويل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى نموذج مثالي في قطاع غزة، ويُنقَل المواطنون من الأماكن التي تسيطر عليها حماس إلى تلك المناطق التي يعاد إعمارها، وتخضع للسيطرة الإسرائيلية، وهذا يكرس السيطرة والهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في قطاع غزة. وفي ظل الفارق في توافر الخدمات والظروف الحياتية والمعيشية بين تلك المناطق، فلربما يصبح مطلبًا شعبيًّا لدى كثير من المواطنين تحويل جميع مناطق قطاع غزة إلى النموذج الذي طبق في رفح،  والخاضع للسيطرة الإسرائيلية، وهذا ما يكرس السيطرة الدائمة لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على قطاع غزة تحت ما يسمى السلام الاقتصادي.

لكن في المقابل، هل يقبل الفلسطينيون بأن يُعاد الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، وتبقى المناطق الخاضعة لسيطرة حماس ذات الكثافة السكانية في وضع كارثي معقد، ولا تتوافر فيها أدنى مقومات الحياة الإنسانية؟ وفيما يتعلق بموقف الوسطاء والأطراف الضامنة للاتفاق، هل تقبل أن يكون مصير الاتفاق منحصرًا في إعادة الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية؟ ومن جانب آخر، ماذا عن الضفة الغربية التي يجتاحها الاستيطان، ومصادرة الأراضي والاعتداءات اليومية من ميليشيات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية؟ فكيف سيتحقق السلام الاقتصادي في ظل وجود نحو (1000) حاجز إسرائيلي في الضفة الغربية، أم أن خطط السلام الاقتصادي اليوم تنحصر في قطاع غزة، ولا تشمل الضفة الغربية التي أصبحت ساحة مواجهة يوميًّا بين المواطنين الفلسطينيين والمستوطنين المسلحين والمدعومين من الحكومة الأكثر يمينية وتطرفًا في تاريخ إسرائيل؟ من هنا فإن الركيزة الأساسية للاقتصاد هي توفير الأمن والاستقرار، وبدون أمن واستقرار فربما يكون السلام الاقتصادي بعيد المنال، وتكون الخطط الأمريكية عبارة عن مناورات سياسية واقتصادية أمام الرأي العام الدولي الذي أصبح أكثر تحررًا من القيود، ويخرج بمظاهرات صاخبة مؤيدة للشعب الفلسطيني، ورافضة لكل أشكال الحرب والعدوان التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع