في تصعيد دراماتيكي للتوترات السياسية في إقليم كردستان العراق، اعتُقل لاهور شيخ جنجي، زعيم حزب “جبهة الشعب” المعارض، إلى جانب شقيقيه، بعد مواجهة عنيفة مع القوات الأمنية في السليمانية. العملية، التي جرت في الساعات الأولى من صباح الجمعة الماضية، أسفرت عن إصابات متعددة، وأثارت قلقًا محليًّا ودوليًّا.
كان الصراع المسلح الأخير في السليمانية نتيجة صراع سياسي وعائلي عميق وطويل الأمد على السلطة داخل الاتحاد الوطني الكردستاني.
كان شيخ جنجي -ذات فترة- رئيسًا مشاركًا للاتحاد الوطني الكردستاني إلى جانب ابن عمه بافل طالباني، نجل رئيس العراق الراحل جلال طالباني. تدهورت علاقتهما في عام 2021، مما أدى إلى إزاحة شيخ جنجي، وتوحيد بافل السيطرة على الحزب.
أسس شيخ جنجي لاحقًا حزب جبهة الشعب، الذي اكتسب زخمًا، وفاز بمقاعد في انتخابات عام 2024، وشكّل تحديًا لهيمنة الاتحاد الوطني الكردستاني.
التهم القانونية ومذكرة الاعتقال
أصدرت محكمة السليمانية مذكرة اعتقال بموجب المادة 56 من قانون العقوبات العراقي، متهمة شيخ جنجي بالتآمر الإجرامي، وزعزعة النظام العام. وشملت عملية اعتقاله استخدام أسلحة ثقيلة، وقوات مكافحة الإرهاب، وهو ما رأى كثيرون أنه إجراء مفرط، وذو دوافع سياسية.
مواجهات مسلحة ومخاوف أمنية
قاوم الموالون لشيخ جنجي، المعروفون باسم “قوة العقرب”، عملية الاعتقال؛ مما أدى إلى ساعات من الاشتباكات المسلحة. صدم استخدام الدبابات والأسلحة الثقيلة داخل منطقة مدنية الكثيرين، وأثار مخاوف من عسكرة الخلافات السياسية.
ادعاءات بالقمع السياسي
يجادل النقاد بأن الاعتقال لم يكن مجرد إنفاذ للقانون؛ وإنما جزء من حملة أوسع لقمع الأصوات المعارضة. وقد اتُخذت إجراءات مماثلة مؤخرًا ضد شخصيات معارضة أخرى، منها شاسوار عبد الواحد، مما زاد مخاوف استخدام تكتيكات سلطوية.
ردود الفعل الإقليمية والدولية
أعربت حكومة إقليم كردستان عن قلقها إزاء العنف، في حين دعت الحكومة الاتحادية في بغداد إلى الشفافية وضبط النفس. وقد أدانت هيئات دولية، بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا، التصعيد، وحثت على الحل السلمي.
في الجوهر، لم تكن هذه مجرد قضية قانونية؛ بل نقطة اشتعال في معركة أكبر بشأن السيطرة السياسية والشرعية، والاتجاه المستقبلي للحكم الكردي.
إلى جانب شيخ جنجي، اعتُقل شقيقيه آسو وبولاد، في حين سلم نفسه ريبوار حامي حاجي غالي، قائد قوات “لالزار”، للسلطات الأمنية.
الوحدات المشاركة في العملية
شملت عملية اعتقال شيخ جنجي في السليمانية عدة وحدات أمنية كردية عراقية رئيسة، تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني.
شارك في عملية اعتقال لاهور كل من الأسايش (القوات الأمنية) التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، ومجموعة مكافحة الإرهاب، التي كان شيخ جنجي يقودها سابقًا، وقُتل أحد أفراد مجموعة مكافحة الإرهاب، آري شيخ سواد طالباني، خلال الاشتباكات.
نُشرت وحدات كوماندوز متخصصة في القتال الحضري والعمليات العالية الخطورة إلى جانب قوات الأسايش ومجموعة مكافحة الإرهاب، وكانوا مشاركين في الهجوم المباشر، وورد أنهم استخدموا أسلحة ثقيلة في أثناء المواجهة.
أشرفت قيادة شرطة السليمانية (الشرطة المحلية) على التنفيذ القانوني لمذكرة الاعتقال الصادرة عن محكمة تحقيق الأسايش، وساعدت على تنسيق الإغلاق الأمني الشامل في جميع أنحاء المدينة.
أثار استخدام هذه القوات للدبابات والطائرات بدون طيار، والمدفعية الثقيلة، انتقادات من جماعات حقوق الإنسان والمراقبين السياسيين، الذين يجادلون بأن نطاق العملية يشبه حصارًا عسكريًّا أكثر من كونه إجراءً لإنفاذ القانون.
الاعتقال والمواجهة المسلحة
وفقًا لتقارير من شبكة “روداو” الإعلامية، ووكالة الأنباء العراقية، اقتحمت وحدة أمنية خاصة فندق لالزار في السليمانية، حيث كان شيخ جنجي يقيم. وجاء الاعتقال بعد إصدار مذكرة قضائية بموجب المادة 56 من قانون العقوبات العراقي، مستشهدةً بتهم “التآمر لزعزعة الأمن والنظام العام”.
أطلقت العملية اشتباكات مسلحة شديدة بين القوات الأمنية وأنصار شيخ جنجي، المعروفين باسم “قوة العقرب”، واستمر تبادل إطلاق النار أكثر من أربع ساعات؛ مما أسفر عن مقتل ثلاثة من أفراد الأمن، وإصابة 20 آخرين على الأقل، واستسلم شيخ جنجي في النهاية، في حين جُرح شقيقه بولاد واحتُجز.
التيارات الخفية السياسية والعائلية
يلاحظ المراقبون أن الصراع ليس سياسيًّا فحسب، بل هو متجذر بعمق في الانقسامات العائلية، حيث مارست عائلتا طالباني وشيخ جنجي نفوذًا كبيرًا تاريخيًّا داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، مما جعل الأزمة الحالية مزيجًا معقدًا من الثأر الشخصي والصراعات على السلطة المؤسسية.
ردود الفعل من كردستان وبغداد
تصدى مسؤولو حكومة إقليم كردستان بسرعة للاضطرابات، وتعهد نائب رئيس الوزراء قوباد طالباني بأن أولئك المسؤولين عن العنف سيواجهون العدالة، في حين حذر رئيس الوزراء مسرور بارزاني من أن الاشتباكات تهدد استقرار الإقليم، ودعا إلى وقف فوري للأعمال العدائية.
في بغداد، شددت الحكومة الاتحادية على ضرورة إجراء الإجراءات القانونية بشفافية، وبدون تدخل سياسي، وأكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، أهمية حماية الحقوق المدنية، وتجنب تكتيكات التخويف.
القلق الدولي
أعربت الولايات المتحدة وتركيا عن قلقهما إزاء التطورات، وحثت السفارة الأمريكية في العراق على ضبط النفس، وأدانت أي إجراءات تعرض السلامة العامة للخطر. وفي الوقت نفسه، أعلنت تركيا اتخاذ إجراءات احترازية لحماية مواطنيها في السليمانية، مما يشير إلى إمكانية وجود تداعيات إقليمية أوسع.
إن هجوم الولايات المتحدة وغزوها واحتلالها العراق هو ما فتح أبواب الفوضى في العراق، التي لا تزال قائمة حتى اليوم، حيث دمر الاحتلال الأمريكي نسيج المجتمع على أسس طائفية. وشمال العراق الآن تحت سيطرة إدارة كردية، تتحكم -على نحو ملائم- في مواقع إنتاج النفط الرئيسة في العراق، إحدى الدول الرائدة الغنية بالنفط على الأرض.
نمط من القمع
يأتي اعتقال شيخ جنجي بعد وقت قصير من احتجاز شاسوار عبد الواحد، زعيم حركة الجيل الجديد، الذي احتُجز بتهم القذف. ويجادل النقاد بأن هذه الاعتقالات تعكس اتجاهًا مقلقًا للقمع السياسي في منطقة تتباهى بقيمها الديمقراطية.
كما واجه الصحفيون والنشطاء ضغوطًا متزايدة. ولعل الأبرز هو تمديد الحكم بالسجن على الصحفي المناهض للفساد شيروان شيرواني قبل أيام فقط من الإفراج المقرر عنه، مما يثير مزيدًا من المخاوف بشأن حرية الصحافة.
الطريق إلى الأمام
بينما تستمر التوترات، تتعالى الدعوات إلى الحل والحوار القانوني. وبينما تصر قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني على أن الاعتقال كان قانونيًّا وضروريًّا، تدعي الشخصيات المعارضة أنه كان محاولة ذات دوافع سياسية لإسكات المعارضة.
تبرهن الأزمة في السليمانية أنها لم تنتهِ، وهي على توازن هش بين السلطة والمعارضة في كردستان العراق. ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية في نوفمبر (تشرين الثاني)، يواجه الإقليم اختبارًا حاسمًا لمؤسساته الديمقراطية، والتزامه بالحريات المدنية.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.